الخلاصة

  • غالبًا ما تصوّر أساطير العالم خالقاتٍ إناثًا، مما غذّى نظريات الأمومية القديمة (حكم النساء أو مركزيتهن).
  • اقترح ي. ي. باخوفن (1861) مرحلة كونية من «حق الأم»، مؤثرًا في إنجلز والنسويات وحتى بعض المنظّرين النازيين، وإن كان ذلك قائمًا في كثير من الأحيان على تأويلات الأساطير.
  • ناقش علماء الأنثروبولوجيا في القرنين التاسع عشر والعشرين هذه الفكرة؛ فقد أيدها باحثون مثل مورغان، في حين انتقدها مين وويسترمارك، ثم مالينوفسكي لاحقًا، إذ لم يجدوا دليلًا واضحًا على حكم سياسي نسائي.
  • أعادت النسوية الموجة الثانية إحياء الاهتمام بالفكرة (مثل مفهوم غيمبوتاس عن «أوروبا القديمة»)، لكنها واجهت انتقادات أكاديمية شددت على غياب البرهان وعلى تأويلات بديلة (مثل قول بامبرغر إن الأساطير تبرر النظام الأبوي).
  • يركّز البحث الحديث على الإسهامات النسائية الملموسة (فرضية الجدة، والتربية التعاونية (cooperative breeding)، وأصول اللغة عبر لغة الأم الموجّهة إلى الطفل، والأدوار المحتملة في الابتكار والزراعة) وعلى المقارنات مع الرئيسيات (البونوبو)، بدلًا من الأمومية الحرفية. والخلاصة المتوافق عليها: لا توجد مجتمعات أمومية مثبتة، لكن النساء كنّ حاسِمات في تشكيل الثقافة.

الخالقات الإناث في الأسطورة وعلم الكونيات #

تظهر النساء في أساطير العالم غالبًا بوصفهن خالقات أوليات أو حاملاتٍ للثقافة. ففي روايات زمن الحلم لدى السكان الأصليين الأستراليين، مثلًا، تُنسب إلى أخوات سلفيات إقامة القانون والطقوس. فقد «أرست أختا واويلَك كثيرًا من القانون والطقوس» للشعب الأول، وعلّمتاه المدونة الأخلاقية التي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا. وأثناء رحلتهما، سمّت الأختان الأرض وأوجدتا الطقوس المقدسة، فأسستا، في جوهر الأمر، عناصر أساسية من الثقافة في تقليد يولنغو. وتظهر موضوعات مماثلة في أماكن أخرى: ففي علم الكونيات لدى شعب النافاهو، تُعدّ المرأة المتحوِّلة شخصية محورية تلد بطلين ثقافيين توأمين، وتساعد في تشكيل عالم «شعوب سطح الأرض»، فتدخل النظام وكائنات جديدة في عملية الخلق. وفي حكايات الشنتو في اليابان، لا تجسّد إلهة الشمس أماتيراسو القوة الشمسية الواهبة للحياة فحسب، بل تُعدّ، أسطوريًا، السلف الأنثى للسلالة الإمبراطورية؛ إذ يُقال إن أول إمبراطور ياباني من نسلها، بما يؤشّر إلى أصل إلهي أنثوي للسلطة الاجتماعية.

تعبّر هذه الأساطير عن رؤية للنساء بوصفهن مولّدات الحياة والقانون. وقد جسّدت مجتمعات كثيرة مبكرة الأرض أو الخصوبة في صورة أنثوية، بدءًا من الإلهات الأمهات العظيمات في أوروبا القديمة، وصولًا إلى شخصيات «المرأة الأولى» في أساطير الشعوب الأصلية. ويلمح الفن ما قبل التاريخ إلى أفكار مماثلة؛ فقد دفع انتشار تماثيل «فينوس» في العصر الحجري القديم بعض الباحثين إلى افتراض وجود عبادة قديمة لإلهة أم، بما يوحي بأن البشر الأوائل كانوا يجلّون مبدأً إبداعيًا أنثويًا بوصفه مصدر الثقافة والمجتمع. ومع اختلاف التأويلات، هيّأت هذه الأدلة الأسطورية والرمزية الطريق أمام منظّرين لاحقين تخيّلوا أن النساء كنّ في الماضي يحتللن أدوارًا مهيمنة فعلًا في المجتمع، مما أفضى إلى ظهور أقدم المؤسسات البشرية.

«حق الأم» عند باخوفن: ما قبل التاريخ الأمومي #

بدأت الفكرة العلمية الحديثة عن النساء بوصفهن منشئات الحضارة بكتاب يوهان ياكوب باخوفن الرائد الصادر عام 1861، Das Mutterrecht («حق الأم»). اقترح باخوفن، وهو فقيه وكلاسيكي سويسري، أن المجتمع البشري مرّ بمرحلة مبكرة من الحكم النسائي قبل النظام الأبوي. وجادل بأن العلاقات الجنسية غير المنضبطة («Hetärismus») كانت سائدة في العصر البدائي للبشرية، مما جعل إثبات الأبوة متعذرًا، ولذلك لم يكن من الممكن تتبّع النسب والميراث إلا عبر الأم. ووفقًا لباخوفن، أدى ذلك إلى نشوء فترة كونية من حق الأم (Mutterrecht) تمتعت فيها النساء، بوصفهن الوالدات الوحيدات اللاتي يمكن التحقق منهن، بمكانة رفيعة وسلطة كبيرة. وكان يعتقد أن «المجتمعات البشرية الأولى كانت أمومية وتميّزت بشيوع العلاقات الجنسية غير المنضبطة، وهو ما انعكس في عبادة الآلهة الإناث». وقد تعامل مع الأساطير كما لو كانت سجلات أحفورية للتطور الاجتماعي، مؤكدًا أن الأساطير «تعبيرات حية عن مراحل تطور شعب ما». فعلى سبيل المثال، رأى في المأساة اليونانية الخاصة بأوريستيس، حيث يُحاكَم أوريستيس لقتله أمه كليتمنسترا، رمزًا إلى إطاحة حق الأم بحق الأب في العصور القديمة. (في المسرحية، ينحاز الإلهان الجديدان أبولو وأثينا إلى أوريستيس، فيضفيان الشرعية على مبدأ أولوية نسب الأب على نسب الأم، ومن ثم يمثّلان رمزيًا انتصار النظام الأبوي). واستند باخوفن أيضًا إلى تقارير عن عادات أجنبية (فأشار، مثلًا، إلى القرابة من جهة الأم لدى الليسيين في آسيا الصغرى) وإلى رموز أنثوية أثرية. ومن مجموع ذلك، بنى مخططًا تطوريًا كبيرًا للمراحل الثقافية: فقد نشأ من «Hetärismus» الفوضوي عصر أمومي متمحور حول الأرض والخصوبة (تجسده الزراعة وعبادة الإلهات)، ثم استُبدل هذا العصر في نهاية المطاف بالنظام الأبوي.

ومن اللافت أن باخوفن مثّل العصر الأمومي في صورة مثالية، بوصفه عصرًا للسلام والانسجام الاجتماعي. ففي رأيه، «كانت الفترة الأمومية من تاريخ البشرية فترة من العظمة السامية»، سادت فيها قيم النساء؛ إذ كانت الأمهات يُلهِمن «العفة والشعر»، ويسعين إلى السلام والعدل، بينما يروّضن «ذكورة الرجال الجامحة الخارجة على القانون». وكان يعتقد أن هذا المبدأ الأنثوي قدّس الأسرة والمجتمع إلى أن حلّ محله مبدأ ذكوري أكثر عدوانية. وقد صوّر عمل باخوفن المؤثر (وإن كان تأمليًا) الانتقال إلى النظام الأبوي بوصفه ثورة عميقة. وكتب، مثلًا، أن الأمر تطلّب في الأسطورة اليونانية تدخّلًا إلهيًا، أي مجيء آلهة أبوية جديدة، من أجل «تحقيق معجزة الإطاحة بحق الأم» وإرساء حق الأب.

كانت نظريات باخوفن جريئة وغير مألوفة في زمانها. وقد أزعج اعتمادُه على القراءات الحدسية للأسطورة، وتأكيدُه أن الأساطير تحفظ صورة «واقعية، وإن كانت مشوّهة» عن الواقع الاجتماعي في عصور ما قبل التاريخ، العلماءَ الأكثر ميلًا إلى المنهج التجريبي. فقد رفض عالم الأنثروبولوجيا الفنلندي البارز إدفارد ويسترمارك، في كتابه The History of Human Marriage (1891)، منهج باخوفن، إذ كان «منزعجًا من فكرة باخوفن أن الأساطير والخرافات تحفظ “الذاكرة الجمعية” لشعب ما».

ومع ذلك، غرس كتاب Das Mutterrecht بذرة أثّرت تأثيرًا بالغًا في أجيال من المفكرين (خيرًا أو شرًا). وكما يلاحظ أحد المؤرخين، فقد «ابتكر باخوفن نظرية في التطور البشري والثقافي» تتمحور حول النساء، وعلى الرغم من إهمال أفكاره في البداية، فقد تبنّتها لاحقًا أطياف أيديولوجية مختلفة في ألمانيا، من الاشتراكيين والفاشيين إلى النسويين ومعارضي النسوية على حد سواء.

الأنثروبولوجيا التطورية والجدل حول الأمومية (1860s–1900s) #

ظهرت أطروحة باخوفن في الوقت الذي كانت فيه الأنثروبولوجيا والنظرية الاجتماعية تطوّران أطرًا تطورية للمؤسسات البشرية. ففي أواخر القرن التاسع عشر، تبنّى عدد من العلماء البارزين فكرة وجود أمومية قديمة أو جادلوا ضدها، وهم يبنون نظريات كبرى عن تقدم المجتمعات.

من جهة، وجد باخوفن مؤيدين متحمسين بين علماء الأنثروبولوجيا والمنظّرين الاجتماعيين الأوائل الذين كانوا يبحثون عن مراحل كونية للتطور الثقافي. فقد خلص عالم الأعراق الأمريكي لويس هنري مورغان، المشهور بدراسته للإيروكوا، بصورة مستقلة إلى أن المجتمع ما قبل التاريخ كان منظمًا في الأصل حول عشائر أمومية النسب. وفي كتابه Ancient Society (1877)، وثّق مورغان كيفية تتبّع كثير من الشعوب الأصلية قرابتها عبر الأم، واقترح أن البشرية البدائية مارست الزواج الجماعي، مما جعل الأمومة الشكل الوحيد المؤكد من أشكال النسب الوالدي. ورأى في أنظمة القرابة «التصنيفية» لدى الأمريكيين الأصليين مفتاحًا يدل على أن «النسب عبر الخط الأنثوي» كان هو القاعدة في العصور المبكرة، قبل ظهور الزواج الأحادي والنسب الأبوي. وقد منح نهج مورغان القائم على الأدلة (والمستند إلى معطيات إثنوغرافية من الإيروكوا والبولينيزيين وغيرهم) حدًّا من السند التجريبي لحدوس باخوفن. وأقنعه ذلك بأن الأسرة الأبوية الأحادية الزواج كانت تطورًا متأخرًا نسبيًا في التاريخ البشري، سبقتها حقبة طويلة مما سمّاه تنظيم العشيرة الأمومية.

وجادل عالم الأنثروبولوجيا البريطاني جون فيرغسون ماكلينان، على نحو مماثل، في عامي 1865 و1886، بأن المجتمعات المبكرة كانت ذات نسب أمومي؛ وصاغ مصطلح «الزواج الخارجي»، واقترح أن أسر الزوجات وندرة النساء أدّيا إلى عادات توحي، بصورة غير مباشرة، بوجود نظام سابق لحق الأم. وقد نسب ماكلينان في نهاية المطاف إلى باخوفن فضل تحديد النسب الأمومي بوصفه الأصل. وحتى جيمس ج. فريزر، المؤلف الشهير لكتاب The Golden Bough، كان مفتونًا بهذه الفكرة؛ فقد كرّس نفسه لجمع الأدلة العالمية على الأمومية، محاولًا دعم ادعاءات باخوفن بالفولكلور والأساطير المقارنة.

ولعل فريدريش إنجلز، المنظّر الماركسي، كان أكثر من أثّر في هذا المجال؛ إذ تبنّى فكرة الأمومية البدئية ونسجها في صلب المادية التاريخية. ففي كتابه The Origin of the Family, Private Property and the State (1884)، اعتمد إنجلز اعتمادًا كبيرًا على مورغان (الذي أثنى عليه لاكتشافه «ما قبل تاريخ» الأسرة) وعلى رؤى باخوفن. وأكد إنجلز أن سقوط حق الأم كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بظهور الملكية الخاصة. وجادل بأن النساء كنّ يتمتعن بمكانة مرتفعة نسبيًا في المجتمع القبلي الشيوعي، لكن الرجال استولوا على السلطة مع تراكم الثروة وازدياد أهمية الأبوة بالنسبة إلى الميراث. وقد كتب إنجلز عبارته الشهيرة: «كانت الإطاحة بحق الأم هزيمةً تاريخيةً عالميةً للجنس الأنثوي… فأصبحت المرأة مهانةً ومستعبدةً… ومجرد أداة للإنجاب». ووفقًا لإنجلز، أفضت هذه «الهزيمة» إلى أول تفاوت طبقي (بين الجنسين)، ثم زادته ترسيخًا التقسيمات الطبقية. وربط ظهور النظام الأبوي بظهور الملكية القابلة للتوريث والزواج الأحادي المصمَّم لضمان يقين الأبوة.

أكسبت صياغة إنجلز الدرامية فرضيةَ النظام الأمومي رواجًا واسعًا في الأوساط اليسارية والنسوية. كما ربطت الاعتقاد بوجود نظام أمومي في عصور ما قبل التاريخ ربطًا وثيقًا بتفسيرات سياسية معينة: فبالنسبة إلى الماركسيين، كان حق الأم البدائي يمثل شكلًا مبكرًا من المجتمع المشاعي المتساوي، وقد قضى على هذا الشكل صعودُ المجتمع الطبقي. وقد طغى تسييس هذه المسألة أحيانًا على الأدلة التجريبية. وكما لاحظ عالم الأنثروبولوجيا روبرت لوي لاحقًا، كان إنجلز وآخرون مفتونين إلى حد كبير برؤية مورغان وباخوفن، حتى إن «الواقع التاريخي لعصر من النظام الأمومي» كان يُفترض في كثير من الأحيان بدلًا من البرهنة عليه.

وفي الوقت نفسه، تحدّى باحثون آخرون بشدة فكرة النظام الأمومي البدئي. فقد أصرّ الفقيه الإنجليزي السير هنري مين، منذ عام 1861، على أن الوحدة الاجتماعية الأساسية في أقدم المجتمعات كانت الأسرة الأبوية، لا العشيرة الأمومية. وكان مين، المنحدر من خلفية في القانون القديم (والمتأثر بصورة patria potestas الكلاسيكية في روما)، يرى أن السلطة الأبوية والقرابة الأَغناتية كانتا بدائيتين. واعتبر نظريات من قبيل نظرية باخوفن «روايات» تخمينية تتعارض مع كل من التاريخ القانوني الروماني والكتاب المقدس. وفي عام 1891، خلصت دراسة ويسترمارك الواسعة للزواج، على نحو مماثل، إلى أنه رغم شيوع القرابة من جهة الأم في ثقافات كثيرة، لم يكن هناك دليل متين على وجود عصر ماضٍ حكمت فيه النساء الرجال؛ وكان هدفه «إعادة إرساء نظرية مين الأبوية لأصول الإنسان»، كما رفض الأدلة الأسطورية التي قدمها باخوفن. وبحلول مطلع القرن العشرين، كان عدد مهم من علماء الأنثروبولوجيا يشك في أن أي مجتمع كان يومًا نظامًا أموميًا حقيقيًا (بمعنى الحكم السياسي من جانب النساء) – وهو شك لم يلبث أن ازداد قوة مع توافر مزيد من البيانات الإثنوغرافية.

تطورات أوائل القرن العشرين: من عبادة الآلهة إلى النقد #

مع بزوغ القرن العشرين تقريبًا، خضعت فرضية النظام الأمومي للتنقيح بفعل أدلة جديدة، كما هاجمها علماء اجتماعيون ناشئون. وعلى الجانب المؤيد، طبّقت الكلاسيكية جين إلين هاريسون وأصحاب المدرسة الطقوسية في كامبريدج أفكار باخوفن على الثقافة اليونانية القديمة. وكانت هاريسون ترى أن اليونان ما قبل الهيلينية اتسمت بدين متمحور حول الآلهة، وربما بعادات اجتماعية أمومية النسب. وفي أعمال من قبيل Prolegomena to the Study of Greek Religion (1903) وThemis (1912)، جادلت بأن كثيرًا من الأساطير والطقوس الأولمبية (عبادة ديميتر، وقصة الأمازونيات، وغير ذلك) حفظت آثارًا لعصر أمومي سابق، أو على الأقل لعصر «متمحور حول الأم». وقد افترض تفسيرها للفن والأسطورة اليونانيين وجود طبقة تأسيسية وجدانية ومجتمعية متمحورة حول الأنثى تحت مجمع الآلهة اللاحق الذي هيمن عليه الذكور. بل وصفت هاريسون ثقافة اليونان القديمة بأنها ثقافة «حق الأم» التي قلبتها غزوات لاحقة، متوافقة بذلك مع السرد التطوري لباخوفن. وقد أثار هذا ردود فعل من الكلاسيكيين الأكثر محافظة؛ إذ انتقد باحثون مثل لويس فارنل وبول شورِي هاريسون انتقادًا لاذعًا، غالبًا بعبارات مشبعة بالتحيزات الجندرية لعصرهم. وسخروا من أفكارها عن النظام الأمومي بوصفها ضربًا من الخيال، واتهموها بالانغماس فيما أسماه أحدهم «هيلينية الحرية الجنسية»، رابطين نظرياتها الأكاديمية بالفكرة الفاضحة المتمثلة في تحرر النساء. وتُظهر هذه الردود كيف تداخل النقاش مع المواقف المعاصرة؛ فقد هوجم عمل هاريسون فعليًا بوصفه تقويضًا نسويًا للدراسات الكلاسيكية، في وقت كانت فيه حركة المطالبة بحق النساء في الاقتراع في أوجها.

ولعل أكثر امتداد طموح في تلك الحقبة لأطروحة «النساء مؤسسات الثقافة» تمثل في كتاب روبرت بريفو The Mothers: A Study of the Origins of Sentiments and Institutions (1927). فقد جمع بريفو – وهو عالم أنثروبولوجيا بريطاني مولود في فرنسا – مجموعة موسوعية من الأمثلة الإثنوغرافية ليجادل بأن جميع الجوانب الأساسية للحضارة تقريبًا نشأت في المجال الأمومي. وأكد أن الحياة الاجتماعية البشرية المبكرة تشكلت بفعل إسهامات النساء؛ فالعائلة نفسها، في رأيه، كانت «نتاج غرائز الأنثى»، وكانت النساء أول من أنشأ الروابط الاجتماعية. ولم يعرّف بريفو النظام الأمومي البدئي بالضرورة على أنه حكم النساء للرجال سياسيًا، بل بوصفه تمركزًا اجتماعيًا وإبداعًا ثقافيًا للنساء. وتكهّن، مثلًا، بأن النساء طورن الطقوس الأولى والعبادات الدينية؛ فبعد أن لاحظ الحضور الواسع للآلهة القمرية والمحظورات المرتبطة بالحيض، خلص إلى أن النساء، بوصفهن «أول هيروفانتات للعبادات القمرية»، حزن سلطة روحية مبكرة. كما صاغ «قانون بريفو» الذي ينص، في صيغته الشائعة، على ما يلي: «الأنثى، لا الذكر، هي التي تحدد جميع شروط الأسرة الحيوانية. وحيث لا تستطيع الأنثى أن تستمد أي منفعة من الارتباط بالذكر، لا يحدث مثل هذا الارتباط». وبعبارة أخرى، تتشكل الوحدات الأسرية أو الاجتماعية الدائمة حول احتياجات الإناث واختياراتهن. (وقد أوضح بريفو أنه كان يصف الحيوانات، ولم يكن يقول إن المجتمع البشري مماثل لحريم الحيوانات. ومع ذلك، كان الإيحاء هو أن الأسرة البشرية نشأت من مبادرة أمومية؛ أي إن الإناث لم تكن تسمح للذكور بالانضمام إلى الجماعة إلا حين يكون ذلك مفيدًا.)

وادعى عمل بريفو بجرأة أن النساء اخترعن الحضارة، من الزواج والطبخ إلى القانون والدين. وكان هذا تحديًا مباشرًا للسردية السائدة التي تفترض أن الأنشطة الذكورية (مثل الصيد أو صناعة الأدوات) هي التي دفعت عجلة التقدم. غير أن علماء الأنثروبولوجيا السائدين في ذلك العصر لم يقتنعوا. فبحلول أواخر عشرينيات القرن العشرين، كانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية تتجه نحو الوظيفية والشك في التطور أحادي الخط. وقد عارض برونيسلاف مالينوفسكي، الذي درس سكان جزر تروبرياند ذوي النسب الأمومي، استنتاجات بريفو. ووجد مالينوفسكي أنه حتى في المجتمعات التي تفتقر إلى مفهوم الأبوة البيولوجية (إذ كان سكان تروبرياند يعتقدون أن الأطفال يُحبل بهم من أرواح الأسلاف)، لم يكن الرجال بعيدين عن الأهمية؛ فقد أدّى أخوال الأطفال وأزواج النساء أدوارًا حيوية في الحياة الاجتماعية والسياسية للجماعة. وناقش بريفو في ثلاثينيات القرن العشرين، مجادلًا بأن الأسر البشرية المبكرة كانت على الأرجح تشتمل دائمًا على إسهامات ذكورية مهمة، وأن مرحلة «التمركز حول الأم» قد جرى تضخيمها. وفي تحليل مالينوفسكي، لم يمنح أي مجتمع معروف النساء سلطة حصرية؛ وما كان يختلف هو ما إذا كان النسب يُتتبع عبر الأمهات أم عبر الآباء، لا وجود «حكم للنساء» على الرجال بمعناه الشامل.

وعلاوة على ذلك، قدم بعض الباحثين نماذج تطورية أكثر تعقيدًا. فقد اقترح عالم الإثنولوجيا النمساوي فيلهلم شميت في ثلاثينيات القرن العشرين أصلًا متعدد الخطوط للثقافة؛ إذ رأى أن هناك ثلاثة أنماط أولية من الثقافات السابقة للتاريخ – أمومية النسب، وأبوية النسب، وسلطوية أبوية (patriarchal) – تبعًا لعوامل بيئية مختلفة. واللافت أن شميت رأى أن دور النساء في زراعة النباتات المبكرة ربما رفع مكانتهن وعزّز عبادة الآلهة في بعض المناطق. ويشبه هذا النظريات الحديثة التي ترى أن النساء ربما بدأن الزراعة (بوصفهن جامعات دجّنَ النباتات) واخترعن تقنيات مهمة مثل النسيج والفخار، وبذلك أسهمن في إشعال الثورة النيوليتية. ومع أن أعمال شميت نادرًا ما يُستشهد بها اليوم، فإنها تُظهر محاولة لإدماج كل من الجندر والبيئة في قصة أصول الثقافة، بدلًا من افتراض عصر أمومي عالمي واحد.

وبحلول منتصف القرن، قادت كثافة الأدلة الإثنوغرافية الجديدة معظم علماء الأنثروبولوجيا إلى اتخاذ موقف نقدي من فرضية النظام الأمومي. فقد أخفقت مسوح المجتمعات القبلية في العثور على أمثلة لا لبس فيها لنظم سياسية تهيمن عليها النساء. وأعلن عالم الأنثروبولوجيا ألفرد رادكليف-براون في عام 1924 أن «العشيرة الأمومية ليست هي النظام الأمومي»؛ أي إنه لا ينبغي الخلط بين القرابة الأمومية وبين امتلاك النساء سلطة على الرجال. وفي عام 1930، ذهب إ. إ. إيفانز-بريتشارد إلى حد اقتراح أن الفكرة برمتها، أي وجود مرحلة أمومية قديمة، كانت نتاج خيال ذكوري (أو قلق ذكوري)، لا حقيقة تاريخية. ومع ذلك، ظلت فكرة عصر مفقود قادته النساء فاتنة، وسرعان ما وجدت حياة جديدة في سياقات أيديولوجية مختلفة.

الأيديولوجيات والتفسيرات: سياسات النظام الأمومي البدئي #

لأن مسألة أسبقية النساء في الثقافة تمس قضايا أساسية تتعلق بالسلطة والهوية، فقد تشابكت مع الأيديولوجيا منذ البداية. وكثيرًا ما عكست ردود الفعل على أطروحة النظام الأمومي روح العصر – من النظام الأبوي الفيكتوري إلى ألمانيا النازية إلى النسوية في موجتها الثانية.

كان علماء الأنثروبولوجيا والمنظّرون الاجتماعيون الفيكتوريون الذين أيدوا الأعراف الأبوية من أوائل من قاوموا نموذج النظام الأمومي. ويمكن النظر إلى نظرية السير هنري مين الأبوية، المذكورة أعلاه، بوصفها دفاعًا جزئيًا عن الوضع القائم؛ فقد انسجمت مع السردية الكتابية للآباء الأوائل، ومع الأعراف الاجتماعية الفيكتورية التي افترضت أن سلطة الرجل طبيعية وبدائية. وعندما بدأت نتائج باخوفن ومورغان في الانتشار، رأى بعض الباحثين المحافظين فيها تهديدًا. فقد تعارضت فكرة أن الأبوة اكتشاف متأخر، وأن المجتمع المبكر كان يكرّم نسب النساء، مع القناعات المسيحية والفيكتورية المتعلقة بالدور الذي منحه الله للأب. وكما صاغ أحد المراجع ذلك بلهجة لاذعة في أوائل القرن العشرين، فإن مفهوم النظام الأمومي بوصفه مرحلة من مراحل التطور «غير قابل للدفاع عنه علميًا»، كما أن المصطلح نفسه مضلل. وتشير مثل هذه الرفضيات إلى أن المؤسسة الأكاديمية كانت قد رفضت إلى حد كبير، بحلول ذلك الوقت، فكرة النظام الأمومي؛ وربما لم يكن ذلك لأسباب تجريبية فحسب، بل أيضًا لأنها تحدّت سرديات أبوية متجذرة بعمق.

في العالم الناطق بالألمانية، شهدت أعمال باخوفن إحياءً في أوائل القرن العشرين، ووجدت معجبين غير متوقعين بين المفكرين القوميين والفاشيين. وهذه مفارقة تاريخية لافتة: فحتى في الوقت الذي كان فيه الاشتراكيون القوميون يمجّدون الآري الذكر علنًا، ويضعون النساء في إطار «Kinder, Küche, Kirche» (الأطفال، والمطبخ، والكنيسة)، كان بعض المفكرين النازيين مفتونين بأسطورة الأمومية القديمة. وقد لاحظ الباحثون أن «الأسطورة الأمومية» كانت تتمتع بازدواجية سياسية غريبة: إذ كان بوسعها أن تستميل اليسار المتطرف (الماركسيين والنسويين) واليمين المتطرف على حد سواء. وفي ألمانيا في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، استولى كتّاب فولكيش (قوميون ذوو نزعة فلكلورية) مختلفون على أفكار باخوفن ووظفوها. فعلى سبيل المثال، رأى ألفرد بويملر، وهو فيلسوف نازي بارز، في الماضي الهندو-أوروبي تآزرًا بين المبدأين الذكوري والأنثوي؛ وقد أقرّ بوجود فترة ما قبل تاريخية من حكم النساء، لكنه صوّرها نقيضًا نبيلًا للنظام الجندري الحديث. وكان يعتقد، مثل باخوفن، أن استقلال النساء كان ذات يوم واقعًا، لكنه جرى، بحق، تجاوزه عبر قيادة الرجال؛ غير أنه ألمح أيضًا إلى أن إحياء المثل الروحية للماضي الأمومي يمكن أن يجدّد الأمة. ومثال آخر هو ألفرد روزنبرغ، كبير منظّري الحزب النازي، الذي أشار في كتابه The Myth of the Twentieth Century (1930) إلى الأمومية البدئية بطريقة ملتوية: فقد تصوّر روزنبرغ عصرًا ذهبيًا آريًا مفقودًا لم يكن أموميًا تمامًا، لكنه أبرز المكانة الرفيعة للنساء ورموز الأمومة بين الشعوب «النوردية» القديمة. ولم يصوّر المدافعون النازيون عن النظرية الأمومية الأمر قط على أنه حكم النساء للرجال؛ بل مثّلوا «الأمومة الجرمانية» بوصفها اللبّ المغذي للجماعة الشعبية (Volksgemeinschaft). وبعبارة أخرى، استخدموا هيبة القِدَم لتمجيد الأمومة، ولكن فقط ضمن نظام جندري متوازن توازنًا صارمًا، ظلت فيه المحاربة الذكورية هي الغالبة.

ومن المهم ملاحظة أن الاهتمام النازي بهذه الأفكار كان هامشيًا ومتناقضًا إلى حد ما. فالموقف العام للرايخ الثالث كان أن النظام الأبوي وهيمنة الرجال أمران طبيعيان (ومن المؤكد أن هتلر وهيملر لم يؤمنا بأولوية اجتماعية للنساء). ومع ذلك، يكتب أحد الباحثين أن «أفكار باخوفن عن الأمومية وجدت مناصرين حتى بين القيادة النازية، رغم احتفاء النظام بالرجولة الآرية». وتوضح هذه المفارقة مدى قابلية السردية الأمومية للتشكّل والتبدّل: فقد حُرّفت على أيدي النازيين لتعزيز مثَل رجعي للنساء بوصفهن أمهات مُمجَّدات، لكن تابعات سياسيًا. وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، اختفت هذه التصورات إلى حد كبير من الخطاب الرسمي، بعد أن لوّثها ارتباطها بالتنجيم النازي والتاريخ الزائف الفولكيش.

أما في الاتحاد السوفييتي والسياقات الماركسية الأخرى، فقد كان للنظرية الأمومية مسار مختلف. فقد جعلت سلطة إنجلز من فكرة أمومية بدئية (وسقوطها) ضربًا من الأرثوذكسية الماركسية في أوائل القرن العشرين. وعلّم علماء الأنثروبولوجيا والمؤرخون السوفييت، متّبعين إنجلز، تتابعًا لمراحل المجتمع: الشيوعية البدائية مع حق الأم، ثم المجتمع الطبقي مع حق الأب، ثم الشيوعية المستقبلية التي تعيد المساواة. وعمليًا، بحثت الدراسات السوفييتية في عشرينيات القرن العشرين وخمسينياته عن أدلة على وجود عشائر ذات نسب أمومي بين شعوب الاتحاد السوفييتي وخارجه، وكثيرًا ما شددت على النتائج التي تنسجم مع إطار مورغان-إنجلز. غير أنهم أحجموا عن الزعم بأن النساء حكمن تلك الجماعات؛ فالأمر كان يتعلق بالبنى الاجتماعية الجماعية أكثر مما كان يتعلق بهيمنة النساء. وكانت الفائدة السياسية لهذه السردية بالنسبة إلى الماركسيين واضحة: فقد أكدت أن النظام الأبوي الحديث (وبالتالي الرأسمالية) ليس أبديًا ولا طبيعيًا، بل تطور تاريخي يمكن قلبه. ومع ذلك، وبحلول أواخر القرن العشرين، بدأ حتى الباحثون الماركسيون، مثل إيفيلينا ب. بافلوفسكايا، يقرّون بأن «الأمومية الكلاسيكية» لم تكن واقعًا موثقًا قط، وانتقلوا بدلًا من ذلك إلى الحديث عن مساواة نسبية في المجتمعات المبكرة.

وكان ذلك في سبعينيات القرن العشرين، في خضم حركة الموجة النسوية الثانية، حين بلغت فكرة عصر ما قبل تاريخي متمحور حول النساء أوسع انتشار شعبي لها، وأثارت تدقيقًا علميًا جديدًا. فقد استلهم كثير من الكاتبات والفنانات والناشطات النسويات رؤيا ثقافة إلهة قديمة كانت فيها النساء يتمتعن باستقلال واحترام يفتقر إليهما التاريخ المدون. وساعدت الاكتشافات الأثرية وإعادة تفسيرها على تغذية هذه الرؤيا. وعلى وجه الخصوص، طرحت عالمة الآثار الليتوانية-الأمريكية ماريا غيمبوتاس مفهوم «أوروبا القديمة»، وهي حضارة نيوليتية (نحو 7000–3000 قبل الميلاد في البلقان والأناضول) وصفتها بأنها عابدة للآلهة، ومساواتية، ومتمركزة حول المرأة. وقد كشفت تنقيبات غيمبوتاس عن عدد كبير من التماثيل النسائية، وحددت رموزًا اعتقدت أنها تشير إلى ديانة سائدة قائمة على عبادة إلهة أم. ومن وجهة نظرها، كانت مجتمعات أوروبا القديمة هذه مسالمة ومتمحورة حول المرأة إلى أن غزاها رحّل هندو-أوروبيون—محاربون أبويون—وفرضوا نظامًا يهيمن عليه الذكور. وتوقفت غيمبوتاس عن تسمية هذه الثقافات أمومية (مفضلةً مصطلحات مثل «متمحورة حول المرأة» أو «نسائية المحور»)، لأنها لم تكن تزعم أن النساء امتلكن سلطة رسمية على الرجال. ومع ذلك، تبنت النسويات عملها بوصفه دليلًا على أن النظام الأبوي لم يكن دائمًا هو القاعدة.

وفي الوقت نفسه، رسمت كتب شعبية ألّفها كتّاب مثل إليزابيث غولد ديفيس (The First Sex، 1971) وميرلين ستون (When God Was a Woman، 1976) صورًا نابضة لعصر ذهبي مفقود من الأمومية وعبادة الآلهة. وقد استندا إلى مصادر مثل باخوفن وبريفو وغيمبوتاس (إلى جانب قدر من إعادة البناء التخيلي) ليجادلا بأن النساء كنّ القوة الحضارية الأصلية—فابتكرن الزراعة والكتابة والطب، وحكمن بسلام—إلى أن قلب عنف الرجال ذلك التوازن. وترددت أصداء هذه الأعمال في الحركة الروحية النسوية، وأسهمت في ازدهار الروحانية المرتبطة بالآلهة والممارسات الوثنية الجديدة في أواخر القرن العشرين. وبالنسبة إلى بعض الناس، كان الإيمان بزمن بعيد «كانت فيه المرأة تُعبَد بوصفها إلهة»، وكانت المجتمعات فيه خالية من هيمنة الرجال، باعثًا عميقًا على التمكين، وسردية أسطورية مضادة للنظام الأبوي. وفي بعض الأوساط النسوية، أصبحت «ما قبل التاريخ الأمومية» هذه أشبه بعقيدة، استُخدمت لتخيّل مستقبل بديل. وكما تلاحظ المؤرخة سينثيا إلر: «في بعض الأوساط النسوية، سادت ما أسميه أسطورة ما قبل التاريخ الأمومية بوصفها عقيدة سياسية؛ وفي أوساط أخرى، وفّرت مادة للتفكير؛ وفي أوساط ثالثة، قامت أساسًا لدين جديد».

غير أن هذا الإحياء الحماسي أثار استجابة نقدية من الباحثين، بمن فيهم كثير من النسويات، الذين خشوا التفكير القائم على التمنّي. فمنذ عام 1949، كانت سيمون دو بوفوار قد صبّت الماء البارد على فكرة اليوتوبيا الأمومية. ففي The Second Sex، رفضت بوفوار فرضية أمومية أصلية بوصفها «les élucubrations de Bachofen»—أي «تخرصات باخوفن» (هذيانه السخيف). وجادلت هي ومفكرون آخرون في منتصف القرن (مثل عالمة الأنثروبولوجيا الفرنسية فرانسواز إريتييه) بأنه، رغم شيوع الآلهة الأنثوية أو رموز الأمومة، لا دليل على أن النساء، بوصفهن جماعة، حكمن في عصور ما قبل التاريخ. وفي عام 1974، نشرت عالمة الأنثروبولوجيا جوان بامبرغر مقالة شهيرة بعنوان «أسطورة الأمومية: لماذا يحكم الرجال في المجتمع البدائي»، درست فيها أساطير من قبائل أمازونية يُزعم أن النساء حكمنها ذات يوم. ووجدت بامبرغر أن الرجال كانوا يروون هذه القصص بوصفها حكايات تحذيرية—تعلّم أن النساء، حين امتلكن السلطة، أسأن استخدامها، ومن ثم تبرر ضرورة حكم الرجال في الوقت الحاضر. وخلصت إلى أن العصر الأمومي أسطورة ابتكرها الرجال، تعكس القلق من استقلال النساء أكثر مما تعكس ذاكرة تاريخية. وقد ردد هذا التفسيرَ الوظيفي السابق: فأساطير حكم النساء، بدلًا من أن تكون دليلًا على ماضٍ فعلي، تؤدي أغراضًا اجتماعية راهنة (غالبًا ما تعزز النظام الأبوي بإظهار الفوضى التي تنشأ عندما «تتولى النساء زمام الحكم»).

وبحلول أواخر القرن العشرين، كان الإجماع العلمي—بين علماء الآثار والأنثروبولوجيا والمؤرخين—يرى، بأغلبية ساحقة، أنه لا يوجد مجتمع معروف في تاريخ البشرية كان أموميًا بالمعنى الدقيق، أي بحيث تمارس النساء سلطة سياسية على الرجال بوصف ذلك قاعدة عامة. وتوجد مجتمعات كثيرة مساواتية أو ذات نسب أمومي، لكنها ليست ثقافات «تحكمها النساء» على نحو يشكل صورة معكوسة للثقافات الأخرى. وكما تلاحظ موسوعة ويكي جندر بإيجاز، أصبح مصطلح الأمومية نفسه إشكاليًا، ورأى معظم الأكاديميين أن نموذج باخوفن التتابعي «غير قابل للدفاع عنه علميًا». وحتى أنصار نظريات وجود النساء في عصور ما قبل التاريخ، مثل غيمبوتاس، تجنبوا لفظ الأمومية لما ينطوي عليه من دلالة هيمنة النساء، مفضلين مصطلحات أكثر دقة (مثل «متمحور حول الأم»، و«متمركز حول النساء»، وغير ذلك). ومع ذلك، كانت رؤيا فردوس أمومي مفقود قد دخلت، خارج الأوساط الأكاديمية، إلى المخيال الشعبي والوعي النسوي. وقد أثارت نقاشات قيّمة حول دور النساء في التطور والتاريخ، رغم غياب الدليل الملموس على وجود «عصر الأم».

إعادة التركيز على الأدلة: الأنثروبولوجيا والبيولوجيا واللغة #

في العقود الأخيرة، وجّه باحثون من مجالات عدة النقاش نحو ما يمكن للسجل التجريبي أن يخبرنا به عن إسهامات النساء في قصة البشر. فبدلًا من السؤال: «هل وُجد نظام أمومي قط؟» يستقصي الباحثون الكيفية التي ربما كان بها الأفراد من النساء والأنشطة التي قادتها النساء حاسمة في التطور البشري ونشوء الثقافة. وينقل هذا النهج النقاش من التطرفات الأيديولوجية إلى فهم أكثر استنادًا إلى الأدلة، وغالبًا ما يكون أكثر دقة—فهم يقرّ بالنساء بوصفهن فاعلات نشطات في عصور ما قبل التاريخ، حتى من دون إطلاق ادعاءات كبرى عن حكم النساء.

قدّمت دراسة الرئيسيات سياقًا كاشفًا (ومتواضعًا) من خلال فحص أقربائنا من القردة. فخلال جزء كبير من القرن العشرين، استندت نماذج تطور الإنسان إلى ملاحظات الشمبانزي الشائع—مجتمعات أبوية عدوانية متماسكة بين ذكورها، يهيمن فيها الذكور على الإناث بل ويمارسون عليهن العنف الوحشي. وقد غذّى ذلك افتراض أن الحالة «الطبيعية» لأشباه البشر كانت هيمنة الذكور، وأن البشر الأوائل عاشوا في جماعات من نمط «الرجل-الصياد». لكن اكتشاف البونوبو ودراسته (Pan paniscus) تحدّيا هذه الرؤية تحديًا جذريًا. فمنذ تسعينيات القرن العشرين، سلّطت عالمة الرئيسيات إيمي باريش وآخرون الضوء على أن البونوبو متمحورة حول الإناث: «تهيمن الإناث على البونوبو، مستخدمات الاتصال الجنسي بين الذكور والإناث على السواء بوصفه نوعًا من الغراء الاجتماعي. والأهم أن الإناث تكوّن روابط قوية حتى مع إناث لا تمتّ إليها بصلة». ففي جماعات البونوبو، يكون الذكور أقل عنفًا، وغالبًا ما يحتلون أدنى المراتب، بينما تحفظ الإناث المسنّات ذوات المكانة العالية وتحالفاتهن السلام. وقد أجبر هذا الاكتشاف—وهو «استنتاج مذهل» مفاده أن الشمبانزي والبونوبو، رغم قربهما الجيني المتساوي منا، يمتلكان بنى اجتماعية متعارضة—العلماء على إعادة التفكير في حتمية النظام الأبوي في سلالتنا. وكما تلاحظ الكاتبة العلمية أنجيلا سايني، أظهر البونوبو أن نموذجًا أموميًا موجود في الطبيعة، مما أثار أسئلة جديدة حول أسلاف البشر: هل يمكن أن تكون مجتمعات أشباه البشر الأوائل أقل هيمنة للذكور من مجتمعات الشمبانزي؟ وهل يمكن أن تكون شبكات التعاون النسائية قد أدّت دورًا محوريًا؟ ومع أن البشر ليسوا بونوبو، فقد فتحت هذه الرؤية الأذهان على إمكان التنوّع. كما أنها عزّزت مصداقية فرضيات—مثل فرضيات كريس نايت، التي نناقشها أدناه—تؤكد ائتلاف الإناث والجنس في تطور البشر، وقدّمت نوعًا من القياس الطبيعي لكيفية عمل القيادة النسائية داخل جماعة من الرئيسيات.

وبالمثل، بدأت البيولوجيا التطورية وعلم الإنسان القديم يمنحان أدوار النساء في الماضي السحيق قدرًا أكبر من الاعتراف. ومن الأفكار المؤثرة في هذا المجال «فرضية الجدة»، التي اقترحتها كريستن هوكس وآخرون، ومفادها أن طول عمر الإنسان (وتحديدًا انقطاع الطمث وطول فترة الحياة التالية للإنجاب لدى النساء) تطوّر لأن الجدات أسهمن إسهامًا حاسمًا في بقاء الأحفاد. ووفقًا لهذه الفرضية، كانت النساء الأكبر سنًا في جماعات الإنسان العاقل الأوائل، وقد أصبحن غير قادرات على إنجاب الأطفال، يساعدن في توفير الغذاء للأحفاد ورعايتهم، مما يتيح لبناتهن إنجاب الطفل التالي في وقت أقرب. وكان من شأن ممارسة رعاية الأحفاد هذه أن تزيد النجاح التناسلي الإجمالي للجماعة. وهي تفترض أن وجود نساء داعمات وواسعات المعرفة كان قوة دافعة في تطور تاريخ حياة الإنسان—أي إن «حالة» الإنسان المتمثلة في الأسر متعددة الأجيال وتربية الأطفال التعاونية تدين بالكثير للجدات في عصور ما قبل التاريخ. وقد وجدت دراسات حديثة بالفعل فوائد تطورية للعيش بالقرب من الجدات (مثل انخفاض وفيات الأطفال). وتحوّل هذه النتائج مسار السرد: فبدلًا من الرجل-الصياد بوصفه بطل التطور، لدينا المرأة-الراعية البديلة (الأم المشاركة أو الجدة) بوصفها بطلة غير محتفى بها، تضمن نجاح نوعنا.

وقد دافعت عالمة الأنثروبولوجيا سارة بلافِر هردي عن موضوع التربية التعاونية—أي إن البشر هم «القرد الراعي»، الذي يعتمد على كثير من المساعدين في تربية كل طفل. وترى هردي أن الأمهات البشريات الأوائل ما كان بوسعهن فطام ذرية ذات أدمغة كبيرة وطفولة طويلة وتربيتها بمفردهن؛ فقد احتجن إلى مساعدة الأقارب (بمن فيهم الجدات والأطفال الأكبر سنًا). وقد عزّز ذلك مستويات غير مسبوقة من التعاطف والتواصل والذكاء الاجتماعي لدى أسلافنا. ومن المثير للاهتمام أن هذا الخط من الاستدلال يعود بنا إلى أصل الثقافة: فإذا كان الرضّع البشريون يولدون محتاجين واجتماعيين، وإذا كانت الأمهات يستقطبن المساعدة، فإن الأساس ذاته للتعاون الاجتماعي، وربما للغة، قد يكمن في التفاعلات بين الأم والطفل (وبين الأم وأقاربها). وبالفعل، يقترح باحث حديث، هو سفيركر يوهانسون، مستندًا إلى عمل هردي، أن تطور اللغة قد يدين بالكثير للتعاون النسائي. وهو يلاحظ أن النظريات التي تركز على تنافس الذكور على التزاوج لا تنسجم مع الأدلة: «يمكن استبعاد إحدى الفرضيات الشائعة، وهي أن اللغة تطورت من خلال الانتخاب الجنسي—أي تنافس الرجال على جذب انتباه النساء. فالنساء والرجال يتحدثون بالبراعة نفسها. وهذا يعني أن تفسير اللغة ينبغي أن يكون محايدًا جندريًا أو قريبًا من ذلك». وبدلًا من ذلك، يفترض يوهانسون أن اللغة نشأت لتيسير التعاون على نطاق الجماعة في تربية الأطفال والمهام الاجتماعية الأخرى. ويقدّم ما يسميه «اختبار الشمبانزي»: إذ ينبغي لأي نظرية عن أصل اللغة أن تفسر لماذا لم تطوّر الرئيسيات الأخرى (مثل الرباح أو الشمبانزي)، التي تعيش هي أيضًا في جماعات، لغةً. وإجابته هي أن البشر الأوائل كانوا في وضع فريد—ربما كان مرتبطًا بصعوبة الولادة والحاجة إلى التوليد بمساعدة القابلات. وهو يشير إلى أن الأطفال البشريين، بسبب المشي على قدمين وكِبَر الأدمغة، كانوا يحتاجون غالبًا إلى المساعدة أثناء الولادة، وأن حديثي الولادة عاجزون. ومن ثم يتبين أن القابلات والجدات تؤدين دورًا محوريًا في سيناريوه. ومن وجهة نظر يوهانسون، ربما تطورت اللغة أولًا بين الإناث (الأمهات وغيرهن من القائمات على الرعاية) بوصفها نظامًا للتواصل يساعد بعضهن بعضًا («ادفعي الآن!» «أحضري الماء!» أو لتهدئة الرضّع). وعلى مدى أجيال كثيرة، كان يمكن لهذه التلفظات الأمومية أن تصبح أكثر تركيبًا وأن تشترك فيها الجماعة بأسرها. ويتردد صدى ذلك بقوة في «فرضية اللغة الأم» التي اقترحها سابقًا عالم الأنثروبولوجيا دين فالك، إذ افترض أن الكلمات الأولى نفسها نشأت من «كلام الرضّع» بين الأم والطفل. فوفقًا لفالك، عندما اضطرت أمهات أشباه البشر الأوائل إلى وضع أطفالهن جانبًا للبحث عن الطعام، كنّ يطمئنّهم ويهدّئنهم بتلفظات لحنية (كانت سلفًا لأغاني التهويدة أو الكلام المهدّئ). وقد اكتسبت هذه الأصوات الانفعالية—وهي في جوهرها شكل قديم من لغة الأمهات الموجّهة إلى الرضّع—المعنى والبنية تدريجيًا، ممهدة الطريق للغة الحقيقية. ومع مرور الوقت، امتد ما بدأ كتواصل بين الأم والطفل إلى الأسرة والجماعة الأوسع، وصار لغة مكتملة الأركان تتشاركها الجماعة كلها.

وتؤكد مثل هذه الفرضيات أن أنشطة النساء الاجتماعية والرعائية ربما كانت عوامل دافعة في تطور الثقافة الرمزية البشرية. وهي تستند إلى بيولوجيا تطورية واقعية لا إلى أسطورة رومانسية، لكنها مع ذلك ترفع من أهمية الإناث في قصة «ما الذي يجعلنا بشرًا».

ومن مجالات الاهتمام الأخرى الابتكار والتكنولوجيا: فمن الناحية الأثرية، يُرجّح أن بعض أقدم الابتكارات الثقافية جاءت من النساء. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما يُعزى اختراع الأوعية (السلال المنسوجة، والفخار) إلى جامعات الطعام الحرفيات، اللاتي كنّ، على الأرجح، نساءً في كثير من سياقات العصرين الحجري القديم والوسيط. ويُعتقد على نطاق واسع أن تطور الزراعة في العصر الحجري الحديث بدأته جامعات الطعام من النساء، إذ جرّبن زراعة البذور. وقد يكون تدجين الحيوانات مدينًا أيضًا بشيء للنساء، بوصفهن من يتعاملن مع الطرائد الصغيرة أو يرعين الحيوانات اليتيمة. وعلى الرغم من ندرة الأدلة المباشرة، فإن هذا ينسجم مع ملاحظة شميدت أن «النساء شاركن في أقدم زراعة للنباتات»، وأن ذلك زاد من أهميتهن الاجتماعية، وربما أدى إلى نشوء عبادة الإلهات في المجتمعات الزراعية المبكرة. وحتى السيطرة على النار واختراع الطهي—وهما من المنجزات الحاسمة في الثقافة البشرية—يمكن أن يُعزى جزء منهما إلى جهد النساء: فـ«فرضية الطهي» التي طرحها عالم الرئيسيات ريتشارد رانغهام تقول إن إتقان النار لطهي الطعام كان محوريًا في تطور الإنسان، وفي كثير من مجتمعات البحث عن الطعام، تكون النساء الحارسات الرئيسيات للموقد وحاملات المعرفة بالنباتات الغذائية. ومع أننا لا نستطيع أن نعرف أيّ الجنسين غلى الماء أولًا أو شوَى اليام، فمن المعقول افتراض أن خبيرات التغذية أدّين دورًا لا يقل عن دور الصيادين الذكور في مطبخ ما قبل التاريخ.

ومن النظريات الحديثة التي تضع النساء صراحةً في مركز ولادة الثقافة العمل الاستفزازي لكريس نايت. ففي كتابه Blood Relations: Menstruation and the Origins of Culture (1991)، يجمع نايت بين الأنثروبولوجيا والبيولوجيا التطورية والأساطير ليجادل بأن أول ثقافة رمزية بشرية أوجدها تضامن النساء. وانطلاقًا من فكرة «الإضراب الجنسي»، يقترح نايت أن الإناث البشريات الأوائل نسّقن إباضتهن وحيضهن (ربما باستخدام الدورات القمرية ساعةً لقياس الزمن)، وحجبن جماعيًا إمكانية الوصول الجنسي عن الذكور في أوقات معينة، من أجل إجبار الذكور على التعاون في الصيد وتقاسم اللحوم. ووفقًا لفرضية نايت، أدى ذلك إلى نشوء الطقوس والمحظورات الأولى—مثل محظورات الحيض، والأجساد المطلية بالأحمر التي ترمز إلى الدم، والتقسيم الطقوسي للزمن إلى مراحل «أنثوية» (محرّمة) و«ذكورية» (مفتوحة). وهو يتصور أن هذه الدينامية، دينامية الإضراب والاحتفال التي قادتها النساء، حفّزت خلال العصر الحجري القديم الأعلى (منذ نحو 40,000 سنة) ما يسمى «الثورة الرمزية» التي يحدّدها كثير من علماء الآثار (الانتشار المفاجئ للفن، والزينة الشخصية، وطقوس الدفن المعقدة، وغير ذلك). وفي سيناريو نايت، صاغ العمل الجماعي للنساء العقد الاجتماعي: كان الصيادون يعودون باللحم الذي يُوزّع خلال الولائم التالية للحيض، مما يرسّخ مستوى جديدًا من التحالف بين الجنسين، ولكن وفق شروط النساء. وكما يوجز أحد الملخصات، يرى نايت أن «النساء، عبر الجنس وإيقاع الحيض، غذّين الدافع الإبداعي الأول للحضارة، وهن أنشأن الثقافة البشرية في جوهر الأمر». وتتراوح الأدلة التي يحشدها نايت بين أوجه التشابه في أساطير الخلق (فهو يحلل، مثلًا، أسطورة الأختين واويلاك لدى السكان الأصليين بوصفها قصة رمزية للتزامن الحيضي وأصل الطقس) وسلوك مجتمعات الصيد والجمع والرئيسيات. وبينما يجد كثير من علماء الأنثروبولوجيا نظرية نايت تخمينية، فإنها محاولة جادة للإجابة عن كيفية تحوّل قرد بيولوجي إلى إنسان ثقافي—وهي تفعل ذلك بوضع جماعة متعاونة من النساء عند نقطة التحول الحاسمة، مخترعةً القواعد والرموز التي جعلت المجتمع ممكنًا.

من ناحية أخرى، تكشف الدراسات الإثنوغرافية والسوسيولوجية للمجتمعات القائمة أحيانًا عن أدوار نسائية قوية قد تعكس أنماطًا موروثة من الأسلاف. فقد حدّدت عالمة الأنثروبولوجيا بيغي ريفز سانداي، في مسحها المقارن بين الثقافات Female Power and Male Dominance (1981)، عدة مجتمعات — من المينانغكاباو في سومطرة الغربية إلى جماعات معينة من السكان الأصليين في أمريكا الشمالية — تتمتع فيها النساء بقدر كبير من السيطرة على الملكية والميراث والشعائر، من دون أن يحكمن الرجال رسميًا. واستخدمت سانداي مصطلح «النظام الأمومي» بحذر لوصف هذه الحالات، معرّفةً إياه لا بوصفه صورةً معكوسة من النظام الأبوي، بل باعتباره وضعًا تسود فيه المصالح النسائية في الشؤون الاجتماعية. وخلصت إلى أنه رغم عدم وجود مجتمع معروف يتصف بنظام أمومي صارم، فإن ثمة طيفًا من المكانة النسائية، ويمكن بالفعل وصف بعض الثقافات بأنها متمركزة حول النساء. وتُظهر أمثلة معاصرة، مثل موسو في الصين، بمساكنهم الأمومية وزيجاتهم الزائرة، أو الأسطورة القبائلية عن القديسات في الجزائر، أن التنظيم الاجتماعي المتمركز حول النساء ليس محض خيال — وإن كان الرجال في كل حالة ما يزالون يحتفظون ببعض السلطة السياسية أو الجسدية، مما يحول دون حدوث انقلاب حقيقي على النظام الأبوي.

والأهم أن الإجماع العلمي اليوم لا يؤيد فكرة وجود حضارة أمومية ماضية بالمعنى الحرفي. وما يؤيده هو أن النساء كنّ دائمًا جزءًا لا يتجزأ من القصة البشرية — بوصفهن جامعات للغذاء ومبتكرات، وحاملات للثقافة واللغة، وشريكات متساويات، إن لم يكن قائدات، في التحولات الاجتماعية الكبرى. وكما تذكر Encyclopedia Britannica بإيجاز: «لم يُعثر حتى الآن على أي دليل أنثروبولوجي يثبت وجود مجتمع حكمت فيه النساء، بوصفهن جماعة، الرجال، بوصفهم جماعة». غير أن أدلة وفيرة توجد على مجتمعات مبكرة ذات أنساب أمومية وأدوار دينية أو اقتصادية مهمة للنساء، كما أن النظرية التطورية تعترف على نحو متزايد بفاعلية النساء — من خلال اختيار الشريك، والتربية، والتعاون — بوصفها عاملًا محركًا للتطور البشري. وخلاصة القول إن فرضية «أم الثقافة» في صورتها القوية لا تزال غير مثبتة، لكنها تجد دعمًا معتبرًا في صورتها الأضعف — أي إن الأمهات والجدات، والنساء الحكيمات والإلهات، كنّ دائمًا في أساس ما يجعلنا بشرًا.

الخلاصة #

لقد قطعت فكرة أن النساء كنّ منشئات الحالة الإنسانية ومؤسسات الثقافة رحلة معقدة من الأسطورة إلى التخمين ثم إلى التحليل العلمي. فقد بدأت في مجال القصص المقدسة: حكايات الإلهات والنساء الأوائل اللواتي أنجبن العوالم، ومنحن القوانين، وعلّمن الفنون. وفي القرن التاسع عشر، حوّل علماء مثل باخوفن تلك الحكايات إلى نظرية كبرى في التاريخ، متصورين حقبة فعلية كانت فيها سلطة النساء هي العليا، وكانت الثقافة الإنسانية قد وُلدت من حق الأم. وقد أسرت هذه الأطروحة الجريئة ألباب كثيرين — من مورغان وإنجلز وغيرهما — فمزجوها بالمعرفة الناشئة ليجادلوا بأن المجتمع المبكر كان متمركزًا حول المرأة إلى أن قلبت الملكية الخاصة أو الآلهة الجديدة موازين القوى. ومع مرور الوقت، تغيّرت الأدلة وكذلك الرياح الأيديولوجية. فقد جمع علماء الأنثروبولوجيا بيانات فنّدت وجود نظام أمومي عالمي بسيط، غير أن جاذبية المفهوم استمرت، وأُعيد تشكيلها وفق انشغالات كل عصر: فقد رفضه المدافعون الفيكتوريون عن النظام الأبوي؛ واستولت عليه الأنظمة الشمولية أو حرّفته؛ وأعادت الحركات النسوية ابتكاره بوصفه أسطورة تمكينية؛ وأعاد علماء الأنثروبولوجيا فحصه من خلال منظور سلوك الرئيسيات، والحفريات، ودراسات القرابة.

وينبثق من هذا التاريخ تقدير أغنى لدور النساء في التطور البشري، من دون حاجة إلى افتراض مملكة أمومية حرفية. فالنساء بوصفهن مبدعات — للحياة، بالتأكيد، ولكن أيضًا لاستراتيجيات كسب العيش، ولغات المواساة، وشبكات التشارك، والمعنى المقدس — كنّ دائمًا في صميم نوعنا. وكلما تعمّق فهمنا، وجدنا أن السؤال ليس ما إذا كانت النساء منشئات لجوانب من الثقافة، بل كيف وبأي طرائق. وتشير البحوث الحديثة إلى أن تطورات مثل طول أمد الطفولة — ومن ثم التعليم — والتربية التعاونية (cooperative breeding)، والتواصل، ربما اعتمدت على الكروموسوم X بقدر اعتمادها على الكروموسوم Y. ولعل «المرأة الأولى» في الأساطير لم تحكم وحدها، لكنها ونظيراتها في الحياة الواقعية بين أفراد جنس Homo الأوائل ساعدن فعلًا في صياغة القصة البشرية — لا في نظام أمومي ذهبي اختفى من دون أثر، بل من خلال العمل الدائم الذي لا غنى عنه في رعاية كل جيل جديد والحفاظ على الروابط التي تجعل الثقافة ممكنة.


الأسئلة الشائعة #

س1. ما فرضية «النظام الأمومي البدئي»؟
ج. إنها النظرية التي شاعت على يد ي. ي. باخوفن عام 1861 ومفكرين لاحقين، ومفادها أن المجتمعات البشرية المبكرة مرّت عالميًا بمرحلة امتلكت فيها النساء سلطة اجتماعية أو سياسية أو روحية مهيمنة («حق الأم»)، وغالبًا ما ارتبط ذلك بالنسب الأمومي وعبادة الإلهات، قبل أن يحل النظام الأبوي محلها.

س2. هل يوجد برهان علمي على مجتمعات أمومية قديمة؟
ج. لا. فمع أن كثيرًا من الأساطير يتضمن شخصيات نسائية قوية، وأن بعض المجتمعات تتبع النسب الأمومي أو تتمحور حول الأم، فإن الإجماع العلمي بين علماء الأنثروبولوجيا والآثار يرى أنه لا يوجد دليل يؤكد وجود حقبة ماضية حكمت فيها النساء الرجال بصورة منهجية بوصفهن جماعة. ويُنظر إلى المفهوم الآن بدرجة أكبر بوصفه نظرية تاريخية أو أسطورة في حد ذاته.

س3. إذا لم يكن النظام الأمومي حقيقيًا، فكيف ينظر العلماء اليوم إلى أدوار النساء في أصول الثقافة؟
ج. تركز البحوث الآن على إسهامات محددة قائمة على الأدلة: «فرضية الجدة» (إذ إن طول عمر الإناث يساعد على بقاء الذرية)، والأدوار المرجحة للنساء في ابتكار الزراعة أو التقنيات المبكرة (الفخار والنسيج)، وأهمية التواصل بين الأم والرضيع في أصول اللغة (فرضية motherese)، والاستراتيجيات الاجتماعية النسائية التي تشير إليها دراسة الرئيسيات (مثل دراسات البونوبو). ويُنظر إلى النساء بوصفهن فاعلات محوريات في التطور والثقافة، لكن ليس بالضرورة بوصفهن حاكمات لعالم أمومي مفقود.


المصادر #

  1. Wawilak Sisters (Dreamtime) – Yolngu creation myth
  2. Changing Woman – Navajo origin myth
  3. Amaterasu – Japanese sun goddess & imperial ancestress

“matriarchy debate” الكلاسيكية #

  1. Johann Jakob Bachofen, Das Mutterrecht (1861)
  2. Encyclopedia overview of Bachofen & later reception
  3. Lewis Henry Morgan, Ancient Society (1877)
  4. Friedrich Engels, The Origin of the Family, Private Property and the State (1884)
  5. Sir Henry S. Maine, Ancient Law (1861)
  6. John F. McLennan, Studies in Ancient History (1886)
  7. Edvard Westermarck, The History of Human Marriage (1891)
  8. Jane Ellen Harrison, Prolegomena to the Study of Greek Religion (1903)
  9. Jane Ellen Harrison, Themis (1912)
  10. Robert Briffault, The Mothers (1931)
  11. Bronisław Malinowski, Sex and Repression in Savage Society (1927)
  12. Wilhelm Schmidt, The Origin and Spread of the World Cultures (1930)
  13. A. R. Radcliffe-Brown, “The Mother’s Brother in South Africa” (1924)
  14. E. E. Evans-Pritchard, “Some Remarks on the Early History of Kingship” (1930)
  15. Alfred Baeumler & Alfred Rosenberg – Nazi-era Bachofen reception (overview)
  16. Cynthia Eller, The Myth of Matriarchal Prehistory (2000)
  17. Marija Gimbutas, The Goddesses and Gods of Old Europe (1974)
  18. Elizabeth Gould Davis, The First Sex (1971)
  19. Merlin Stone, When God Was a Woman (1976)
  20. Peggy Reeves Sanday, Female Power and Male Dominance (1981)
  21. Simone de Beauvoir, The Second Sex (1949) – critique of matriarchy myths
  22. Joan Bamberger, “The Myth of Matriarchy: Why Men Rule in Primitive Society” (1974)

زوايا علم الرئيسيات ورعاية الأطفال وتطور اللغة #

  1. Amy Parish, “Female Relationships in Bonobos (Pan paniscus)” (1996)
  2. Kristen Hawkes et al., “Grandmothering, Menopause, and the Evolution of Human Life Histories” (1997) PNAS
  3. Sarah Blaffer Hrdy, Mothers and Others (2009)
  4. Sverker Johansson, The Dawn of Language (2021)
  5. Dean Falk, “Prelinguistic Evolution in Early Hominins: Whence Motherese?” (2004)
  1. Chris Knight, Blood Relations: Menstruation and the Origins of Culture (1991)