خلاصة سريعة

  • نوقشت نظرية وصول البحّارة الفينيقيين إلى الأمريكتين قبل كولومبوس على مدى قرون، من العصور القديمة الكلاسيكية إلى العصر الحديث.
  • رغم كثرة الادعاءات بوجود أدلة، مثل النقوش، وأوجه التشابه الثقافي، والأساطير، لا يوجد أي إثبات أثري موثوق على اتصال فينيقي؛ وذلك على النقيض من الاتصال البولينيزي-الأمريكي الموثق جيدًا.
  • اكتسبت الفكرة رواجًا في بدايات العصر الحديث، لكن علم الآثار في القرن التاسع عشر فنّدها بصورة منهجية.
  • يعدّ البحث الأكاديمي الحديث النظرية ضربًا من التاريخ الزائف، مع أنها لا تزال تستقطب اهتمامًا شعبيًا.
  • يوضح هذا الجدل كيفية تقييم المنهج العلمي للادعاءات الاستثنائية في ضوء الأدلة، كما هو مفصل في دراستنا الشاملة للاتصالات السابقة لكولومبوس.

مقدمة #

منذ «عصر الاكتشاف» الأوروبي، تكهّن الباحثون والمتحمسون بأن شعوب العالم القديم وصلت إلى العالم الجديد قبل كولومبوس بزمن طويل. ومن بين المرشحين الذين طُرحت أسماؤهم، احتل الفينيقيون، وأحفادهم القرطاجيون، مكانة بارزة. وقد أسرت فكرة أن البحّارة الفينيقيين — المشهورين في العصور القديمة ببراعتهم البحرية — ربما أبحروا إلى الأمريكتين في الألفية الأولى قبل الميلاد، مخيلة الناس قرونًا طويلة.

يقدم هذا التقرير عرضًا تاريخيًا منظمًا لأبرز الشخصيات الأكاديمية وشبه الأكاديمية التي اقترحت نظرية الاتصال الفينيقي السابق لكولومبوس، أو حللتها، أو فنّدتها. ونتتبع الفكرة من العصور القديمة الكلاسيكية مرورًا بعصر التنوير، وجدالات الانتشارية في القرن التاسع عشر، ووصولًا إلى علم الآثار في القرن العشرين والمنظورات المطروحة في القرن الحادي والعشرين.

ومن المهم الإشارة منذ البداية إلى أن علم الآثار السائد اليوم لا يجد أي دليل موثوق على اتصال الفينيقيين بالعالم الجديد. فمنذ عام 1871 على الأقل، أشار باحثون مثل عالم الآثار الأمريكي جون د. بالدوين إلى أنه لو كانت حضارات أمريكا الوسطى «قد جاءت من أناس من العرق الفينيقي»، لخلّفت آثارًا واضحة للغة الفينيقية وكتابتها وعمارتها — وهو ما لا وجود له. ويتناقض هذا الغياب للأدلة المادية تناقضًا حادًا مع حالات موثقة مثل الوجود النورسي في لانس أو ميدوز. وفي الواقع، تشير جميع الأدلة الموثوقة إلى أن الأمريكتين ظلّتا معزولتين عن العالم القديم، باستثناء الوجود النورسي في نيوفاوندلاند خلال العصور الوسطى، حتى عام 1492. وللاطلاع على دراسة شاملة لجميع نظريات الاتصال السابق لكولومبوس، بما في ذلك الادعاءات المتعلقة بالفينيقيين، انظر مقالاتنا عن الاتصالات السابقة لكولومبوس والاتصال العابر للمحيطات السابق لكولومبوس.

العصور القديمة الكلاسيكية: إشارات مبكرة إلى أراضٍ وراء المحيط #

لم يكن كتّاب اليونان وروما الكلاسيكيون يعرفون «الأمريكتين» بهذا الاسم، لكن بعض الإشارات المثيرة للاهتمام فُسّرت لاحقًا، أو أُسيء تفسيرها، بوصفها تلميحات إلى أن الفينيقيين أو القرطاجيين ربما أبحروا بعيدًا نحو الغرب. وينبغي فهم هذه الروايات ضمن السياق الأوسع لـقدرات الملاحة القديمة وما كان ممكنًا فعليًا في ذلك الوقت. كان الفينيقيون بحّارة ذائعي الصيت، ينطلقون من دويلات مدنهم في بلاد الشام، ثم من قرطاج، مستعمرتهم في شمال أفريقيا. ومع أن إنجازاتهم البحرية كانت مثيرة للإعجاب، يجب تقييم الادعاءات المتعلقة بالرحلات العابرة للمحيط الأطلسي في ضوء المعايير الأثرية الخاصة بأدلة الاتصال. وقد سجّل المؤرخون القدماء أن الملاحين الفينيقيين استكشفوا المحيط الأطلسي وراء مضيق جبل طارق، مما أفضى إلى نشوء أساطير عن أراضٍ بعيدة:

  • هيميلكو وبحر الأعشاب (القرن الخامس قبل الميلاد) — يذكر الكاتب اللاحق روفوس فستوس أفينوس أن الملاح القرطاجي هيميلكو أفاد بوجود جزء من المحيط الأطلسي تغطيه أعشاب بحرية كثيفة . ويتطابق هذا الوصف مع بحر السرغاسو، مما يشير إلى أن القرطاجيين أبحروا في المحيط الأطلسي المفتوح. ومع أن هيميلكو لم يدّعِ اكتشاف قارات جديدة، فإن مثل هذه الروايات تُظهر أن الفينيقيين كانوا على دراية بظروف المحيط الأطلسي.

  • ديودور الصقلي (ازدهر في القرن الأول قبل الميلاد) — ينقل المؤرخ اليوناني ديودوروس، في كتابه «المكتبة التاريخية»، حكاية لافتة: فقد اكتشف بحّارة قرطاجيون، بعدما دفعتهم الرياح بعيدًا عن مسارهم إلى ما وراء أعمدة هرقل، أي جبل طارق، جزيرة كبيرة خصبة في عرض المحيط الأطلسي . ويصف أرضًا مثالية «تفصلها مسافة رحلة بحرية تستغرق عددًا من الأيام نحو الغرب»، وتضم أنهارًا صالحة للملاحة، وأشجار فاكهة، وفيلات فاخرة . وقد تكهّن بعض الكتّاب المحدثين لاحقًا بأن هذه الرواية ربما كانت إشارة إلى الأمريكتين. التقييم الأكاديمي: يرى المؤرخون عمومًا أن قصة ديودوروس أسطورة أو إشارة إلى جزر أطلسية أقرب، ربما جزر الكناري أو الأزور. ولا يوجد دليل على أن القرطاجيين عثروا فعلًا على كتلة أرضية بهذا الحجم والثراء اللذين توحي بهما روايته، كما أن ديودوروس نفسه قدمها بوصفها خبرًا منقولًا. ومع ذلك، تُظهر الحكاية أن فكرة وجود أراضٍ عابرة للمحيط كانت حاضرة في العصور القديمة.

  • كتاب «الأمور العجيبة المسموعة» المنسوب إلى أرسطو — ترد رواية مماثلة في هذه المجموعة القديمة؛ إذ تفيد بأن القرطاجيين اكتشفوا «جزيرة مهجورة» تضم جميع أنواع الموارد، على مسافة إبحار تستغرق عدة أيام إلى الغرب من أفريقيا، لكنهم، كما يُزعم، أبقوا أمرها سرًا تحت طائلة الموت، منعًا للاستعمار المفرط . وتتوافق هذه الرواية توافقًا وثيقًا مع رواية ديودوروس. التقييم: من المرجح مرة أخرى أن تكون هذه أسطورة. وهي تثبت أن قصصًا تخيلية عن جزر أطلسية كانت موجودة حتى في العصور القديمة؛ ثم سيأتي كتّاب لاحقون ليستغلوا هذه القصص بوصفها «دليلًا» على أن القدماء كانوا يعرفون قارة غربية.

  • شائعات كلاسيكية أخرى: ذكر جغرافيون مثل سترابون وبلينيوس جزرًا أطلسية، هي «الجزر السعيدة»، لكن أيًا منهم لم يذكر صراحة رحلة إلى قارة جديدة. وكتب الفيلسوف بلوتارخ، في القرن الأول الميلادي، على نحو مثير للاهتمام، عن برٍّ بعيد وراء المحيط في إحدى مقالاته ضمن «الأخلاق»، وافترض أن القرطاجيين ربما ذهبوا إلى هناك، غير أن وصفه متداخل مع رمزية كونية. وخلاصة القول إنه لا يوجد مؤلف كلاسيكي يدّعي بصورة محددة وصول الفينيقيين إلى العالم الجديد؛ إلا أن هذه القصص زوّدت القرون اللاحقة بمواد تخيّلية للاعتقاد بأن الفينيقيين، بالنظر إلى قدراتهم البحرية، كان بإمكانهم الوصول إلى الأمريكتين.

الرحلات الفينيقية القديمة المعروفة تاريخيًا: من المفيد أن نلاحظ ما أنجزه الملاحون الفينيقيون على وجه اليقين، بغية تقدير مدى رحلاتهم. فبحسب هيرودوت، أبحر الفينيقيون نحو عام 600 قبل الميلاد، بأمر من الفرعون المصري نخاو الثاني، حول أفريقيا، من البحر الأحمر وصولًا إلى البحر المتوسط . وأبحر مستكشفون قرطاجيون، مثل حنّون، بمحاذاة الساحل الغربي لأفريقيا، بينما استكشف هيميلكو المناطق الشمالية وصولًا إلى الجزر البريطانية. وتُظهر هذه الرحلات الموثقة أن الفينيقيين كانوا قادرين على القيام برحلات بحرية في عرض البحر تستغرق أشهرًا. وتشير إعادة البناء الحديثة إلى أن عبور المحيط الأطلسي كان في متناول قدراتهم التقنية . ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه القدرة، لا يوجد سجل لعبور فعلي نحو الغرب — بل لا تتجاوز الأدلة الأساطير المذكورة أعلاه. ولم يذكر المؤرخون القدماء، الذين كانوا يسارعون إلى تسجيل الرحلات البعيدة التي قام بها اليونانيون والرومان، أي رحلة فينيقية عابرة للمحيط الأطلسي؛ وهو ما شدد عليه النقاد اللاحقون بوصفه حجة رئيسية ضد الفكرة .

جدالات العصر الحديث المبكر (القرنان السادس عشر والسابع عشر): التفسيرات الكتابية والكلاسيكية #

بعد أن كشفت رحلة كولومبوس عام 1492 العالم الجديد لأوروبا، برز سؤال ملحّ: من هم السكان الأصليون للأمريكتين، وكيف وصل أسلافهم؟ وبسبب افتقارهم إلى المعرفة الأثرية أو الجينية الحديثة، لم يكن أمام باحثي القرنين السادس عشر والسابع عشر إلا التكهن. فكثيرًا ما استندوا إلى الكتاب المقدس، والنصوص اليونانية والرومانية، والتصورات الكلاسيكية عن شعوب العالم. وفي هذه الحقبة ظهرت أولى المقترحات الصريحة القائلة إن حضارات العالم القديم — ومنها الفينيقيون — هي التي أسكنت الأمريكتين. وقد طرح كتّاب الأنثروبولوجيا الأولية، من مبشرين ومؤرخين ودارسي آثار، طيفًا هائلًا من النظريات. بل أشارت مراجعة منشورة عام 1917 إلى أنه «قلّما توجد أمة» من العالم القديم لم يُقترح في وقت ما أنها من أسلاف الهنود — ومن بينها «الرومان، واليهود، والكنعانيون، والفينيقيون، والقرطاجيون»، وغيرهم . وفيما يلي أبرز الشخصيات ومواقفها:

  • فراي خوسيه دي أكوستا (1539–1600) — كان أكوستا مبشرًا إسبانيًا يسوعيًا في بيرو والمكسيك، وقد ألّف كتاب التاريخ الطبيعي والأخلاقي للهنديات (Historia Natural y Moral de las Indias) (1590)، وهو عمل رائد عن شعوب العالم الجديد. درس أكوستا بصورة منهجية الأصول المحتملة، ورفض، على نحو لافت، الأفكار البعيدة الاحتمال عن أتلانتس أو الرحلات الفينيقية. وخلص إلى أن أسلاف الهنود الأمريكيين الأصليين ربما جاؤوا عبر اتصال بري شمالي من آسيا، مشيرًا إلى أن آسيا وأمريكا «إما متصلتان أو يفصل بينهما مضيق صغير جدًا» . ويُنسب إليه أنه أول من اقترح الهجرة عبر جسر بري في بيرينغ. التقييم: كان استدلال أكوستا استشرافيًا بصورة ملحوظة، إذ يتوافق مع ما نعرفه اليوم، أي الهجرة الآسيوية. وقد أسس رفضه لوصول الفينيقيين أو الإسرائيليين نبرةً تشككية اتبعها بعض الباحثين اللاحقين. (غير أن عمله لم يمنع الآخرين من اقتراح أفكار غريبة، كما سنرى.)

  • غريغوريو غارسيا (نحو 1556–نحو 1620) — كان غارسيا راهبًا دومينيكانيًا إسبانيًا أمضى عقدين في الأمريكتين. ونشر كتاب أصل الهنود (Origen de los Indios) (1607)، وهو أحد أقدم الدراسات الشاملة لأصول شعوب العالم الجديد. استعرض غارسيا كل نظرية استطاع العثور عليها، من النظريات الكتابية إلى الكلاسيكية. وناقش «الملاحة المزعومة للفينيقيين»، بل وناقش أيضًا فكرة أن بيرو هي أوفير الكتاب المقدس، مصدر ذهب الملك سليمان . وفي نهاية المطاف، وبعد موازنة هذه الآراء، رفض غارسيا جميعها وفضّل الرأي القائل إن السكان الأصليين للأمريكتين جاؤوا من شمال شرقي آسيا، من التتار والصينيين . التقييم: كان عمل غارسيا مؤثرًا في جمع النظريات، إذ استشهد بمفكرين سابقين مثل لوبيث دي غومارا ولاس كاساس. ويشير رفضه للرحلات الفينيقية إلى أن الفكرة كانت قد طُرحت ونوقشت بحلول عام 1607، لكنها عُدّت غير مقنعة بسبب انعدام الأدلة.

  • مارك ليسكاربو (1570–1641) – كان ليسكاربو محاميًا ورحّالة فرنسيًا في فرنسا الجديدة، وقدّم إحدى النظريات الأكثر طرافة وخيالًا. ففي كتابه Histoire de la Nouvelle-France (1609)، افترض أن بني إسرائيل، عندما غزوا كنعان (إسرائيل التوراتية) بقيادة يشوع، فإن الكنعانيين (الشعوب الكنعانية) – وهم في جوهرهم الفينيقيون والشعوب ذات الصلة بهم – «فقدوا شجاعتهم ولجؤوا إلى سفنهم»، ثم قذفتهم العواصف في نهاية المطاف إلى السواحل الأمريكية . كما تأمل في أن نوحًا نفسه قد أرى أبناءه الطريق إلى الأمريكتين، وأسند إلى بعضهم تلك الأراضي الغربية . وخلاصة القول إن ليسكاربو اقترح شتاتًا فينيقيًا قديمًا، يعود إلى العصر التوراتي، في العالم الجديد. التقييم: مزجت هذه الفرضية التخيلية بين الكتاب المقدس وموضوع الملاحة البحرية الكلاسيكي. ولم يأخذ العلماء اللاحقون الفكرة على محمل الجد؛ إذ لم يكن لها أساس تجريبي، بل لم تكن سوى محاولة للتوفيق بين أصول الأمريكيين والكتاب المقدس. وتمثل نظرية ليسكاربو الكنعانية، وإن لم تكن مؤثرة في العلم، مثالًا على التفكير الإيوميري المبكر (أي التعامل مع الأسطورة بوصفها تاريخًا).
  • هوغو غروتيوس (1583–1645) – دخل العالم الهولندي الشهير (المعروف أكثر بصفته فقيهًا قانونيًا) في هذا السجال برسالة De Origine Gentium Americanarum (في أصل الشعوب الأمريكية، 1642). افترض غروتيوس مصادر متعددة من العالم القديم للسكان الأصليين في الأمريكتين. واقترح، على نحو لافت، أن أمريكا الشمالية (باستثناء يوكاتان) قد سُكّنت من شمال أوروبا (عن طريق النورس أو «الإسكندنافيين»)، وأن بيرو سُكّنت من الصين، وأن يوكاتان سُكّنت من أصل إثيوبي (أفريقي) . وقد فُسّر ذكر «الإثيوبي» في ما يتعلق بيوكاتان على أنه يعني اعتقاده بأن بعض السكان قدموا من أفريقيا القديمة؛ وربما كان ذلك تلميحًا إلى المصريين أو القرطاجيين (إذ إن «الإثيوبي» في الاستعمال الكلاسيكي كان يمكن أن يعني أي شعوب داكنة البشرة، بل حتى شعوب شمال أفريقيا). وقد استبعد صراحةً نظرية الأصل «التتري» (آسيا الوسطى) السائدة في عصره، معتبرًا إياها تبسيطية أكثر من اللازم . التقييم: كان غروتيوس واحدًا من أوائل العلماء الذين نشروا بحثًا عن أصول الأمريكيين، وقد منح موضوعه، بفضل شهرته، اهتمامًا واسعًا. غير أن أفكاره واجهت الطعن فورًا. فقد تصدى له معاصره يوهان دي لات عام 1643. ووبّخ دي لات غروتيوس لإهماله البحوث السابقة، وجادل بأنه ينبغي الإجابة، بالأدلة، عن السؤالين: «من كان يستطيع المجيء؟» و«كيف كان يستطيع المجيء؟» . وفضّل دي لات الفكرة الأكثر معقولية، وهي قدوم الآسيويين عبر طريق شمالية، وانتقد إسناد غروتيوس إسكان أمريكا إلى الأفارقة والأوروبيين بوصفه غير مدعوم. وفي جوهر الأمر، تبنّى غروتيوس تصورًا بدائيًا للانتشارية الثقافية شمل عنصرًا أفريقيًا (وربما فينيقيًا)، لكنه لم ينجح في إقناع أصحاب النزعة الأكثر اعتمادًا على الأدلة. وأصبح الجدل بين غروتيوس ودي لات تبادلًا علميًا مبكرًا شهيرًا ؛ وقد أكد أن الأفكار التخمينـية (مثل الرحلات الفينيقية) كان عليها، بحلول منتصف القرن السابع عشر، أن تصمد أمام التدقيق العقلي. كما أن إصرار دي لات على إمكان الهجرة استبق المعايير الحديثة، وأن رفضه «الإثيوبيين في يوكاتان» عند غروتيوس عكس تنامي الشك في الفرضية الفينيقية.
  • أثناسيوس كيرشر (1602–1680) – مع أن كيرشر (وهو موسوعي يسوعي) لم يركّز مباشرة على الفينيقيين، فإنه أثّر في فكر القرن السابع عشر من خلال تكهناته بشأن القارات المفقودة. ففي Mundus Subterraneus (1665)، نشر خريطة شهيرة لأطلانتس في المحيط الأطلسي، مقترحًا وجود أراضٍ قديمة فصلتها الفيضانات، ومنها الأمريكتان. وكان كيرشر يعتقد أن الحضارة المصرية القديمة ربما انتشرت إلى العالم الجديد عبر أطلانتس. وبالامتداد، رأى بعض أتباعه أن الفينيقيين (بوصفهم ورثة المعرفة المصرية) كان بإمكانهم القيام برحلات نحو الغرب. التقييم: طمست أفكار كيرشر الحدود بين العلم والأسطورة؛ فعلى الرغم من أنه لم يقترح صراحةً وجود «فينيقيين في أمريكا»، فإنه أسهم في إيجاد مناخ فكري عُدّت فيه مثل هذه الصلات القديمة العابرة للمحيطات ممكنة. وكان الانتشاريون اللاحقون يستدعون أحيانًا أطلانتس أو القارات المفقودة لتفسير كيفية سفر الفينيقيين، أو كيفية اشتراك ثقافتي العالمين القديم والجديد في أوجه التشابه.

وخلاصة القول، شهد القرنان السادس عشر والسابع عشر ميلاد نظرية الاتصال الفينيقي (كنعانيو ليسكاربو وتلميحات غروتيوس) وأولى دحضها (أكوستا ودي لات) معًا. وكان التيار الأكاديمي السائد بحلول عام 1700 يميل إلى أصل آسيوي للسكان الأصليين في الأمريكتين، معتبرًا أن الرحلات المنفردة التي قام بها الفينيقيون أو غيرهم غير مرجحة. ومع ذلك، ظلت الفكرة قائمة على هامش الفكر، ثم عادت إلى الظهور بقوة جديدة في عصر التنوير.

عصر التنوير (القرن الثامن عشر): تجدد التكهنات وبدايات التصورات الأثرية #

خلال القرن الثامن عشر، اتخذ الجدل حول الاتصال القديم أبعادًا جديدة. فقد أعاد مفكرو التنوير، مدفوعين بالدراسات المقارنة وأحيانًا بدوافع قومية أو دينية، النظر في نظريات الرحّالة القادمين من العالم القديم إلى أمريكا. وفي نيو إنجلاند وأوروبا، أثار اكتشاف نقوش وأعمال ترابية غامضة التكهنات. وكان تطوران أساسيان في الفرضيات الفينيقية هما تحليل النقوش (مثل النقوش الصخرية على صخرة دايتون) والنظريات التي تصل الهنود الأمريكيين بالقبائل الإسرائيلية العشر الضائعة، وهي نظريات كثيرًا ما تداخلت مع الأفكار الفينيقية (لأن الفينيقيين والعبرانيين كانا شعبين ساميين متقاربين جغرافيًا ولغويًا).

  • صخرة دايتون وبدايات دراسة الكتابات القديمة: في ماساتشوستس، أصبحت صخرة كبيرة على نهر تونتون، تغطيها نقوش صخرية، لغزًا ذائع الصيت. وقدّم العلماء قراءات مختلفة لنقوش صخرة دايتون. وفي عام 1767، فحص رئيس جامعة ييل، إزرا ستايلز، النقوش الصخرية وخلص إلى أنها حروف عبرية قديمة . واستنتج أن القبائل الضائعة، أو بحّارة ساميين ذوي صلة بها، ربما نحتوها، بما يدل على وجود سامي سابق لكولومبوس. وبعد بضع سنوات، ذهب عالم الآثار الفرنسي أنطوان كورت دو جبيلان (مؤلف Le Monde primitif، 1775) إلى أبعد من ذلك؛ إذ فسّر علامات صخرة دايتون بأنها تخلّد زيارة قديمة قام بها بحّارة من قرطاج . وجادل كورت دو جبيلان بأن الرموز فينيقية/قرطاجية، ومن ثم فإنها تقدّم، في رأيه، دليلًا كتابيًا على أن بحّارة أولئك الشعبين كانوا قد بلغوا نيو إنجلاند ذات مرة. التقييم: كانت هذه الادعاءات الكتابية القديمة تخمينية، وقامت على تشابه سطحي بين الأشكال. وقد أظهرت التحليلات الحديثة منذ ذلك الحين أن علامات صخرة دايتون من صنع السكان الأصليين في الأمريكتين (ويرجح أن يكون الألغونكيون قد صنعوها)، وأنه لا توجد فيها كتابة فينيقية. لكن تفسيري ستايلز وجبيلان أضفيا في ذلك الوقت مسحة علمية على النظرية الفينيقية، وأبقياها مطروحة. وهما يمثلان محاولتين أثريتين أوليّتين لاستخدام دليل مادي – جرى تحديده خطأً، للأسف – لإثبات الاتصال.

  • القبائل الضائعة والأصول السامية: كانت فكرة شائعة في القرن الثامن عشر أن الأمريكيين الأصليين ينحدرون من القبائل الإسرائيلية العشر الضائعة (التي نُفيت في القرن الثامن قبل الميلاد). ومع أن هذه النظرية متميزة عن نظرية «الفينيقيين» في حد ذاتها، فإن النظريتين تداخلتا كثيرًا. فعلى سبيل المثال، كان اليهود الموسويون والفينيقيون الكنعانيون يتحدثون لغات سامية متقاربة؛ ولذلك استدعى أنصار الأصل الإسرائيلي أحيانًا السفن الفينيقية بوصفها وسيلة السفر. وكان من أبرز أنصار هذا الرأي جيمس أدير (1709–1783)، وهو تاجر إيرلندي عاش بين قبائل الجنوب الشرقي. ففي History of the American Indians (1775)، أصر أدير على أن الهنود من أصل إسرائيلي، مستشهدًا بأوجه تشابه في العادات واللغة. ولم يدّعِ تحديدًا أن الفينيقيين نقلوهم، لكنه، بإثباته أصلًا شرق أوسطيًا، دعم بصورة غير مباشرة معقولية الهجرة العابرة للمحيطات في العصور القديمة. الاستقبال العلمي: وجد كثير من مفكري التنوير نظرية القبائل الضائعة جذابة (لأنها تصل العالم الجديد بالتاريخ التوراتي)، لكن آخرين كانوا متشككين فيها. فعلى سبيل المثال، جادل المؤرخ الاسكتلندي وليام روبرتسون في History of America (1777) ضد هذه النظريات، وفضّل هجرة آسيوية برية، منتقدًا الافتقار إلى أدلة حقيقية على تأثير إسرائيلي أو فينيقي في لغات السكان الأصليين أو آثارهم .

  • الأب غيوم-توما رينال (1713–1796) وزملاؤه ناقشوا أصول العالم الجديد ضمن منحى فلسفي علماني. وقد جمع رينال، في كتابه History of the Two Indies (1770)، أفكار الآخرين. أما أحد معاصريه، وهو المشكك كورنيليوس دي باو، فقد أنكر بصورة قاطعة وجود أي زائرين متمدنين في العصور القديمة، وراح، على نحو سيئ الصيت، يحط من شأن السكان الأصليين في أمريكا باعتبارهم منحطين (وهو ادعاء دحضه مفكرون مثل جيفرسون والعالم المكسيكي كلافيخيرو). وفي خضم هذا الجدل الأوسع، ظلت الفرضية الفينيقية إحدى الإمكانات المطروحة؛ إذ كانت تُرضي فكرة أن شعوبًا متقدمة من العالم القديم ربما «حسّنت» العالم الجديد.

  • تكهنات كاريبية وأمريكية وسطى: شارك بعض العلماء الإسبان والكريول في الأمريكتين في هذا النقاش أيضًا. فعلى سبيل المثال، اقترح الكاهن فيليكس كارتا دي لا فيغا (في أواخر القرن الثامن عشر) في كوبا أن شعب الكاريب ربما كان منحدرًا من الكنعانيين أو الفينيقيين، مشيرًا إلى توافقات لغوية (لم تثبت صحتها، مع ذلك). وفي أمريكا الوسطى، فسّر بعض الكتّاب (ثم برّاسور دو بوربور، انظر القسم التالي) أسطورة مجتزأة عن بطل ثقافي يُدعى فوتان، سجّلها الراهب أوردونيث في تشياباس، على أنه فينيقي قاد مستعمرة إلى العالم الجديد؛ إذ قيل إن فوتان جاء من أرض تُسمى «فالوم تشيفيم»، التي ترجمها بعضهم، على نحو خيالي، إلى «أرض التشيفيم (العبرانيين/الحوييين)» أو كنعان . ومع أن هذه التفسيرات كانت هامشية في القرن الثامن عشر، فإنها أرست الأساس للمنظّرين في القرن التاسع عشر كي يبنوا سيناريوهات مفصلة للاستعمار الفينيقي في أمريكا الوسطى.

تقييم عصر التنوير: بحلول عام 1800، كان المتعلمون قد ناقشوا فكرة وصول الفينيقيين إلى أمريكا، لكنها ظلت بلا إثبات ومحل خلاف. وقد مال أصحاب النفوذ، مثل كورنيليوس دي باو وتوماس جيفرسون، إلى عدم الاعتقاد بوجود اتصال عابر للمحيطات قبل كولومبوس (باستثناء احتمال النورسيين، الذي ألمحت إليه الملاحم الآيسلندية، وإن لم يتأكد ذلك إلا بعد ذلك بوقت طويل). ومع ذلك، فإن مجرد مناقشة صخرة دايتون أو الأسباط الضائعة أبقى حيًّا احتمال أن يكون بحارة ساميون قد قاموا بهذه الرحلة. وقد تأمل المثقفون الأمريكيون الأوائل، بمن فيهم أوساط ييل وهارفارد، هذه المسائل بجدية. وهكذا تهيأت الساحة للقرن التاسع عشر، حين كان من شأن التخصصين الناشئين، علم الآثار واللغويات، أن يعثرا على دليل يثبت مثل هذه الاتصالات – أو أن يفنداها.

القرن التاسع عشر: الانتشارية في مواجهة علم الآثار العلمي #

كان القرن التاسع عشر نقطة تحول. فمن جهة، شهد هذا القرن تصاعدًا في نظريات الانتشارية – أي الطروحات التي رأت أن حضارات العالم القديم (الفينيقيين والمصريين وغيرهم) قد أسست ثقافات العالم الجديد. وقد بحث علماء آثار قدامى مغامرون وبعض علماء الآثار الأوائل عن صلات من هذا القبيل، مستلهمين غالبًا من الأطلال واللقى المكتشفة حديثًا في الأمريكتين. ومن جهة أخرى، ومع احتراف علم الآثار (ولا سيما في النصف الثاني من القرن)، بدأ كثير من العلماء يرفضون أكثر الادعاءات جنوحًا، مؤكدين التطور المحلي للحضارات الأمريكية. وهكذا وجدت نظرية وصول الفينيقيين إلى أمريكا في هذه الحقبة مؤيدين متحمسين ومشككين أقوياء.

  • أسطورة بناة التلال (الولايات المتحدة الأمريكية): في أوائل القرن التاسع عشر، واجه المستوطنون في أمريكا الشمالية تلالًا ترابية هائلة وتحصينات قديمة في وديان أوهايو والميسيسيبي. ونشأ اعتقاد شائع بأن هذه المنشآت بناها «عرق ضائع» منفصل عن الأمريكيين الأصليين (الذين حكم عليهم المستوطنون، خطأً، بالعجز عن إنجاز مثل هذه الأعمال). واقتُرحت أصول عديدة لهذا العرق الضائع – من بينها الفينيقيون. فعلى سبيل المثال، افترض بعضهم أن لاجئين من قرطاج أو مستعمرين فينيقيين ربما شيدوا هذه التلال. غير أن معظم المؤلفات المطبوعة كانت تفضل مرشحين آخرين (مثل الإسرائيليين الضائعين، أو الهندوس القدماء، أو الأطلنطيين). وقد جمع عالم الآثار الأمريكي القديم جوزايا بريست في كتابه American Antiquities (1833) كثيرًا من هذه النظريات، مستشهدًا بتقارير عن بقايا فينيقية مزعومة. الاستجابة العلمية: بحلول أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر، أثبت التحقيق المنهجي الذي أجراه علماء مثل إي. جي. سكوير وإي. إتش. ديفيس، ومؤسسة سميثسونيان ممثلةً في سايروس توماس، أن بناة التلال كانوا أسلاف القبائل الأمريكية الأصلية الحديثة، لا غرباء عنها. وأظهر تقرير سايروس توماس لعام 1894 بصورة حاسمة استمرارية الصلة بين لقى التلال وثقافة الأمريكيين الأصليين، مفندًا الحاجة إلى افتراض أصل فينيقي أو من العالم القديم. وكان ذلك ضربة علمية مهمة للنظريات الانتشارية في أمريكا.

  • لورد كينغزبورو (إدوارد كينغ، 1795–1837): كان كينغزبورو نبيلًا أيرلنديًا استحوذ عليه هاجس إثبات أن الشعوب الأصلية في الأمريكتين تنحدر من الأسباط الضائعة لإسرائيل. وقد أنفق ثروة على نشر مؤلفه متعدد المجلدات Antiquities of Mexico (1831–1848)، الذي زُيّن برسوم لمخطوطات الأزتك والمايا. وفي تعليقاته، جادل كينغزبورو بأن تأثير العالم القديم (التوراتي) كان واضحًا في آثار أمريكا. ولم يصل إلى حد القول صراحةً إن «الفينيقيين جاؤوا إلى أمريكا»، إذ ركز أكثر على الإسرائيليين؛ لكنه أبقى الباب مفتوحًا أمام ذلك، لأن تشتت الإسرائيليين ربما كان قد اشتمل على استخدام سفن فينيقية. الاستقبال: لم يتخذ العلماء عمله، رغم إنتاجه الفني البديع، دليلًا مثبتًا، لكنه نشر بين الأوساط المتعلمة فكرة أن الحضارات الراقية في أمريكا الوسطى ربما كانت ذات جذور في العالم القديم.

  • جون لويد ستيفنز (1805–1852) والحضارة الأصلية: على النقيض من ذلك، عندما استكشف ستيفنز والفنان فريدريك كاثروود أطلال المايا في أربعينيات القرن التاسع عشر (وهو ما وثقاه في Incidents of Travel in Central America)، خلصا إلى أن الآثار كانت بالفعل من عمل أسلاف الشعوب الأصلية المحلية – وهي فكرة راديكالية في ذلك الوقت. وقد فنّد ستيفنز صراحةً فكرة أن المصريين أو الفينيقيين بنوا مدن المايا، مشيرًا إلى عدم وجود آثار واضحة للكتابة أو الرموز المصرية أو الفينيقية. وقد دعم استنتاجه فكرة الأصل المستقل. واتفق كثير من علماء الآثار اللاحقين مع ستيفنز: فلا توجد معابد أو نقوش فينيقية في بالينكي أو كوبان. وردد الكاتب الأمريكي جون دي. بالدوين هذا الرأي في عام 1871، مشيرًا إلى أنه لو كانت مستعمرة فينيقية قد بنت مدن المايا، فإنها «أقامت هنا لغة تختلف جذريًا عن لغتها، واستخدمت أسلوبًا في الكتابة مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي… اخترعه عرقها…» . وكان هذا تفنيدًا علميًا موجزًا لفرضية الفينيقيين في أمريكا الوسطى: فالخط والعمارة عند المايا لا يظهران أي تأثير فينيقي على الإطلاق – بل إنهما تطوران مستقلان متميزان تمامًا.

  • الأب شارل-إتيان براسور دو بوربور (1814–1874): كان براسور رجل دين فرنسيًا تحول إلى باحث، فأعاد اكتشاف نصوص مهمة من أمريكا الوسطى وترجمها (مثل بوبول فوه وأبجدية المايا التي سجلها دييغو دي لاندا). لكنه طور أيضًا نظريات غريبة الأطوار. ففي ستينيات القرن التاسع عشر، وبعد قراءة سجل للمايا، اقتنع براسور بأن حضارة المايا كانت مرتبطة بأطلانتس وبشعوب العالم القديم. وخمّن أن «الإله» الماياوي فوتان (المذكور سابقًا) كان في الواقع زعيمًا قرطاجيًا أو فينيقيًا أبحر إلى العالم الجديد في زمن الملك سليمان، نحو القرن العاشر قبل الميلاد تقريبًا . وأشار براسور إلى اسم «تشيفيم» (الوارد في أسطورة فوتان) بوصفه ربما يعني الكلمة العبرية «تشيفي» (الحويين) – وهم قبيلة كنعانية، وبذلك ربط فوتان بالعالم القديم . كما لاحظ أوجه شبه تصورها بين رموز المايا والرموز المصرية، بل اقترح أن كارثة كبرى (سقوط أطلانتس) فصلت بين القارتين. التقييم: كانت نظريات براسور هامشية حتى في عصره. ومع أن اكتشافه للمصادر أكسبه الاحترام، فإن أقرانه وجدوا أفكاره الأطلنطية-الفينيقية غير مقنعة. واليوم، تُعد فرضيته القائلة إن فوتان كان فينيقيًا ضربًا من التاريخ الزائف – إذ هي قراءة تخيلية خاطئة للأساطير من دون سند أثري.

  • «الأدلة» الزائفة علميًا وعمليات التزييف: شهد القرن التاسع عشر عدة اكتشافات مزعومة استُخدمت للدفاع عن وجود الفينيقيين – لكن معظمها اتضح أنه ناتج عن سوء فهم أو أنه من أعمال التزييف. ومن الأمثلة سيئة الصيت نقش بارايبا (البرازيل، 1872). فقد زُعم العثور في مقاطعة بارايبا البرازيلية على حجر يحمل كتابة فينيقية. وكان يتضمن قصة سفينة فينيقية انحرفت عن مسارها أثناء رحلة لصالح الفرعون نخاو، فوصلت إلى السواحل البرازيلية . وعُرض النص على لاديسلاو دي سوزا ميلو نيتو (1838–1894)، مدير المتحف الوطني في البرازيل. وقد قبله نيتو في البداية بوصفه أصليًا، وأعلن بحماس أن الفينيقيين بلغوا أمريكا الجنوبية . غير أن عالم اللغات السامية الفرنسي ذائع الصيت إرنست رينان فحص نسخة من النص، وأعلن بحلول عام 1873 أنه مزور، مشيرًا إلى أن أشكال حروفه كانت مزيجًا غير متسق من أبجديات تمتد على مدى قرون عديدة (وهو تناقض زمني مستحيل) . وبعد إجراء مزيد من التحقيق، لم يتمكن نيتو قط من العثور على الحجر الأصلي أو على الشخص الذي زُعم أنه اكتشفه، وأقر بأن الأمر كان على الأرجح خدعة . الأثر: تقدم واقعة بارايبا درسًا مفيدًا – فهي تُظهر من جهة لهفة بعض الناس إلى العثور على دليل على وجود الفينيقيين في أمريكا، ومن جهة أخرى التفنيد الصارم الذي مارسه فقهاء اللغة المحترفون. ومن اللافت أن نص بارايبا سيظهر من جديد في القرن العشرين (انظر سايروس غوردون أدناه)، لكن العلم السائد كان قد حكم عليه بأنه مزور بحلول سبعينيات القرن التاسع عشر.

مساهمون آخرون في القرن التاسع عشر:

  • كان يوليوس فون هاست وأوجين بورنوف (وهما من العلماء الذين حللوا النقوش في أمريكا الجنوبية) يجدان عمومًا عدم وجود صلة فينيقية، وينسبان النقوش إلى أصل محلي أو إلى خدعة حديثة.
  • كان ديزيريه شارنيه (1828–1915) عالم آثار فرنسيًا قاد بعثات استكشافية في المكسيك، وقد بحث في البداية عن أوجه تشابه مع العالم القديم. لكنه خلص، بعد دراسة الأدلة، إلى أن «ليس ثمة نقش تصويري أو شكل زخرفي واحد في أطلال العالم الجديد يمكن تحديده بصورة قاطعة على أنه مصري أو فينيقي». ونسب الحضارات الراقية في أمريكا إلى براعة السكان الأصليين، منسجمًا بذلك مع بالدوين وستيفنز. (وكان موقف شارنيه، في جوهره، أن أوجه التشابه – مثل الأهرام – عرضية أو ناتجة عن مبادئ عامة، لا عن اتصال مباشر.)
  • إغناطيوس دونيلي (1831–1901): مع أنه عُرف بنظريته عن أطلانتس (في كتابه الصادر عام 1882 Atlantis: The Antediluvian World)، اقترح دونيلي أيضًا أن لاجئي أطلانتس أسكنوا مصر والأمريكتين معًا. وفي رأيه، كان الأطلنطيون ربما أسلاف الفينيقيين، ولذلك شملت نظريته، بصورة غير مباشرة، بحارة شبيهين بالفينيقيين وصلوا إلى العالم الجديد. وكان لعمل دونيلي تأثير شعبي هائل، إذ غذّى شتى أشكال الاعتقاد بوجود اتصالات قبل كولومبوس في الثقافة الشعبية. غير أن العلماء رفضوا أفكاره الأطلنطية-الفينيقية بوصفها تخمينية تفتقر إلى الدليل.

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، كان ثقل الرأي العلمي قد تحول نحو القول بالتطور المستقل للحضارات الأمريكية. وقد كافح مكتب الإثنولوجيا الأمريكي بنشاط أساطير الزيارات القديمة القادمة من العالم القديم. وفي عام 1898، لخص عالم الأنثروبولوجيا الرائد أدولف باندلييه الإجماع بقوله: «لا نعثر على أي أثر موثوق لأية أمة شرقية أو أوروبية قديمة في أمريكا؛ فحضارة العالم الجديد تطور مستقل تمامًا». ومع ذلك، حمل عدد قليل من الأرواح الجسورة شعلة الفينيقيين إلى القرن الجديد – وإن كانوا الآن خارج التيار الأكاديمي السائد إلى حد كبير.

القرن العشرون: الرفض العلمي وإحياء التيارات الهامشية #

في القرن العشرين، ومع نضج علم الآثار والأنثروبولوجيا، هُمّشت فكرة الاتصال الفينيقي إلى حد كبير في الخطاب العلمي – إذ فُحصت مرارًا وثبت قصورها. غير أن عددًا من المؤلفين شبه الأكاديميين والهامشيين أبقوا الفكرة حية، فأدخلوا أحيانًا «أدلة» جديدة (غالبًا ما كانت مشكوكًا فيها) أو أعادوا تفسير اكتشافات قديمة. وفي الوقت نفسه، أعاد العلماء المنتمون إلى التيار السائد النظر في الموضوع دوريًا لدحض الادعاءات الجديدة ولضمان توضيح السجل التاريخي. وقد أوجدت هذه الدينامية مجموعة كبيرة من المؤلفات التي تتناول النظرية الفينيقية، حتى في الوقت الذي كان فيه الإجماع المناهض لها يزداد قوة.

أبرز الشخصيات والتطورات في القرن العشرين:

  • زيليا نوتال (1857–1933) – كانت نوتال عالمة آثار أمريكية منفتحة الذهن إزاء احتمال وجود اتصالات عابرة للمحيطات. كتبت في عام 1901 مقالًا بعنوان “The Fundamental Principles of Old and New World Civilizations” («المبادئ الأساسية لحضارات العالم القديم والعالم الجديد»)، أشارت فيه إلى أوجه تشابه مثيرة للاهتمام (مثل نظم التقويم)، بل وروت تقليدًا مكسيكيًا عن رسو سفينة أجنبية على الشواطئ في أزمنة ما قبل الإسبان. وافترضت أن سفينة من العالم القديم، سبقت كولومبوس، ربما وصلت إلى أمريكا الوسطى. ومع أنها لم تنسب ذلك تحديدًا إلى الفينيقيين، فقد ذكرت إنجازات الفينيقيين والملاحة المتوسطية بوصفها برهانًا على إمكان حدوث ذلك. التقييم: كان عمل نوتال متأنيًا، لكنه افتقر في نهاية المطاف إلى دليل ملموس. وكان استثناءً في عصر كان معظم علماء الآثار فيه يجادلون بأن الاختراع كان مستقلًا. وقد استشرفت رغبتها في النظر في احتمال وجود اتصالات قديمة أعمالَ الانتشاريين اللاحقين مثل هايردال وجيت.
  • غرافتون إليوت سميث (1871–1937) – كان سميث، الذي تلقى تدريبًا في علم التشريح، أبرز المدافعين عن الانتشارية المفرطة. ففي كتب مثل Children of the Sun (1923)، جادل بأن الحضارة نشأت تقريبًا كلها في مصر وانتشرت عالميًا بواسطة حَمَلة الثقافة. وكان يعتقد أن الفينيقيين، بوصفهم تجارًا ملاحين، كانوا وكلاء لهذا الانتشار، فنقلوا ثقافة مستوحاة من مصر إلى أراضٍ بعيدة. واستشهد بأدلة مزعومة مثل تشابه هياكل الأهرام والتحنيط، بل وحتى صور مفترضة للفيلة في فن أمريكا الوسطى (إذ كانت الفيلة، في رأيه، مجهولة في العالم الجديد، مما يدل على تأثير من العالم القديم). وذهب سميث إلى أن بحارة فينيقيين أو مصريين وصلوا إلى الأمريكتين في العصور القديمة. التقييم: كانت نظريات سميث مثار جدل. ومع أنه كان يحظى بالاحترام بوصفه عالمًا في مجالات أخرى، فقد انتقد علماء الأنثروبولوجيا، مثل كلارك ويسلر وفرانتس بواس، الانتشارية المفرطة بشدة، مشيرين إلى أنها تتجاهل قدرة المجتمعات البشرية على الابتكار بصورة مستقلة. وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، فقدت الانتشارية حظوتها في الأوساط الأكاديمية، وحل محلها التركيز على التطور المستقل والتطور الثقافي. ولم تدعم ادعاءات سميث المحددة بشأن التأثير الفينيقي في أمريكا اكتشافات أثرية متينة قط؛ فقد كانت استنتاجات مبنية على أوجه تشابه متصوَّرة، رآها معظم الخبراء بعيدة الاحتمال أو عرضية.
  • ثور هايردال (1914–2002) – كان مغامرًا نرويجيًا شغوفًا بعلم الآثار التجريبي. وقد بنى على نحو شهير طوف كون-تيكي (1947) وقارب رع المصنوع من البردي والقصب (1969) لإثبات أن السفن القديمة كان بوسعها عبور المحيطات. وكانت رحلات رع، على وجه الخصوص، تهدف إلى إظهار أن المصريين أو الفينيقيين ربما أبحروا من إفريقيا إلى الأمريكتين. وفي عام 1970، أبحر هايردال بنجاح بقارب مصنوع من البردي والقصب من المغرب إلى بربادوس. وقد أثبت ذلك بصورة درامية أن السفر عبر الأطلسي كان ممكنًا تقنيًا في العصور القديمة. وجادل هايردال بأن أوجه التشابه الثقافي (مثل الأهرام المدرجة أو بعض الأساطير) قد تفسَّر بمثل هذه الاتصالات. الاستجابة الأكاديمية: مع أن كثيرين أعجبوا بمهارة هايردال في الملاحة، أشار علماء الآثار إلى أن الإمكان ليس دليلًا. فعلى الرغم من إظهاره أن سفينة من العصر الفينيقي كان بإمكانها إتمام الرحلة، لم يقدم هايردال قطعًا أثرية فينيقية فعلية في العالم الجديد. وظل علماء التيار السائد غير مقتنعين بوقوع أي رحلة من هذا النوع، مشيرين إلى غياب الآثار. ومع ذلك، أعادت تجارب هايردال العلنية إشعال الاهتمام الشعبي بالرحلات القديمة العابرة للمحيطات، وألهمت آخرين لإعادة النظر في المسألة الفينيقية.
  • سايرس هـ. غوردون (1908–2001) – كان غوردون عالمًا محترمًا في اللغات السامية (وأستاذًا في جامعة براندايس وجامعة نيويورك) خاض مجالًا مثيرًا للجدل في علم الآثار الأمريكي. ففي ستينيات القرن العشرين، أعاد فحص نقش بارايبا القديم، وخلص إلى أنه قد يكون أصيلًا في نهاية المطاف. ونشر ترجمة جديدة له، وجادل بأن النص، لكونه لا ينسخ أي مصدر معروف بصورة مطابقة، يمكن أن يكون سجلًا فينيقيًا قديمًا مستقلًا. كما بحث غوردون في حجر بات كريك (وهو لوح صغير منقوش عُثر عليه في تينيسي عام 1889). وكان يُعتقد في البداية أنه مكتوب بالمقطعيات الشيروكية، ثم لوحظ لاحقًا أنه يشبه حروف العبرية القديمة. وادعى غوردون في عام 1971 أن نقش بات كريك كتابة فينيقية (عبرية) من القرن الأول أو الثاني الميلادي – ودليل، في رأيه، على أن بحارة يهودًا (أو فينيقيين) وصلوا إلى شرق أمريكا الشمالية. وذهب إلى حد تأكيد وجود حضور «كنعاني» في أمريكا القديمة، رابطًا ذلك بقصص رحلات اللاجئين بعد الحرب اليهودية. التلقي: تلقت أفكار غوردون انتقادات شديدة من علماء الآثار وكثير من علماء اللغات. وردّ عالم النقوش السامية فرانك مور كروس بأن كل ما في نص بارايبا «كان متاحًا للمزوِّر في كتيبات القرن التاسع عشر»، وأن مزجه بين أنظمة الكتابة يثبت أنه مزور. أما حجر بات كريك، فقد أظهر عالما الآثار المعاصران روبرت مينفورت وماري كواس (في ثمانينيات القرن العشرين) أنه خدعة على الأرجح – إذ يُرجح أن الحفار الأصلي دسّه، لأنه يطابق رسمًا توضيحيًا في دليل ماسوني صدر عام 1870. والإجماع الآن هو أن بات كريك ليس أثرًا قديمًا أصيلًا، بل تزوير من القرن التاسع عشر (ربما أُنشئ دعمًا لفكرة الأسباط المفقودة). وقد جعل إصرار غوردون على أصالة هاتين القطعتين منه على خلاف مع غالبية العلماء. ومع أنه كان موضع إعجاب بسبب عمله السابق، يُنظر إلى غوردون في هذا الموضوع على أنه تجاوز إلى نطاق علم الآثار الزائف. ومع ذلك، منحت مكانته النظرية الفينيقية مسحة من الشرعية الأكاديمية في منتصف القرن، على الأقل بما يكفي لإثارة النقاش في دوريات مثل Biblical Archaeologist.
  • مارشال مككوسيك (1930–2020) – كان عالم آثار وشغل سابقًا منصب عالم آثار ولاية آيوا، وأصبح ناقدًا صريحًا لهذه الادعاءات الانتشارية. ففي مقال صدر عام 1979 بعنوان “Canaanites in America: A New Scripture in Stone?” («الكنعانيون في أمريكا: نص مقدس جديد على حجر؟»)، راجع الأدلة (بارايبا، وبات كريك، وغيرهما) وخلص بحزم إلى أن جميع النقوش الفينيقية المزعومة في الأمريكتين كانت إما خاطئة التعريف وإما مزورة. وأشار إلى أن المؤيدين «يرفضون عمل المتخصصين باستخفاف» في كثير من الأحيان، ويتجاهلون غياب السياق عن الاكتشافات المفترضة. وقد أدت تفنيدات مككوسيك وزملائه في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين إلى إيقاف النظر الأكاديمي في النظرية الفينيقية إلى حد كبير – باستثناء تناولها بوصفها فضولًا تاريخيًا أو مثالًا على العلم الزائف.
  • باري فل (1917–1994) – كان فل، الذي تلقى تدريبًا في علم الأحياء البحرية، قد اشتهر (أو ذاع صيته السيئ) بأبحاثه الهاوية في النقوش. ففي عام 1976، نشر كتاب America B.C. (أمريكا قبل الميلاد)، وهو من أكثر الكتب مبيعًا، زعم فيه أن كثيرًا من النقوش في أمريكا الشمالية (النقوش الصخرية والعلامات على الصخور) كُتبت في الواقع بأنظمة كتابة من العالم القديم، بما فيها أوغام الكلتيين، والأيبيرية، والفينيقية. وادعى فل أن مستكشفين إيبرًا-قرطاجيين زاروا نيو إنجلاند وتركوا نقوشًا؛ بل واقترح أن بعض لغات الأمريكيين الأصليين أظهرت تأثيرًا ساميًا. واعتبر أن علامات صخرة دايتون فينيقية، وترجمها على هذا الأساس. وكان فل جزءًا من موجة الحماس التي سادت في سبعينيات القرن العشرين لإعادة تفسير علم الآثار الأمريكي. التقييم الأكاديمي: رفض علماء اللغات وعلماء الآثار المحترفون عمل فل بأغلبية ساحقة. وأشاروا إلى عيوب منهجية خطيرة، مثل رؤية أنماط لا وجود لها (pareidolia - التوهّم النمطي)، وعدم مراعاة الأصل المحلي لأنظمة الكتابة. وذكرت إحدى الانتقادات اللاذعة أن «النقوش الفينيقية» التي رآها فل شديدة الاستبعاد، ولم يتعرف إليها أي عالم مؤهل في النقوش. ومع ذلك، كانت كتب فل مؤثرة جدًا بين الجمهور وبعض الجمعيات التاريخية المحلية، فأشعلت نشاطًا واسعًا من الهواة في مجال النقوش. وقد صيغ مصطلح «الجمعية الأمريكية للنقوش» لوصف أولئك الذين اتبعوا نهج فل. أما في الأوساط الأكاديمية، فتُعد ادعاءات فل علمًا زائفًا؛ غير أنها دفعت علماء الآثار إلى نشر مزيد من التفنيدات، وإلى فحص النقوش المزعومة من العالم القديم بمزيد من العناية (مما أثبت في كثير من الأحيان أنها خدوش طبيعية أو كتابات جدارية حديثة).

طبعة حجرية لحجر بات كريك المثير للجدل (نُشرت عام 1890، مقلوبة عن اتجاهه الأصلي). في سبعينيات القرن العشرين، جادل سايرس هـ. غوردون بأن النقش فينيقي/عبري، وبأنه دليل على زوار ساميين قدماء. غير أن علماء الآثار من التيار السائد حددوه بوصفه تزويرًا مرجحًا من القرن التاسع عشر، مشيرين إلى أن حروف «العبرية القديمة» تطابق رسمًا توضيحيًا في كتاب صدر عام 1870. وتجسد قضية بات كريك الكيفية التي فُنِّدت بها القطع الأثرية الفينيقية المزعومة.

  • روس ت. كريستنسن (1918–1990) – كان أستاذًا في جامعة بريغهام يونغ (ومورمونيًا متدينًا)، وقد تناول الاتصال الفينيقي من منظور النصوص المقدسة المورمونية. يذكر كتاب مورمون جماعة تُسمى المولكيين (يقودها مولك، ابن الملك صدقيا) فرّت من القدس نحو عام 587 قبل الميلاد وأبحرت إلى الأمريكتين. وافترض كريستنسن أن جماعة مولك ربما استعانت ببحارة فينيقيين، بالنظر إلى تحالف الفينيقيين مع مملكة يهوذا وخبرتهم في الملاحة البحرية. بل ذهب إلى القول إن المولكيين كانوا «فينيقيين إلى حد كبير من حيث أصلهم العرقي». التقييم: عُدَّ ذلك داخل دوائر قديسي الأيام الأخيرة توافقًا محتملًا مثيرًا للاهتمام بين علم الآثار والنص المقدس. أما خارج تلك الدوائر، فيشير العلماء إلى عدم وجود أي دليل غير مورموني على الإطلاق على وجود المولكيين. وتظل الفكرة تخمينًا قائمًا على الإيمان. ولم تؤثر في البحث العلمي العلماني، لكنها تُظهر كيف وجدت الرواية الفينيقية سبيلًا إلى علم الآثار الديني. (ومن الجدير بالملاحظة أن علماء مورمون افترضوا أيضًا وجود اتصالات أخرى بالعالم القديم؛ وكان كريستنسن غير معتاد في تركيزه على الفينيقيين تحديدًا.)
  • المؤيدون المعاصرون (أواخر القرن العشرين – القرن الحادي والعشرون): واصل عدد قليل من الشخصيات المعاصرة الدفاع عن صيغ مختلفة من نظرية اكتشاف الفينيقيين:
  • مارك ماكمنامين (مواليد 1958) – جيولوجي ومؤرخ للعلوم، أثار ماكمنامين ضجة في عام 1996 عندما زعم أن سلسلة من العملات الذهبية القرطاجية التي تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد تتضمن «خريطة» خفية للأمريكتين . تُظهر هذه الستاترات الذهبية حصانًا على أحد وجهيها؛ وقد ركّز ماكمنامين على نمط من النقاط والخطوط أسفل الحصان (في الإكسرغ exergue). وادّعى أن هذا النمط، عند فحصه عن كثب، يصوّر معالم البحر المتوسط، ومعالم باهتة لأمريكا الشمالية والجنوبية في أقصى الغرب . وبعبارة أخرى، يعتقد أن القرطاجيين كانوا يعرفون العالم الجديد وسجّلوا ذلك رمزيًا على نقودهم. وقد ظلّ ماكمنامين متمسكًا بهذه الفرضية طوال عقود. كما بحث في ما يُسمّى «عملات فارلي» – وهي عملات قرطاجية يُزعم العثور عليها في أمريكا الشمالية – وخلص إلى أن تلك العملات بعينها مزوّرة، مع أنه لا يزال يرى أن الستاترات الأصلية تشير إلى معرفة بأمريكا . التلقّي: يتشكك علماء المسكوكات والآثار بشدة في تفسير ماكمنامين. والإجماع هو أن الأنماط الموجودة على العملات تصاميم أو حروف منمّقة، لا خرائط؛ ومن المرجح أن رؤية أمريكا فيها ضرب من الباريدوليا (pareidolia). وحتى الآن، لم يُعثر على أي عملة قرطاجية في سياق أثري مضبوط في الأمريكتين. ولا تزال نظرية ماكمنامين فكرة هامشية، رغم أنها ظهرت في وسائل الإعلام الشعبية. وهي تمثّل نوعًا من الإحياء الحديث للفكرة الفينيقية، إذ تحاول العثور على دليل قرطاجي قديم على معرفة نصف الكرة الغربي.
  • هانس غيفهورن – عالم إثنولوجيا ومخرج أفلام ألماني، نشر غيفهورن كتابًا في عام 2013 جادل فيه بأن الفينيقيين (القرطاجيين) والإيبيريين الكلتيين وصلوا إلى أمريكا الجنوبية نحو القرن الثالث قبل الميلاد، وأثروا في ثقافة التشاتشابويا في جبال الأنديز. وأشار إلى أوجه تشابه في التحصينات وأنماط الجماجم، وإلى أسطورة الغرباء ذوي البشرة البيضاء. وقد حظي هذا ببعض الاهتمام الإعلامي (حتى إنه ذُكر في برنامج خاص على قناة PBS). الرأي الأكاديمي: تُصنَّف أعمال غيفهورن عمومًا ضمن التاريخ الزائف؛ ولا يقبل الخبراء المتخصصون في التشاتشابويا مراجعته الجذرية للتاريخ. ولا تزال هذه الأعمال خارج نطاق البحث المحكَّم من الأقران.
  • غافن منزيس (1937–2020) – رغم شهرته بنظريته الصينية لعام 1421، أتاح منزيس في كتابه اللاحق Who Discovered America? (2013) منبرًا لمجموعة مختلطة من ادعاءات الاتصال السابق لكولومبوس، بما في ذلك الفينيقيون. واقترح أن كل أمة بحرية تقريبًا – من الصينيين إلى الفينيقيين – «اكتشفت» أمريكا في وقت ما. لم يكن منزيس أكاديميًا، وقد فقدت أعماله مصداقيتها على نطاق واسع لدى المؤرخين. ومع ذلك، وصلت هذه الأعمال إلى جمهور واسع، موضحةً استمرار افتتان الجمهور بأمريكا الفينيقية.
  • الإجماع الأكاديمي في القرنين العشرين والحادي والعشرين: رفض علماء الآثار المحترفون في هذه الحقبة، إلى حد كبير، نظرية الاتصال الفينيقي رفضًا قاطعًا. فقد أسفرت الحفريات المكثفة في الأمريكتين عن عدم العثور على أي مصنوعات فينيقية لا يرقى إليها الشك – وهو فرق حاسم عن حالات الاتصال المثبتة التي توفّر فيها البقايا الأثرية دليلًا واضحًا. ومن المعروف جيدًا أن حضارات معقدة مثل المايا والأزتك والإنكا تطورت انطلاقًا من أسلاف محليين، كما هو مفصّل في تحليلنا لـكيفية التمييز بين الاتصال الحقيقي والاختراع المستقل. وتخلص الأبحاث اللغوية إلى أن لغات الأمريكيين الأصليين تُظهر صلات عميقة باللغات السيبيرية، لا باللغات السامية. كما تبيّن دراسات الأنثروبولوجيا الطبيعية والوراثة أصلًا آسيويًا في المقام الأول للشعوب الأصلية، من دون أي آثار لحمض نووي قديم من الشرق الأدنى. وهكذا ترسّخ الإجماع الأكاديمي على عدم حدوث وصول فينيقي. وكما قال أحد علماء الآثار ساخرًا: «لم تُكتشف أمريكا قط (على يد شعوب العالم القديم) – فقد كانت هناك طوال الوقت، مأهولة بمكتشفيها الأصليين» . وهذا يردّد تعليقًا فكاهيًا من محاضرة أُلقيت في ثمانينيات القرن التاسع عشر: «لم يكتشفها الفينيقيون… لقد تتبعت كل شائعة إلى مصدرها، ولم أجد واحدة منها تستند إلى ساق يمكنها الوقوف عليها» . وبمصطلحات أكثر رسمية، وصف استعراض ستيفن ويليامز (من جامعة هارفارد) عام 1995 في Fantastic Archaeology نظريات أمريكا الفينيقية بأنها مثال كلاسيكي على «علم الآثار الزائف» (cult archaeology) – أي ادعاء استثنائي يستند إلى أدلة عادية (أو معدومة).

ومع ذلك، ينخرط علماء التيار السائد أحيانًا في الموضوع لمعالجة ادعاءات جديدة أو أسئلة يطرحها الجمهور. فعلى سبيل المثال، فحص مقال لجون ب. كارلسون نُشر عام 2004 حجر الوصايا العشر في نيوارك (وهو نقش عبري يُزعم وجوده في تلّ بولاية أوهايو)، وخلص إلى أنه خدعة، مؤكدًا مجددًا عدم العثور على مصنوعات فينيقية أو عبرية في مواضعها الأصلية داخل الأمريكتين. وينعكس الإجماع أيضًا في المعارض والبيانات الرسمية: فمتحف سميثسونيان يصف صراحةً ادعاءات الاتصال عبر الأطلسي (باستثناء النورسيين) بأنها غير مثبتة، ويسلّط الضوء على غياب أي سلع تجارية فينيقية في المواقع الأمريكية.

الجدل حول الأدلة: الحجج الأثرية واللغوية والأسطورية #

لماذا استمرت النظرية الفينيقية رغم غياب الأدلة الصلبة؟ اعتمد مؤيدوها تاريخيًا على أنواع قليلة من الحجج – وقد دحضها النقاد بصورة منهجية. فيما يلي عرض للنقاط الاستدلالية الرئيسية لدى كل جانب:

  • النقوش المزعومة: كانت هذه حجر الأساس في كثير من ادعاءات الاتصال الفينيقي. وقد رأينا أمثلة مثل حجر بارايبا، وصخرة دايتون، وحجر بات كريك، وحجر الوصايا العشر في لوس لوناس (وهو نقش في نيو مكسيكو يشبه الوصايا العشر ومكتوب بالخط العبري القديم). يجادل المؤيدون بأن مثل هذه المكتشفات تثبت أن زائرين ساميين قدماء تركوا سجلات مكتوبة. غير أن العلماء وجدوا، في كل حالة جرى فحصها، أن النقوش إما لا تطابق الخطّ القديم الفينيقي الأصيل، أو اكتُشفت في ظروف مريبة. كان نقش بارايبا على الأرجح خدعة؛ ويُعدّ حجر بات كريك الآن تزويرًا؛ أما لوس لوناس فيتضمن أشكالًا عديدة من الحروف تنتمي إلى عصور لاحقة، ويفتقر إلى أي سياق أثري، مما يدل بقوة على أصل حديث (إذ أُبلغ عنه للمرة الأولى في القرن العشرين). وقد دُرست العلامات الموجودة على صخرة دايتون، التي افترض البعض ذات يوم أنها فينيقية، على أيدي علماء الآثار، ويُعتقد الآن أنها نقوش صخرية للأمريكيين الأصليين (ربما صنعها أفراد من شعب الألغونكيان قبل الاستعمار) أو نقوش تعود إلى الحقبة الاستعمارية – لكنها بالتأكيد ليست حروفًا فينيقية. وخلاصة القول إن الأدلة النقشية انهارت تحت وطأة التدقيق. وكما قال فرانك مور كروس عن هذه النقوش، كان بوسع أي مزوّر كفء أو هاوٍ واسع الخيال أن ينتجها، ولم يصمد أيٌّ منها أمام التحليل المتخصص .
  • أوجه التوازي الفني والثقافي: يشير أنصار الانتشارية إلى أوجه تشابه مثل البنى الهرمية في مصر وأمريكا الوسطى، وتصوير الآلهة الملتحية (فشعوب الشرق الأوسط غالبًا ما تكون ملتحية، في حين أن الأمريكيين الأصليين أقل لحى في العادة)، وطقوس مثل الختان أو القرابين المحروقة، وأساطير الطوفان، وغير ذلك. فعلى سبيل المثال، أشار الكاتب أوغست بيار في القرن التاسع عشر (كما نقل عنه جونستون) إلى أن الأزتك كانوا يعبدون إلهًا للمطر مع تقديم قرابين من الأطفال، بما يوازي القرابين الفينيقية لبعل/حمون . كما زعم أن تقويم الأزتك يتضمن مبادئ شبيهة بمبادئ التقاويم القمرية المصرية/الفينيقية ، وأن سمات معمارية معينة (مثل قنوات المياه) في المكسيك تشبه تلك التي بناها الفينيقيون. وقد استُخدمت هذه الأنواع من أوجه التوازي للدفاع عن وجود مصدر مشترك أو تأثير مباشر. الدحض: يردّ علماء الأنثروبولوجيا المعاصرون بأن أوجه التشابه هذه إما تنشأ بصورة مستقلة بسبب التطور التقاربي، أو أنها سطحية/عامة إلى حد يجعل ظهورها محتومًا في ثقافات كثيرة. فالأهرام، مثلًا، شكل فعّال ببساطة لإقامة نصب تذكاري كبير (وقد بنت مجتمعات عديدة تلالًا أو أهرامًا من دون أي اتصال). أما تقويم أمريكا الوسطى، فعلى الرغم من تعقيده، فهو إبداع فريد لا يتشابه مع تقاويم العالم القديم إلا مصادفةً. وعلاوة على ذلك، تغيب تمامًا السمات الثقافية الفينيقية المميّزة حقًا – مثل أبجديتهم – عن أمريكا السابقة لكولومبوس. وكما لاحظ بالدوين، لو كان الفينيقيون قد استعمروا أمريكا، فلا بد أنهم كانوا سيقدمون الكتابة الأبجدية، ومع ذلك لا يستخدم أي نقش سابق لكولومبوس في الأمريكتين أبجديات العالم القديم . وأنظمة الكتابة لدى السكان الأصليين في أمريكا (رموز المايا، والرسوم التصويرية للأزتك، وكيبو الأنديز) تختلف اختلافًا كليًا عن الخط الفينيقي. ويقوّض هذا الانفصال ادعاءات الاتصال المستدام. بالإضافة إلى ذلك، وجدت الدراسات الأيقونوغرافية أن الزخارف المفترضة من العالم القديم (مثل الفيلة أو زهور اللوتس في فن المايا) إما لا تصوّر في الواقع ما ظنه أنصار الانتشارية، أو أن لها تفسيرات محلية موثوقة.
  • الادعاءات اللغوية: حاول بعض المؤلفين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ربط كلمات الأمريكيين الأصليين باللغات السامية. فعلى سبيل المثال، جمع جيمس أدير قائمة بأوجه تشابه عبرية مزعومة في لغة موسكوغي (كريك)، وفي القرن العشرين زعم باري فل أن بعض الكلمات الألغونكيانية مشتقة من البونية (اللهجة الفينيقية). ويرفض اللغويون هذه الادعاءات رفضًا واسعًا. فلا يجد علم اللغة التاريخي أي دليل على أن أي عائلة لغوية من لغات الأمريكيين الأصليين ذات أصل سامي. وقد يكون تشابه بضع كلمات محض مصادفة (إذ تحدث التداخلات العشوائية مع وجود آلاف اللغات). وتُظهر المقارنة المنهجية أن لغات الأمريكتين الأصلية تشكّل عائلات عميقة خاصة بها (الألغونكيانية، واليوتو-أزتيكية، والماياوية، وغيرها) ذات تاريخ طويل في العالم الجديد. ولم تُحدَّد أي كلمات دخيلة فينيقية. وعلاوة على ذلك، تختلف الأنظمة الصوتية اختلافًا كبيرًا. فالفينيقية (وهي لغة سامية) كانت تتضمن أصواتًا وبنى غريبة تمامًا عن لغات مثل لغات المايا. ولا توجد حتى إشارة إلى أنظمة أعداد أو علامات نحوية سامية في لغات العالم الجديد. بل إن الأدلة اللغوية تؤيد هجرة آسيوية – إذ تشترك لغات أصلية كثيرة في سمات مع لغات سيبيرية، بما يتفق مع عبور مضيق بيرينغ.
  • الأساطير والسجلات: يستشهد المؤيدون أحيانًا بأساطير العالم الجديد عن آلهة أجنبية أو أبطال مؤسسين ملتحين قدموا من وراء البحر. وقد دفعت أسطورة كيتزالكواتل (بطل ثقافي أبيض البشرة وملتحٍ في المكسيك) بعضهم إلى افتراض أنه كان فينيقيًا أو كِلتيًا نجا من غرق سفينة. وبالمثل، تُستحضر في هذه النظريات أساطير الإنكا عن فيراكوتشا، أو أساطير المايا عن فوتان. الرأي السائد: إما أن هذه الأساطير نتاج إضافات ما بعد كولومبوس (فقد تكون صورة كيتزالكواتل بوصفه إلهًا أبيض قد تأثرت بسرديات ما بعد الغزو)، أو أن لها معاني رمزية لا تشير إلى أجانب حقيقيين. ولا تصف أي أسطورة من أساطير السكان الأصليين، وصفًا لا لبس فيه، الفينيقيين أو أي جماعة محددة من العالم القديم. وفي أحسن الأحوال، يفسرها غرباء عن الثقافة في هذا الاتجاه. أما في ما يتعلق بالسجلات التي كُتبت بعد الغزو: فقد دوّن الكُتّاب الإسبان الأوائل بالفعل تواريخ خيالية تربط الهنود الأمريكيين بالعصور القديمة الكلاسيكية (ومن أمثلتها أن فرانسيسكو أفينيدا كتب عن إغريق إسكندريين في جبال الأنديز — وهي قصة مختلقة تمامًا). ولا تُعد هذه التكهنات التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية دليلًا موثوقًا؛ فهي تعكس، بدرجة أكبر، رغبة الأوروبيين في إدراج العالم الجديد ضمن سرديات مألوفة.

  • غياب الدليل (لازمة علماء الآثار): إن الحجة القائمة على الصمت قوية في هذه الحالة. فقد كان الفينيقيون ثقافة من العصر البرونزي/الحديدي ذات مصنوعات مميزة — أنواع من الفخار (مثل الأمفورات)، ومعادن (أدوات برونزية وحديدية)، وحُلي، وطرز فنية (مثل رمز الإلهة تانيت)، وغير ذلك. ولم يُعثر على أي من هذه الأشياء في طبقات ما قبل كولومبوس في الأمريكتين — في تناقض صارخ مع حالات الاتصال الموثقة التي عبرت فيها الثقافة المادية المحيطات بوضوح. فعلى سبيل المثال، كشفت الحفريات الموسعة في أمريكا الوسطى (في مواقع المايا والأولمك) عن سلع تجارية من داخل الأمريكتين (السبج، واليشم، والخزف)، لكنها لم تكشف شيئًا يبدو فينيقيًا أو متوسطيًا. ولو كان الفينيقيون قد أنشأوا حتى مستعمرة صغيرة، لتوقعنا بقاء بعض مصنوعاتهم المتينة على الأقل. وكانت صناعة المعادن في العالم الجديد في العصور القديمة مختلفة تمامًا (إذ اقتصرت في معظمها على المشغولات الذهبية والفضية والنحاسية، من دون صهر الحديد — في حين كان الفينيقيون يستخدمون الحديد). وتبرز هذه الفجوة التكنولوجية أهمية الأدلة المادية في التحقق من صحة ادعاءات الاتصال. ويُعد الانعدام التام للمصنوعات الحديدية في السياقات السابقة لكولومبوس مؤشرًا هائلًا على عدم وجود شعوب من العصر الحديدي في العالم القديم. وإضافة إلى ذلك، لم تكن أي نباتات أو حيوانات مستأنسة من العالم القديم (باستثناء ما أدخله النورسيون في نيوفاوندلاند) موجودة في الأمريكتين قبل عام 1492. فمن المرجح أن الفينيقيين كانوا سيجلبون القمح والعنب، وربما حيوانات للحمل — لكن الأمريكتين قبل عام 1492 لم يكن فيها أي من هذه الأشياء؛ فقد كان لديها الذرة، ولم يكن فيها نبيذ العنب، ولم توجد اللاما إلا في أمريكا الجنوبية (أما الخيول والحمير فلم تكن موجودة). وخلاصة القول إن كل شيء، من الناحية الأثرية، يشير إلى الانفصال. وكما يقول المشككون غالبًا: الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية، وقد قدمت نظرية الاتصال الفينيقي ادعاءات استثنائية بأدلة عادية جدًا (أو منعدمة تمامًا).

  • القومية والأثر الثقافي: تجدر الإشارة إلى أن الإيمان بحدوث اتصال فينيقي-أمريكي كان مدفوعًا أحيانًا بالفخر القومي أو الثقافي أكثر من الأدلة. فعلى سبيل المثال، روّج الأمريكيون اللبنانيون في أوائل القرن العشرين لهذه الفكرة لإبراز الإنجازات الفينيقية (بوصف الفينيقيين أسلاف اللبنانيين المعاصرين). وفي أمريكا اللاتينية، تبنى بعض المثقفين نظريات الأصل الفينيقي أو المتوسطي لإثبات أن ماضي السكان الأصليين لديهم كان مرتبطًا بالحضارات الغربية العظيمة في العصور القديمة. ولا تُبطل هذه الدوافع البحث النزيه، لكنها أدت أحيانًا إلى تحيز التأويلات. ويسعى الباحثون المعاصرون إلى فصل هذه التحيزات والالتزام بالبيانات التجريبية.

خلاصة الأدلة: جرى فحص كل فئة من فئات الأدلة المفترضة على الاتصال الفينيقي فحصًا منهجيًا، وتبين أنها قاصرة. وكما جاء في إحدى الخلاصات: «لو كان الفينيقيون أو الكنعانيون قد مدّوا بالفعل نطاقهم إلى العالم الجديد، لما تركوا أي أثر لا لبس فيه — ومن غير المتصور أن يختفي حضور دام مدة كافية للتأثير في الحضارات من دون أن يترك أثرًا». وهكذا تظل النظرية حية إلى حد كبير في نطاق التاريخ التخميني وعلم الآثار الزائف، لا بوصفها حقيقة علمية مقبولة — بخلاف الحالات التي تتلاقى فيها خطوط متعددة من الأدلة دعمًا لاتصال حقيقي.

جدول موجز لأهم الشخصيات ووجهات نظرها #

لإيجاز السرد التاريخي المطول أعلاه، يسرد الجدول التالي الشخصيات الرئيسية التي أسهمت في النقاش حول الفينيقيين وأمريكا، إلى جانب تواريخها، وجنسياتها، وانتمائها/دورها، وادعائها أو حجتها، والتقييم العلمي لادعائها.

الشخصية التواريخ الجنسية والدور الادعاء المتعلق بالفينيقيين في أمريكا التقييم العلمي ديودور الصقلي ازدهر في القرن 1 ق.م. مؤرخ يوناني دوّن أسطورة عن قرطاجيين اكتشفوا جزيرة كبيرة خصبة في أقصى الغرب من المحيط الأطلسي — ثم فُسرت لاحقًا بوصفها تلميحًا إلى أمريكا. تُعد أسطورة أو إشارة إلى جزر الأطلسي؛ ولا تقدم أي دليل على أن الفينيقيين اكتشفوا أمريكا. خوسيه دي أكوستا 1539–1600 مبشر يسوعي إسباني، وباحث اقترح أن الآسيويين، عبر جسر بري، هم الذين أسكنوا الأمريكتين؛ ورفض صراحةً الأصل الفينيقي أو التشتت المستند إلى الكتاب المقدس. صحيح في جوهره؛ وكان طرحه تأسيسيًا في استبعاد نظريات الأصل البحري من العالم القديم. غريغوريو غارسيا نحو 1556–نحو 1620 مبشر دومينيكاني إسباني استعرض النظريات (الفينيقيون، وأوفير=بيرو، وغير ذلك) ورفضها لصالح الأصل الآسيوي. كان مؤلفًا تجميعيًا مبكرًا ذا تأثير؛ وتدعمه الأدلة اللاحقة التي تشير إلى استبعاد احتمال وصول رحالة من العالم القديم. مارك ليسكاربو 1570–1641 محامٍ فرنسي، ورحالة إلى العالم الجديد زعم أن لاجئين كنعانيين (فينيقيين) فروا بحرًا إلى الأمريكتين بعد غزو يوشع. كما استحضر نوحًا وهو يرشد أبناءه غربًا. تكهنات توراتية خيالية؛ لا يدعمها أي دليل، وتُعد اليوم مجرد فضول. هوغو غروتيوس 1583–1645 موسوعي هولندي (فقيه، وإنساني) اقترح عام 1642 أن بعض الأمريكيين الأصليين (ولا سيما سكان يوكاتان) ينحدرون من أصل «إثيوبي» (أفريقي)، بما يوحي بهجرة عبر الأطلسي؛ وأن آخرين قدموا من أوروبا. أثار جدلًا لكنه افتقر إلى الأدلة؛ وقد فنّد معاصروه (دي لات) أفكاره بوصفها غير معقولة. يوهان دي لات 1582–1649 جغرافي هولندي (شركة الهند الغربية الهولندية) انتقد غروتيوس عام 1643؛ وحاجج بأن أي نظرية يجب أن تفسر من جاء بالناس وكيف جاءوا. وفضّل الهجرة البرية (للأسكيثيين/التتار عبر الشمال) على الرحلات الفينيقية. غلب منهجه التجريبي؛ ويُنظر إليه بوصفه من أوائل المؤيدين لمسار مضيق بيرينغ المقبول الآن. إزرا ستايلز 1727–1795 رجل دين أمريكي، ورئيس جامعة ييل درس نقوش صخرة دايتون؛ وخلص إلى أنها حروف عبرية، وإلى أنها دليل على وجود إسرائيليين قدماء (أو ساميين مرتبطين بهم) في نيو إنجلاند. تفسير خاطئ؛ إذ يُعتقد الآن أن العلامات من صنع السكان الأصليين. وهو يوضح نزعة القرن الثامن عشر إلى رؤية أصول توراتية. أنطوان كورت دي جبيلان 1725–1784 باحث فرنسي في الآثار القديمة واللغويات فسر نقوش صخرة دايتون بوصفها منحوتات صنعها بحارة قرطاجيون (فينيقيون) على الساحل الشرقي لأمريكا. تُعد غير مدعومة؛ وهي جزء من حقبة التكهنات النقشية المبكرة. ولم يُعثر على أي مصنوعة فينيقية فعلية. جيمس أدير نحو 1709–1783 تاجر وأثنوغرافي أيرلندي-أمريكي زعم أن الهنود الأمريكيين (وتحديدًا قبائل الجنوب الشرقي) ينحدرون من الأسباط العشرة المفقودة لإسرائيل، مستشهدًا بأوجه تشابه ثقافية (مما يوحي بوصول سامي، ربما عبر الفينيقيين). كانت «أدلته» اللغوية محض مصادفة؛ ولا يجد علم الإنسان الحديث أي صلة إسرائيلية أو فينيقية. وكان مؤثرًا في النظريات اللاحقة عن الأسباط المفقودة، لا في العلم السائد. اللورد كينغزبورو 1795–1837 نبيل أيرلندي، وباحث في الآثار القديمة حاجج بأن حضارتي المايا والأزتك منحدرتان من الإسرائيليين؛ وجمع رسومات المخطوطات للعثور على أوجه تشابه مع العالم القديم. وأوحى بأن السفن الفينيقية ربما حملت الإسرائيليين إلى أمريكا. رفض العلماء ذلك بوصفه تفكيرًا رغائبيًا؛ غير أن منشوراته الفاخرة نشرت الأفكار الانتشارية بين بعض قراء القرن التاسع عشر. جون ل. ستيفنز 1805–1852 مستكشف أمريكي، وكاتب رحلات وثّق أطلال المايا؛ وخلص إلى أنها بُنيت على أيدي أسلاف السكان الأصليين، لا المصريين أو الفينيقيين (مشيرًا إلى غياب الكتابة أو الطرز الفنية من العالم القديم). يحظى بتقدير كبير؛ وقد أثبتت البحوث اللاحقة صحة موقفه القائل إن حضارة المايا محلية الأصل. براسور دي بوربورغ 1814–1874 رجل دين فرنسي، ومؤرخ لأمريكا الوسطى بعد أبحاث أولية جادة، طرح نظرية تربط موروث المايا بأتلانتس. واقترح أن بطل المايا «فوتان» كان فينيقيًا أو قرطاجيًا استقر في العالم الجديد. تُعد ادعاءاته الأطلنطية/الفينيقية تاريخًا زائفًا. وينسب العلماء إليه اكتشافات (مثل «بوبول فوه»)، لا تأويلاته التخمينية. جوزايا بريست 1788–1851 كاتب أمريكي شعبي جمع تقارير عن بقايا أثرية مزعومة من العالم القديم في أمريكا (بما فيها بقايا فينيقية). ونشر فكرة أن الفينيقيين والمصريين وغيرهم زاروا أمريكا، أو أن آثار السكان الأصليين شيدها عرق مفقود متحضر. كان شائعًا في عصره لكنه لم يكن علميًا. وتُستخدم مؤلفاته التجميعية الآن أمثلةً على علم الآثار الزائف المبكر الذي أثر في الأسطورة العامة. لاديسلاو م. نيتو 1838–1894 عالم نبات برازيلي، ومدير متحف أعلن اكتشاف نقش بارايبا الفينيقي (1872) في البرازيل، واعتبره في البداية دليلًا أصيلًا على غرق سفينة فينيقية. تراجع عن ذلك بعد أن أعلن الخبراء أنه خدعة. وأُشيد به لأنه طبق التحليل النقدي في نهاية المطاف؛ وتظل الحادثة قصة تحذيرية. إرنست رينان 1823–1892 فيلولوجي فرنسي للغات السامية (كوليج دو فرانس) حقق في نص بارايبا؛ وخلص إلى أنه تزوير بسبب اختلاط أنماط الأبجدية وغيرها من الشذوذات. قُبل حكمه بوصفه حاسمًا. وقد جسّد رينان البحث العلمي الصارم الذي يفنّد ادعاءً خياليًا. جون د. بالدوين 1809–1883 عالم آثار/كاتب أمريكي ناقش في كتابه «أمريكا القديمة» (1871) الفرضية الفينيقية لحضارة أمريكا الوسطى، وفنّدها في نهاية المطاف، مسلطًا الضوء على غياب التأثير الفينيقي في اللغة أو الكتابة. تحليل دقيق تمامًا؛ إذ استبق الإجماع العلمي اللاحق. وكثيرًا ما يُستشهد ببالدوين لأنه صاغ بفاعلية أسباب عدم صمود النظرية الفينيقية.

ديزيريه شارنيه 1828–1915 عالم آثار فرنسي بحث عن تأثيرات العالم القديم في الأطلال المكسيكية، لكنه لم يجد شيئًا. ولاحظ أن أوجه التشابه (مثل الأهرامات) كانت سطحية، وأن الثقافات الأمريكية لم تُظهر أي كتابة أو فن فينيقي أو مصري. عزّزت استنتاجاته القائمة على العمل الميداني الرأي القائل بالأصل المحلي للسكان. ويُنسب إليه تبديد كثير من أوهام الانتشارية من خلال الأدلة. إغناطيوس دونيلي 1831–1901 سياسي وكاتب أمريكي اقترح أن أتلانتس كانت مصدر كل الحضارات (في العالمين القديم والجديد). وذهب إلى أن الأطلنطيين (وربما كانوا فينيقيين بدائيين) أسكنوا الأمريكتين، وأنهم أسهموا في نشوء حضارتي المايا والإنكا. تُعد آراؤه من التاريخ الزائف، وقد ألهمت كثيرًا من النظريات الهامشية. ولم يأخذه الأكاديميون على محمل الجد، لكنه كان بالغ التأثير في الأدب والأوساط الزائفة العلمية. ثور هايردال 1914–2002 مغامر ومستكشف نرويجي أبحر بقارب رع المصنوع من القصب عبر الأطلسي (1970) لإثبات أن المصريين أو الفينيقيين القدماء كان بإمكانهم الوصول إلى الأمريكتين. واقترح أن بعض الممارسات الثقافية (مثل بناء الأهرامات) قد تكون ناجمة عن مثل هذه الاتصالات. أثبتت الرحلة الإمكان التقني، لكن لم يُعثر على أي مصنوعات فينيقية فعلية. ويقدّر علماء الآثار تجارب هايردال، لكنهم لا يقبلون فرضيته بوصفها تاريخًا واقعيًا. سايروس هـ. غوردون 1908–2001 أستاذ أمريكي (الدراسات السامية) دعا إلى إعادة فحص الأدلة على الزيارات السامية. وجادل بأن نقش بارايبا قد يكون أصيلًا، وأن حجر بات كريك مكتوب بالعبرية القديمة من يهودا القديمة. وادعى أن بعض النقوش في العالم الجديد تشير إلى وجود كنعاني. كانت آراؤه في هذا الشأن أقلية ومثيرة للجدل. وقد فنّد لغويون ساميون آخرون (مثل ف. م. كروس) وعلماء آثار تفسيراته، مستندين إلى التزوير والمصادفة. وتضررت سمعة غوردون في الأوساط الأكاديمية السائدة بسبب موقفه من هذه الادعاءات الهامشية. باري فل 1917–1994 عالم أحياء نيوزيلندي-أمريكي تحوّل إلى دراسة النقوش ألّف كتاب أمريكا قبل الميلاد (1976)، مدعيًا أن نقوشًا عديدة في أمريكا الشمالية (منها النقوش الصخرية وغيرها) مكتوبة بالفينيقية وبكتابات أخرى من العالم القديم. واقترح وجود مستعمرين فينيقيين في نيو إنجلاند والغرب الأوسط، ووجود كتابات ليبية وكلتية مفترضة في الغرب. رفض الخبراء آراءه بوصفها زائفة علميًا. ولا يقبل دارسو النقوش المؤهلون «فكوكه» للكتابات. ومع ذلك، أسهم عمله في نشر مفهوم زوار العالم القديم في العصور القديمة، وألهم كثيرًا من الباحثين الهواة. روس ت. كريستنسن 1918–1990 عالم آثار أمريكي (جامعة بريغهام يونغ، وقديسو الأيام الأخيرة) دمج سردية كتاب مورمون بالتاريخ؛ فاقترح أن المولكيين الذين وصلوا إلى العالم الجديد نحو 587 ق.م. نُقلوا أساسًا على أيدي بحّارة فينيقيين. ورأى تأثيرًا عرقيًا فينيقيًا في تلك الهجرة. يمثل هذا مثالًا على الانتشارية ذات الدوافع الدينية. وخارج أبحاث قديسي الأيام الأخيرة، لا تلقى هذه الفكرة قبولًا بسبب انعدام الأدلة الأثرية. وحتى داخل هذا التيار، تظل الفكرة افتراضية. فرانك مور كروس 1921–2012 أستاذ أمريكي (الدراسات العبرية ودراسات الشرق الأدنى، هارفارد) كان أبرز ناقد للقطع الأثرية الفينيقية المزعومة في أمريكا. ودحض نقش بارايبا (مؤكدًا موقف رينان) وحجر بات كريك، مشيرًا إلى أن الأخير «لا يحمل سمة واحدة» من سمات العبرية القديمة الأصيلة، وأنه يطابق مصدرًا يعود إلى القرن التاسع عشر. كان يحظى باحترام كبير؛ وتُعد أحكامه ضد أصالة هذه القطع حاسمة في الأوساط الأكاديمية. وقد ساعد كروس في الحفاظ على معايير صارمة لتقييم الأدلة النقشية. مارشال مككوسيك 1930–2020 عالم آثار أمريكي نشر مقالًا الكنعانيون في أمريكا؟ (1979)، ملخّصًا ادعاءات الاتصال الفينيقي وداحضًا إياها. وشدّد على أن جميع الأدلة المزعومة (النقوش وغيرها) تفشل في اجتياز اختبارات المصداقية الأساسية. يعكس عمله الإجماع الأكاديمي الساحق. ويُستشهد به بوصفه قد «أغلق القضية» فعليًا بشأن الاتصالات الفينيقية، على الأقل إلى أن تظهر أدلة جديدة موثوقة (وهو ما لم يحدث). مارك ماكمنامين مواليد 1958 أستاذ أمريكي في الجيولوجيا اقترح في عام 1996 أن عملات ذهبية قرطاجية من 350 ق.م. تحمل خريطة للعالم تشمل الأمريكتين. ولا يزال يجادل بأن الفينيقيين كانوا يعرفون العالم الجديد (وربما زاروه)، استنادًا إلى «أدلته» في علم المسكوكات. كما فحص عملات «فارلي» المزيفة، وميّز بينها وبين العملات الأصلية ذات النمط الخرائطي. تُعد نظريته خيالية لكنها غير مثبتة. ولا يقبل علماء المسكوكات العلامات بوصفها خريطة مقصودة. ولا يوجد سياق أثري مؤيد لمعرفـة الفينيقيين بأمريكا. ولا تزال أفكار ماكمنامين هامشية، رغم مناقشتها في بعض المنتديات الشعبية ومتعددة التخصصات. هانس غيفهورن مواليد 1949 مؤرخ ثقافي ومخرج أفلام ألماني طرح في كتاب صدر عام 2013 (بالألمانية) أن القرطاجيين والكلتيين وصلوا إلى جبال الأنديز (منطقة تشاتشابويا) في القرن الثالث ق.م.، مؤثرين في الثقافة المحلية. واستشهد بهندسة التحصينات والأساطير دعمًا لرأيه. لا تحظى هذه الفكرة بالقبول خارج الأوساط الهامشية. ولا يجد علماء آثار الأنديز أي مصنوعات من العالم القديم في مواقع تشاتشابويا. ويُنظر إلى عمل غيفهورن على أنه تكرار آخر للانتشارية المفرطة التي تفتقر إلى دليل ملموس. غافين منزيس 1937–2020 مؤرخ بريطاني هاوٍ (ضابط بحرية سابق) في كتابه من اكتشف أمريكا؟ (2013)، جمع ادعاءات شتى عن اتصالات سابقة لكولومبوس، ومنها اقتراح أن الفينيقيين ربما وصلوا إلى أمريكا نحو 1000 ق.م. يُنظر إلى أعمال منزيس بوصفها تاريخًا زائفًا. وقد فنّد الخبراء في كل مجال تناوله ادعاءاته الواسعة غير المدعومة. وأُدرج هنا فقط بسبب كثرة قرائه وحضوره الإعلامي، بما يوضح أن مثل هذه الأفكار لا تزال تجذب اهتمام الجمهور.

الجدول: الشخصيات الرئيسية في الجدل حول الفينيقيين والأمريكتين، وادعاءاتهم والتقييمات الحديثة لها. (الشخصيات المعلَّمة بالخط العريض كانت إما مؤثرة بوجه خاص في عصرها، أو تمثل نقاط تحوّل حاسمة في الجدل.)

الخلاصة #

على امتداد أكثر من ألفي عام، تطورت فكرة احتمال وصول البحّارة الفينيقيين إلى الأمريكتين من أساطير كلاسيكية إلى تخمينات علمية مبكرة، ثم انتهت إلى عالم التاريخ الزائف بعدما لم يجد العلم الحديث أي دليل مؤيد. والمسار الزمني واضح: فقد اكتسبت الإشارات المبكرة والروابط التخيلية بعض القبول خلال القرنين السابع عشر والتاسع عشر، لكنها خضعت لتدقيق متزايد، ودُحضت في معظمها بحلول أواخر القرن التاسع عشر. وقد رفض المجتمع الأكاديمي في القرن العشرين النظرية رفضًا قاطعًا بسبب انعدام الدعم الأثري، حتى مع إبقاء تيار هامشي عليها حية في الأدب الشعبي. وبحلول القرن الحادي والعشرين، لم تعد النظرية الفينيقية تحظى إلا بقدر ضئيل جدًا من المصداقية، أو لا تحظى بأي مصداقية، بين علماء الآثار أو المؤرخين المحترفين. ولا تزال تعيش أساسًا في جماعات المهتمين بها وفي قصص إعلامية دورية، غالبًا ما تغذيها اكتشافات جديدة «غامضة» يتبين أنها ناتجة عن سوء تفسير أو أنها محض خدع.

لماذا تستمر هذه الفكرة أصلًا؟ يكمن جزء من قدرتها على البقاء في طابعها الرومانسي المتأصل؛ فتصور بحّارة ساميين جسورين يعبرون الأطلسي قبل آلاف السنين يلامس ولع البشر بقصص الاكتشافات الملحمية. كما استولت عليها جماعات مختلفة دوريًا لتوظيفها في سرديات ثقافية، سواء أكانوا مستعمرين أوروبيين يسعون إلى تأكيد أن شعوبًا من العالم القديم سبقتهم، أم آخرين يرغبون في رفع مكانة تراث حضارات العالم الجديد بربطه بالفينيقيين ذوي المكانة المرموقة. وإضافة إلى ذلك، فإن الثغرات نفسها في السجل التاريخي (مثل أصول الأولمك المجهولة أو فرادة كتابة المايا) تدعو إلى ملئها إبداعيًا، وهو ما يسارع الانتشاريون إلى فعله عبر افتراض زوار من العالم القديم. ولمزيد من المعلومات عن كيفية استمرار هذه الأساطير والنظريات وتطورها بمرور الزمن، انظر مقالتنا عن استمرار الأساطير.

غير أن عبء الإثبات، من المنظور العلمي، لم يُستوفَ قط. فقد أمكن تفسير كل قطعة رئيسية من الأدلة المزعومة على وجود الفينيقيين في أمريكا بطرق أكثر اقتصادًا: الاختراع المحلي، أو التأثير اللاحق لكولومبوس، أو التعرّف الخاطئ إلى الهوية، أو الاحتيال الصريح. وتؤيد الأدلة المتراكمة من علم الآثار واللغويات والوراثة والتاريخ تطورًا محليًا للثقافات الأمريكية، في عزلة عن العالم القديم، بعد استيطان الأمريكتين عبر بيرينغيا في العصر الجليدي. أما الاتصال العابر للمحيطات قبل كولومبوس (باستثناء النورس) فلا يزال غير مثبت.

ومع ذلك، فإن فحص هذه النظريات الهامشية ليس خاليًا من الفائدة. فهو يبرز صرامة المنهجية العلمية؛ إذ اختُبرت الادعاءات الاستثنائية في ضوء الأدلة، فتبين قصورها. كما يلقي الضوء على كيفية تقدم المعرفة: فنحن نرى علماء مبكرين مثل أكوستا ودي لات يستخدمون العقل والمعطيات الناشئة لاستباق حقائق تأكدت بعد ذلك بزمن طويل. ونرى أيضًا كيف يمكن حتى للفرضيات الخاطئة (مثل فرضية وجود فينيقيين في أوهايو) أن تحفز، بصورة غير مباشرة، أبحاثًا مفيدة، مثل الفهرسة الأكثر دقة للنقوش الأمريكية الأصلية الأصيلة، والفهم الأفضل للتقارب الثقافي.

في العصر الحديث، ومع أن احتمال أن يكون الفينيقيون قد وطئوا الأمريكتين يومًا ضئيل جدًا، فإن إرث أسطورتهم لا يزال حيًا بوصفه جزءًا من التاريخ الفكري لاكتشاف العالم الجديد. وهي تؤدي دور قصة تحذيرية في علم التاريخ من إغراء رؤية روابط غير موجودة. وعلى العكس، فإنها تبقينا أيضًا منفتحين؛ إذ تذكّرنا بأن غياب الدليل ليس بالضرورة دليلًا على الغياب، وأن اكتشافًا واحدًا لافتًا (مثل العثور المؤكد على أمفورة بونية في سياق يعود إلى ما قبل 1492) يمكن أن يعيد كتابة فصول من التاريخ. يجب أن يظل العلم منفتحًا على المعطيات الجديدة، لكن إلى أن تظهر مثل هذه المعطيات، فإن الحكم واضح: ظل الفينيقيون داخل نصف الكرة الخاص بهم. ولا يزال كولومبوس، شئنا أم أبينا، يحمل لقب أول من «اكتشف» أمريكا عبر الأطلسي (من منظور العالم القديم حصراً).

الأسئلة الشائعة #

س: هل امتلك الفينيقيون التكنولوجيا اللازمة لعبور الأطلسي؟
ج: نعم، لكن هذا يصرف الانتباه عن المسألة الحقيقية. فمع أن الرحلات التجريبية، مثل بعثة ثور هايردال على متن رع، أثبتت الإمكان التقني، فإن السؤال الحقيقي هو: هل فعلوا ذلك بالفعل؟ إن الغياب الكامل للقطع الأثرية أو الكتابات أو التأثير الثقافي الفينيقي في أمريكا قبل كولومبوس يشير بقوة إلى أنهم لم يفعلوا.

س: كيف سيبدو الدليل الحقيقي على اتصال الفينيقيين؟

أ: نتوقع أن نعثر على: 1) لُقى فينيقية (فخار، أدوات، حُلي) في سياقات ما قبل كولومبوس مؤرخة تأريخًا موثوقًا، 2) كتابات فينيقية تطابق الأبجديات المعروفة، 3) نباتات أو حيوانات من العالم القديم أُدخلت قبل 1492، أو 4) أدلة جينية على أصول فينيقية لدى السكان الأصليين.


المصادر #

المصادر الأولية والمبكرة #

  1. Diodorus Siculus. Bibliotheca Historica V.19. (القرن 1 ق.م.). يصف جزيرة أطلسية نائية اكتشفها القرطاجيون.
  2. Pseudo-Aristotle. On Marvelous Things Heard (مصنَّف قديم). إشارة موجزة إلى عثور القرطاجيين على جزيرة أطلسية.
  3. José de Acosta. Historia Natural y Moral de las Indias (1590). نظرية مبكرة عن هجرة آسيوية إلى الأمريكتين؛ ويرفض الرحلات الفينيقية.
  4. Gregorio García. Origen de los Indios (1607). يستعرض نظريات الأصول الفينيقية، وأوفير، وما إلى ذلك، ويدحضها، مفضلًا الأصول التتارية (الآسيوية).
  5. Marc Lescarbot. Histoire de la Nouvelle-France (1609). يقترح فرار الفينيقيين/الكنعانيين إلى الأمريكتين بعد أحداث الكتاب المقدس.
  6. Hugo Grotius. De Origine Gentium Americanarum (1642). يقترح أصولًا متعددة، تشمل مستعمرين أفارقة (إثيوبيين) في يوكاتان.
  7. Johan de Laet. Notae ad Dissertationem Hugonis Grotii (1643). يدحض غروتيوس؛ ويجادل بواقعية مسارات الهجرة.
  8. Ezra Stiles. اليوميات والمراسلات (ستينيات القرن 18). يسجل اعتقاد ستايلز بأن نقوش صخرة دايتون كانت عبرية.
  9. Antoine Court de Gébelin. Le Monde Primitif (Vol. 8, 1781). يفسر صخرة دايتون بوصفها نقشًا قرطاجيًا/بونيقيًا.
  10. James Adair. History of the American Indians (1775). يجادل بأصل إسرائيلي للسكان الأصليين، مشيرًا إلى أوجه التشابه.
  11. William Robertson. History of America (1777). معالجة مؤرخ من عصر التنوير؛ ويفضل الهجرة البرية.
  12. Charles-Etienne Brasseur de Bourbourg. Bibliothèque Mexico-Guatémalienne (1871). يطوّر نظرية فوتان = فينيقي.
  13. John D. Baldwin. Ancient America (1871). يستعرض حجج الاتصال الفينيقي ويدحضها.
  14. “Paraíba Inscription” (1872–73). رسالة بقلم جواكيم ألفيس دا كوستا؛ وتحليل بقلم لاديسلاو نيتو؛ ودحض بقلم إرنست رينان.
  15. Cyrus Thomas. Report on the Mound Explorations of the Bureau of Ethnology (1894). يخلص إلى أن السكان الأصليين الأمريكيين هم الذين شيدوا التلال.

التحليلات الأكاديمية الحديثة #

  1. Marshall McKusick. “Canaanites in America: A New Scripture in Stone?” in Biblical Archaeologist (1979). يدرس حجر بات كريك وغيره من الادعاءات.
  2. Stephen C. Jett. Ancient Ocean Crossings (2017). دراسة شاملة لمختلف فرضيات الاتصال.
  3. Kenneth L. Feder. Frauds, Myths, and Mysteries (2010). يدحض ادعاءات الاتصال بالعالم القديم.
  4. Stephen Williams. Fantastic Archaeology (1991). يستعرض الخدع الأثرية وسوء الفهم.
  5. Robert Silverberg. The Mound Builders (1970). يؤرخ أسطورة بناة التلال ودحضها.
  6. Brigadier G. C. Hamilton. “The Phoenician Transoceanic Voyages” في The Geographical Journal (1934).
  7. Rene J. Joffroy. “Les Phéniciens en Amérique?” في Journal de la Société des Américanistes (1953).
  8. Frederick J. Pohl. Atlantic Crossings Before Columbus (1961). يدرس التكهنات الفينيقية السابقة.
  9. Patrick H. Garrett. Atlantis and the Giants (1868). مثال على عمل انتشاروي من القرن 19.
  10. Philip Beale and Phoenicia Ship Expedition (2019). يوثق الرحلات التجريبية الحديثة.

الموارد المتاحة على الإنترنت #

  1. Theory of Phoenician discovery of the Americas – Wikipedia article (2023)
  2. Jason Colavito. “Phoenicians in America” على JasonColavito.com (2012)
  3. Pre-Columbian Transoceanic Contact – Wikipedia (نظرة عامة)
  4. Pennelope.uchicago.edu – “Origin of the American Aborigines: A Famous Controversy” (نحو سبعينيات القرن 19)