الخلاصة

  • يرى دانيال دينيت أن الذات هي «مركز الثقل السردي»—أي بناء ثقافي لا مُعطًى بيولوجي—لكنه يترك الخط الزمني المحدد وآلية نشوئها غامضين.
  • اقترح جوليان جاينز «ثورة برمجية» جذرية (انهيار العقل ثنائي الحجرات) لتفسير ذلك، لكن تأريخه البالغ نحو 1200 ق.م. يتعارض مع الأدلة الأثرية على وجود تعقيد أسبق.
  • تقدم نظرية حواء للوعي (EToC) الحلقة المفقودة: فهي تفترض نافذة زمنية محددة ومعقولة (العصر الحجري القديم المتأخر/العصر الحجري الحديث المبكر)، وآلية (تعليم النمذجة الذاتية التكرارية بوصفها ميمًا) لنشأة الذات السردية.
  • تنسجم نظرية حواء للوعي مع اشتراط دينيت لقصة منشأ ثقافية، فيما تحل مشكلة التوقيت لدى جاينز، مقدمةً بفاعلية نموذج «الوراثة المزدوجة» الذي أسهم فيه تحديث برمجي ميمي، في نهاية المطاف، في تشكيل العتاد الجيني.

«نحن جميعًا روائيون بارعون… وتلك القصة هي سيرتنا الذاتية. والشخصية الخيالية الرئيسية في مركز تلك السيرة الذاتية هي ذات المرء.»
— دانيال دينيت


تصور دينيت للوعي والذات#

ترفض نظرية دانيال دينيت للوعي، على نحو مشهور، وجود مراقب داخلي غامض أو روح غير مادية. ففي أعمال مثل Consciousness Explained (1991)، يصور دينيت الوعي بوصفه نتيجة ناشئة لعمليات ذهنية عديدة ومتوازية—أي «مسودات متعددة» من دون مُختبِر مركزي واحد. أما الذات، وفق هذا التصور، فليست جوهرًا ثابتًا، بل بناءً تولده أدمغتنا من خلال السرد. ويصف دينيت الذات بأنها «مركز الثقل السردي»—وهي خرافة مفيدة لكنها مجردة، شبيهة إلى حد كبير بمركز الثقل في الفيزياء 1 2. فنحن نصير القصص التي نحكيها عن أنفسنا. وبعبارته التصويرية، «نحن جميعًا روائيون بارعون… وتلك القصة هي سيرتنا الذاتية. والشخصية الخيالية الرئيسية في مركز تلك السيرة الذاتية هي ذات المرء.» 3 ويعمل الدماغ مؤلفًا، فينسج سردًا متماسكًا لفهم سيل التجارب، فيما تكون الذات هي بطلة تلك القصة الشخصية.

ومن السمات الأساسية في تصور دينيت التشديد على الميمات والتطور الثقافي في تشكيل العقول البشرية. وانطلاقًا من مفهوم ريتشارد دوكينز للميمات (بوصفها وحدات للتكاثر الثقافي)، يرى دينيت أن الوعي البشري هو إلى حد كبير نتاج الثقافة واللغة، وليس برنامجًا بيولوجيًا مُصلبًا فحسب. بل إنه يقترح أن الوعي البشري «ابتكار حديث العهد إلى حد لا يسمح بكونه مبرمجًا في العتاد الفطري» لأدمغتنا، وأنه «نتاج التطور الثقافي إلى حد كبير»—أي حزمة من الميمات تُثبَّت أثناء النمو 4. بل إنه يذهب إلى حد وصف الوعي البشري بأنه «مجمع ضخم معقد من الميمات» المقيمة في الدماغ 5. وفي سردية دينيت، ما إن اكتسب أسلافنا اللغة وأدوات عقلية أخرى، حتى اندلعت ثورة معرفية: فقد أتاحت الميمات (مثل الكلمات والقصص وغيرها من الأفكار المنقولة ثقافيًا) أنماطًا جديدة من التفكير التكراري. وتعلم البشر التحدث إلى أنفسهم (داخليًا)، فأنشأوا ما يسميه دينيت «Joycean machine» للفكر الواعي—أي راوٍ داخلي تطور عبر التفاعلات الثقافية و«العدوى» اللغوية 6 7. وينسجم ذلك مع رأيه القائل إنك «لا تستطيع امتلاك الوعي من دون امتلاك مفهوم الوعي»، تمامًا كما لا يستطيع المرء امتلاك المال حرفيًا من دون مفهوم المال 8. وخلاصة القول إن قدرتنا على التأمل وتصور ذات قد تكون نشأت بوصفها قدرة مكتسبة، أطلقتها اللغة والسرديات المشتركة.

وعلى الرغم من ثراء نموذج دينيت، تظل مسألة منشأ الذات السردية وتوقيته الدقيق سؤالًا لم يُحسم. فدينيت يلمح إلى أنه ما إن بلغت اللغة والثقافة قدرًا كافيًا من التعقيد حتى تهيأت الظروف لنشوء ذاتٍ سيرة ذاتيةٍ ساردة—لكنه لا يقدم سوى الخطوط العريضة لكيفية حدوث ذلك. ولا يحدد متى وقع هذا الانتقال في عصور ما قبل التاريخ البشري، إلا من حيث إنه حدث بعد تطور اللغة والثقافة الميمية. وقد أقر دينيت بالفعل بأن تطور الوعي الذاتي البشري الكامل كان عملية ثقافية تدريجية، وأن مسارها الدقيق سؤال تجريبي يتجاوز نطاق الفلسفة المحضة. وكما يقول، نعرف أن البشرية «كان لا بد أن تنتقل من النقطة أ إلى النقطة ب» (من عقل يفتقر إلى ذات استبطانية إلى عقل يشبه عقولنا) «عبر طريق ما—أما أين ومتى تقع المنعطفات فذلك سؤال تجريبي مثير للاهتمام.» 9. وبعبارة أخرى، يظل الخط الزمني والآلية المحددة التي نشأت بواسطتها الذات السردية والسيرة الذاتية غامضين إلى حد ما في تصور دينيت. فهو يقدم رؤية مقنعة لـماهية الذات (خرافة سردية تشكلها الميمات) وسبب تفضيل الثقافة لنماذج ذاتية كهذه، لكنه لا يقدم قصة مفصلة عن كيف ومتى تبلورت هذه القدرة أول مرة في التاريخ. وهنا تدخل أفكار مفكرين آخرين، ثم نظرية حواء للوعي في نهاية المطاف، إلى الصورة.

جوليان جاينز والعقل ثنائي الحجرات#

تمثلت إحدى المحاولات الجريئة للإجابة عن سؤال «متى وكيف» نشأ الوعي في نظرية جوليان جاينز عن العقل ثنائي الحجرات. ففي كتابه الصادر عام 1976، The Origin of Consciousness in the Breakdown of the Bicameral Mind، اقترح جاينز أن الوعي الذاتي البشري—أي العقل الاستبطاني ذي «الصوت الداخلي»—ليس مكتسبًا وثقافيًا فحسب (وهو ما سيوافق عليه دينيت لاحقًا)، بل هو أيضًا تطور حديث نسبيًا في التاريخ. ووفقًا لجاينز، لم يكن البشر، حتى أواخر العصر البرونزي، يختبرون ذاتيًا وجود حيز عقلي داخلي أو ذات سردية. بل كانت أدمغتهم تعمل في نمط «ثنائي الحجرات»: إذ كانت عملية اتخاذ القرار تسترشد بهلاوس سمعية (تُختبر بوصفها أصوات الآلهة أو الأسلاف) صادرة من الدماغ الأيمن، وتأمر الدماغ الأيسر 10 11. وكان هؤلاء البشر القدماء يتبعون ما يأمرهم به الصوت الآمر، بدلًا من المداولة الاستبطانية كما تفعل العقول الحديثة. وكما صاغ جاينز الأمر بعبارة درامية، «إن شخصيات الإلياذة لا تجلس فتفكر في ما ينبغي فعله. وليس لديها عقول واعية على النحو الذي نقول إن لدينا عقولًا واعية به، وبالتأكيد ليست لديها استبطانات.» 12 ولاحظ جاينز أنه في نصوص تاريخية مثل الإلياذة أو الأجزاء المبكرة من الكتاب المقدس، لا يناقش الناس عملياتهم العقلية قط؛ بل إن الآلهة تخبرهم حرفيًا بما ينبغي أن يفعلوه 12 13. فالعقل ثنائي الحجرات، بحسب تعريف جاينز، كان يفتقر إلى مفهوم «الأنا» وإلى سرد داخلي—ولم تظهر هاتان السمتان إلا بعد أن «انهار» النظام ثنائي الحجرات.

ما الذي تسبب في انهيار العقل ثنائي الحجرات وولادة الذات الواعية؟ افترض جاينز أن تزايد التعقيد الاجتماعي حول الألفية الثانية قبل الميلاد (نحو 1200 ق.م.، أثناء العصر البرونزي المتأخر) فرض تغييرًا. فقد جعلت الأزمات والمواقف المستجدة (مثل انهيار حضارات العصر البرونزي) الآلهة القديمة المُهلْوَسة غير موثوقة؛ وكان على البشر أن يصبحوا أكثر مرونة واستبطانًا لمواجهة ذلك 14 15. وفي رواية جاينز، كان هذا الانتقال ثورة ثقافية في جوهره—تغييرًا مكتسبًا في العقلية. فقد بدأ الناس يُدخلون الذات في الحلقة المعرفية، أي «يتحدثون إلى أنفسهم» داخليًا بدلًا من سماع أوامر إلهية. وخلال بضعة قرون، انتشر النمط السردي الاستبطاني للعقل وأصبح شائعًا، مبشرًا ببزوغ الوعي الذاتي كما نعرفه. بل إن جاينز حدد علامات تاريخية لهذا التغير: فعلى سبيل المثال، بحلول زمن الأوديسة لهوميروس (بعد الإلياذة ببضعة قرون)، تُظهر الشخصيات استبطانًا ومكرًا، بما يوحي بأن المؤلفين أنفسهم كانوا يمتلكون عقولًا واعية.

كانت نظرية جاينز جذرية بلا شك—فقد كان يدعي فعليًا أن الوعي، بمعناه القوي الذي يشمل الاستبطان، اختراع ثقافي لا يتجاوز عمره نحو 3,000 سنة. وكتب أن «الوعي عملية مكتسبة تستند إلى اللغة الاستعارية»، وليس مُعطًى بيولوجيًا فطريًا 16 17. وقد أثار الاقتراح الافتتان والانتقاد على حد سواء. (وقد سخر ريتشارد دوكينز قائلًا إن كتاب جاينز «إما هراء كامل أو عمل من عبقرية فائقة» 18.) ورأى معظم العلماء أن التاريخ المتأخر غير معقول—فالبشر امتلكوا الفن وصناعة الأدوات والحضارات قبل 1200 ق.م. بزمن طويل، وهو ما يبدو أنه يتطلب بصيرة إبداعية وقدرة على التخطيط. غير أن روح فكرة جاينز—أي أن الوعي بناء ثقافي ولغوي، لا حقيقة عصبية ثابتة خالدة—لامست وترًا لدى كثيرين، بمن فيهم دانيال دينيت.

وقد أشاد دينيت مرارًا بجاينز لأنه طرح الأسئلة الصحيحة، حتى لو كانت إجاباته المحددة موضع شك. فبدلًا من رفض جاينز، أيد الإطار العام للوعي الناشئ ثقافيًا. وجادل بأن نهج جاينز الجريء، «من أعلى إلى أسفل»—أي دراسة الوعي بوصفه قدرة سردية متطورة—كان يسير في الاتجاه الصحيح 19. وفي تعليق له عام 1986، اقترح دينيت أن جاينز «ربما كان مخطئًا بشأن بعض حججه الداعمة… لكن هذه الأمور ليست جوهرية في أطروحته الرئيسية.» 19 والمهم هو الأطروحة الجوهرية القائلة إن نوع العقل الواعي الذي نمتلكه لا بد أن يكون قد نشأ من عقل سابق خالٍ من العقلية، عبر مسار من مسارات التطور الثقافي. ويصوغ دينيت ذلك بإيجاز: حتى لو كان جاينز «لا يضبط التفاصيل تمامًا، فلا بد أن تكون صحيحة قصة أخرى تشبه قصته إلى حد كبير في نواحٍ شديدة الأهمية.» 9 فلا بد أن تكون هناك سلسلة ما من التطورات اكتسب البشر بواسطتها ذاتًا كانوا يفتقرون إليها من قبل—رحلة من سلوك «بلا عقل» في جوهره إلى تفكير مسرود وواعٍ بذاته. وفي رأي دينيت، قدم جاينز تخطيطًا جريئًا لتلك الرحلة. وقد يكون الخط الزمني الدقيق خاطئًا (فدينيت يشتبه في أن الانتقال بدأ قبل 1200 ق.م. بزمن طويل)، وقد لا تكون الآلية مرتبطة إلى هذا الحد بالهلوسات، لكن لا بد أن يكون شيء يشبه التطور الثقافي للعقل لدى جاينز قد حدث لإنتاج الذات الحديثة 9.

من الأهمية بمكان أن دينيت يشاطر جاينز حدسه القائل إن اللغة والثقافة كانتا المحرّكتين لهذا التغيّر. والاختلاف بينهما يتعلق في معظمه بموعد حدوثه وبمدى تدرّجه. فقد تصوّر جاينز «انهيارًا» مفاجئًا نسبيًا قبل بضعة آلاف من السنين؛ أما دينيت فيميل إلى نشوء أكثر تدرّجًا بدأ في وقت أسبق (وربما قبل عشرات الآلاف من السنين، بمجرد ظهور اللغة المعقّدة). لكن بما أن دينيت لم يلتزم بسيناريو تاريخي محدد، فإن عمله يترك مفتوحًا سؤال أيّ ابتكارات ثقافية، وفي أيّ نقطة من عصور ما قبل التاريخ، أفضت إلى نشوء الذات السردية. وهو يقرّ بأن الإجابة عن ذلك تتطلب أدلة متعددة التخصصات (من علم الآثار والأنثروبولوجيا واللسانيات) تتجاوز الفلسفة – وهي بالضبط من نوع الأدلة التي حشدها جاينز، حتى إن كان ذلك على نحو غير مثالي.

وهنا تدخل نظرية حواء للوعي (EToC). إذ يمكن النظر إلى EToC بوصفها صياغة معاصرة لرؤية جاينز–دينيت، تسعى إلى «ضبط التفاصيل» من خلال الجمع بين البيولوجيا والثقافة والتاريخ. وكما قد يقول دينيت، فإن EToC هي «القصة الأخرى» – أي النسخة الموضّحة من الكيفية التي تحوّل بها عقل بشري أسبق إلى عقل واعٍ بذاته.

نظرية حواء للوعي: «الشيء» الذي كان مفقودًا#

نظرية حواء للوعي (EToC) مقترح حديث يبني على الأساس الذي أرساه مفكرون مثل دينيت وجاينز، ويحدّث أفكارهما بأدلة معاصرة من علم الوراثة وعلم الآثار والأنثروبولوجيا. ويتمثل الادعاء المركزي في EToC في أن الوعي الذاتي الواعي كان ابتكارًا ثقافيًا متأخرًا – على نحو قريب مما جادل به جاينز – لكنه نشأ في وقت أسبق من 1200 ق.م، وبطريقة تنسجم مع ما نعرفه عن ثقافة ما قبل التاريخ. وبصورة عامة، تقترح EToC أن إنسانًا بعينه (أو جماعة بعينها) حقق اختراقًا معرفيًا – أي اكتشف الوعي الذاتي الاستبطاني أساسًا – وأن هذه المهارة العقلية الجديدة انتشرت ميميًا (مثل فيروس يصيب العقل) بين السكان، فأصبحت معيارًا سائدًا، بل غيّرت تركيبنا الجيني مع مرور الزمن. واسم «حواء» في EToC ذو دلالة إيحائية: فهو يفترض وجود حواء ميمية، مماثلة لحواء الميتوكوندرية، أي أول معلّمة لـ«ميم» الوعي، التي انتقلت المعرفة منها إلى جميع البشر (كما تتحدث النظرية أحيانًا عن «آدم ميمي» بوصفه النظير الذكري في عملية الانتشار). وتقدّم EToC نفسها بوصفها «ذلك الشيء» الذي ألمح إليه دينيت – أي السيناريو الملموس الذي أنتجت الثقافة والبيولوجيا من خلاله معًا الذات السردية.

لنفكك كيفية معالجة EToC للأجزاء التي لم تُحسم في تصور دينيت:

دمج الجينات والثقافة – الوراثة المزدوجة#

تتمثل إحدى نقاط القوة الرئيسية في EToC في دمجها الصريح بين التطور البيولوجي والتطور الثقافي (نموذج الوراثة المزدوجة). كان دينيت قد أشار إلى أن الوعي يشبه برمجية تعمل على عتاد أدمغتنا 20. لكن إذا نشأت «برمجية عقلية» جديدة (هي الذات) ثقافيًا، فهل يمكن أن تصبح في نهاية المطاف «موصّلة توصيلًا صلبًا» في بيولوجيتنا؟ تجيب EToC بالإيجاب. فوفقًا لـ EToC، عاش البشر الأوائل في حالة ثنائية الحجرات أساسًا (غير استبطانية) مئات آلاف السنين. ثم، عندما أُدخلت ميمية الوعي الذاتي وانتشرت ثقافيًا، منحت مزايا هائلة للبقاء – إذ كان أولئك الذين استبطنوا ذاتًا أقدر على التخطيط والتخيّل ووضع الاستراتيجيات من أولئك الذين لم يفعلوا ذلك. وعلى مدى آلاف السنين اللاحقة، أوجد هذا ضغطًا انتقائيًا على الجينات: فالأفراد الذين كانت أدمغتهم أكثر قابلية لاكتساب ذات (أي الذين استطاعوا تعلّم اللغة والخيال والتعاطف بسهولة أكبر في الطفولة) حققوا نجاحًا أكبر. وبعبارة أخرى، دفعت الثقافة التطور الجيني. وكما يعبّر مؤلف EToC، فبعد ظهور العقول الواعية، «كان هناك، طوال آلاف السنين، انتقاء جيني قوي لأدمغة قابلة للبناء السلس للأنا». 21 واليوم، يطوّر الأطفال البشر تلقائيًا مفهومًا للذات في سن مبكرة، إذ «ينزّلون» الذات من الثقافة أثناء النمو الطبيعي، في جوهر الأمر. ويبدو ذلك سهلًا الآن لأن أدمغتنا تطورت بحيث تدعمه. وفي خلاصة EToC المفعمة بالصور، ما إن انتشر الوعي حتى إن «الإنسان ثنائي الحجرات لم يستطع منافسة قوة التجريدات»، فانقرض ثقافيًا وجينيًا على السواء 21. وتشدّد فكرة الوراثة المزدوجة هذه التصور القائم على الميمات لدى دينيت، إذ تفسّر كيف أمكن لابتكار ميمي في البداية أن يصبح سمة بشرية شاملة: فقد علّمت الثقافة الذات، ثم عزّزتها الجينات.

آلية واضحة وجدول زمني معقول للوعي الذاتي#

على خلاف دينيت (الذي ترك الجدول الزمني مفتوحًا) أو جاينز (الذي يرى كثيرون أنه اختار تاريخًا حديثًا أكثر من اللازم)، تقترح EToC إطارًا زمنيًا معقولًا بدرجة أكبر لأصل الذات السردية: أي تقريبًا في نهاية العصر الجليدي الأخير، نحو 10,000 ق.م. كانت تلك الحقبة زمن تغيرات دراماتيكية – فقد كان البشر يطوّرون الزراعة، ويبنون المنشآت الصخرية الضخمة، وينتجون أساطير غنية. وهي أيضًا فترة لدينا عنها أدلة أثرية على ما يسمّيه بعض الباحثين «مفارقة الإنسان العاقل» – أي الفجوة المحيّرة بين البشر الحديثين تشريحيًا (الذين وُجدوا منذ 200 ألف–50 ألف سنة مضت) وبين السلوك والثقافة «الحديثين» مكتملَي النضج، اللذين ازدهرا في وقت متأخر بكثير 22. وتقترح EToC أن المكوّن المفقود الذي أشعل الانفجار الثقافي كان ميم الوعي الاستبطاني نفسه.

تبدأ الآلية التي تقترحها EToC بـ «حواء» – وهي أول إنسانة واعية مجازية (أو جماعة صغيرة) تتعلم أن تسمع أفكارها الخاصة بوصفها أفكارًا. وفي اللغة الأسطورية التي تستخدمها EToC أحيانًا، «تخلق حواء أولًا حيّزًا تأمليًا بين السماع والفعل – ذاتًا تصارع معها الافتراضات، وأرضًا من الرموز. فتصبح شبيهة بالإله، قادرة على الحكم بين الخير والشر… وهي أمّ ما نسمّيه الآن الحياة». 23 وبعبارات بسيطة، استبطنت هذه المبتكرة الأولى (المتصوَّرة أنثى، ومن هنا اسم «حواء») ما كان أصواتًا خارجية، وأدركت أنها تنبع من عقلها هي. وقد منحها ذلك قدرة غير مسبوقة على التأمل وتخيّل البدائل واتخاذ الخيارات – أي ولادة النمذجة الذاتية التكرارية (التفكير في أفكار المرء نفسه). ومع ذلك ظهرت انفعالات جديدة واستبصارات وجودية: «لقد جلبت هذه الولادة الموت أيضًا»، كما يلاحظ تصور EToC، بمعنى أن قبيلة حواء أصبحت واعية بالفناء والمعنى على نحو لم يسبق لحيوان أو إنسان ثنائي الحجرات أن وعى به 24. وقد حفّز هذا الوعي تغيرات مثل التخطيط للمستقبل بل وحتى الأخلاق البدئية (إذ إن تخيّل المرء نفسه مكان شخص آخر ضرب من التكرار). وتفترض EToC أن النساء كنّ على الأرجح أول من نمّى هذه القدرة الاستبطانية (ربما من خلال التواصل الاجتماعي أو التهويدات أو تعليم الأطفال)، ثم بادرن إلى إدخال الرجال فيها عبر تجارب موجّهة (طقوس أو مراسيم عبور) 25. وترتبط هذه الفكرة على نحو مثير للاهتمام بالملاحظة الأنثروبولوجية القائلة إن كثيرًا من الثقافات لديها تقاليد شامانية تقودها النساء، أو بأن تطور اللغة لدى الأطفال غالبًا ما تتقدم به الأمهات.

والأهم أن EToC تقدم سردًا خطوة بخطوة لانتشار العقل الواعي. فبعد أن حقق الأفراد الأوائل هذه البصيرة المرجعية إلى الذات، شاركوها – لا عن طريق الشرح (إذ إن اللغة نفسها لم تكن قد أصبحت ملائمة لها إلا للتو)، بل على الأرجح من خلال العرض وسرد القصص والطقوس. وتتخيل النظرية «صحوة كبرى» في عصور ما قبل التاريخ: فبمجرد أن لقي الابتكار قبولًا، ربما خلال بضعة أجيال، «انتشر إلى البشرية جمعاء كالنار في الهشيم؛ صحوة كبرى سُجّلت في أساطير الخلق حول العالم». 25 وبحلول فجر العصر الحجري الحديث، كانت مجتمعات متعددة قد انتقلت إلى نمط تفكير حديث في جوهره، وهو ما قد يفسر الظهور شبه المتزامن للزراعة والدين المعقّد في مناطق مختلفة (مثل الشرق الأوسط وآسيا والأمريكتين). وعلى خلاف انهيار جاينز المفاجئ المتأخر، ينسجم الجدول الزمني لـ EToC (نهاية العصر الجليدي) بصورة أفضل مع ما نراه: فقد كان الإبداع الثقافي الكبير جاريًا بالفعل قرابة ~10k ق.م (غوبكلي تبه ومواقع أثرية قديمة أخرى تشير إلى تفكير منظّم في تلك الفترة). وتجادل EToC بأن خطأ جاينز كان في التوقيت – «إن العيب القاتل هو تاريخ جاينز. فلا بد ببساطة أن يكون أقدم بكثير ومتوافقًا مع الثورة النفسية الموثّقة لنوعنا.» 26 وبعبارة أخرى، يُرجّح أن الذات نشأت قبل ما تصوّره جاينز بآلاف السنين، متزامنة مع الازدهار الكبير للفن الرمزي والدين والتعقيد المجتمعي في نهاية العصر الحجري القديم. ومن خلال ربط ظهور الذات السردية بهذه النافذة المعقولة، تعزّز EToC الإطار الجاينزي بجدول زمني منطقي في ضوء الأدلة الأثرية.

الانتشار الأسطوري و«حواء/آدم» الميميّان في أساطير العالم#

من أكثر جوانب نظرية حواء للوعي إثارةً للاهتمام كيفية ربطها نشوء الوعي بـالأساطير والخرافات القديمة. فإذا كان “الصحوة الكبرى” للذات قد حدث بالفعل، فقد يتوقع المرء أن ينعكس ذلك في القصص التي بقيت من العصور القديمة – وإن كان في صورة رمزية. وتشير نظرية حواء للوعي إلى أن أساطير الخلق والقصص الدينية من جميع أنحاء العالم تشترك في موضوعات معينة تتوافق، على نحو لافت، مع فكرة اكتساب المعرفة فجأة (وعواقب ذلك). وأكثرها وضوحًا قصة سفر التكوين المتعلقة بـ آدم وحواء: تأكل حواء من شجرة المعرفة، فتكتسب معرفة الخير والشر، وتصبح واعية بذاتها (ومدركة لعريها، أي واعية بذاتها على نحو انعكاسي)، ونتيجة لذلك تُطرَد هي وآدم من جنة عدن، جنة الجهل السعيد. وترى نظرية حواء للوعي أن هذا ليس مصادفة ولا مجرد استعارة للاستيقاظ الجنسي (كما يُفسَّر غالبًا)، بل هو ذكرى ثقافية بعيدة للحدث النفسي الحقيقي – أي “السقوط” في الوعي 27 28. وفي إعادة سرد نظرية حواء للوعي، “تصبح حواء مثل الإله” بفضل قدرتها المستجدة على التأمل والاختيار، وتتشارك ثمرة المعرفة مع آدم (الذي يمثل بقية البشرية) 23 25. والنتيجة هي نفي البشرية من فردوس الحالة ثنائية الحجرات غير التأملية إلى عالم الفكر الواعي الصعب، لكنه مثمر (بما ينطوي عليه من قلق أخلاقي، وحرية، وأعباء).

علاوة على ذلك، تلاحظ نظرية حواء للوعي أن ثقافات كثيرة تملك أساطير عن المرأة الأولى أو الشامان الأول الذي جلب الحكمة أو النور إلى البشرية – وقد تكون هذه الأساطير أصداءً لـ"حواء" الأصلية. وهناك أيضًا أساطير فيضانات واسعة الانتشار، أو أساطير كوارث، قد ترمّز مجازيًا إلى اضطراب التحول إلى الوعي (مثل العالم قبل تغير عظيم وبعده). وتعتمد النظرية كذلك على فكرة كارل يونغ عن الأساطير بوصفها “ظواهر نفسية تكشف طبيعة الروح” 29، مقترحةً أن الصور الأسطورية المشتركة (مثل الثعابين، والفاكهة المحرمة، والمعرفة السماوية) هي ذكريات جمعية لكيفية نشوء الوعي. وكان جاينز نفسه قد أشار إلى أن العرّافين والأنبياء والصمت المفاجئ للآلهة في السجلات القديمة يلمّح إلى أن البشر فقدوا أصواتهم الإلهية الخارجية، وراحوا يبحثون عن طرائق جديدة للوصول إلى الإرشاد – وهو ما ينسجم مع فكرة إحلال عصر واعٍ محل عصر ثنائي الحجرات 30 31.

في نظرية حواء للوعي، تُعَدّ “حواء الميمية” و**“آدم الميمي”** اختصارًا للمبتكرين الأوائل والمعتنقين الأوائل في هذه العملية. ولا تعني النظرية أنه كانت هناك امرأة واحدة حرفيًا علّمت العالم بأسره بمفردها؛ بل ربما كان الأمر اكتشافًا حدث في ثقافة واحدة ثم انتشر بين الجماعات (عن طريق الهجرة، أو التزاوج، أو المحاكاة). وعلى مدى أجيال، كان من شأن هذا الانتشار أن يترك آثارًا في صورة قصص متشابهة وممارسات دينية. وترى نظرية حواء للوعي أن من الدالّ أننا بعد فترة الاستيقاظ المفترضة نشهد ازدهارًا للأساطير المعقدة، وعبادة الأسلاف، والممارسات الروحية – كما لو أن المجتمعات في كل مكان كانت تتصارع مع حيوات داخلية مستجدة ومع مفهوم ذات مستمرة. فعلى سبيل المثال، تُظهر بعض أقدم الكتابات من سومر ومصر انشغالًا بالروح، والحياة الآخرة، والدينونة الأخلاقية، وما إلى ذلك، على نحو لا يظهر في الفن ما قبل التاريخي الأقدم. وتفسر نظرية حواء للوعي ذلك باعتباره إدماج الثقافات “تحديث البرمجيات” الخاص بالذات في رؤاها للعالم. ومن ثم، تقدم النظرية تفسيرًا متماسكًا لسبب اشتمال الموضوعات الأسطورية العالمية (من عدن إلى صندوق باندورا إلى النار التي سرقها بروميثيوس) غالبًا على بلوغ المعرفة أو الذات بطريقة متجاوزة للمحظور، يعقبه تغير جذري في الوجود البشري 23 24. وستكون هذه الأساطير هي السجل الميمي للخطوات الأولى للبشرية نحو الوعي.

توافق أفضل مع الأدلة الأثرية واللغوية#

كان أحد الدوافع الرئيسية وراء نظرية حواء للوعي هو التوافق مع السجل التجريبي على نحو أوثق مما فعلت أطروحة جاينز الأصلية. فكثيرًا ما أشار منتقدو جاينز إلى أن نشوء الوعي في العصر البرونزي المتأخر لا يتوافق مع معطيات مختلفة – فعلى سبيل المثال، لماذا نرى علامات على براعة البشر وقدرتهم على التخطيط في وقت أبكر بكثير (كالرسوم الكهفية، والدفنات المعقدة، والتجارة بعيدة المدى)، ولماذا لا توجد أدلة واضحة على حالة “قبل” وأخرى “بعد” حول عام 1200 قبل الميلاد تدل على تحول ذهني جذري؟ وتعالج نظرية حواء للوعي هذه المخاوف بربط نشوء الذات السردية بـ “الثورة النفسية” الأسبق في عصور ما قبل التاريخ البشري. فبطرحها أن الاستيقاظ حدث تقريبًا في نهاية العصر الجليدي (نحو 10k قبل الميلاد)، تضع نظرية حواء للوعي ذلك قريبًا من زمن الثورة النيوليثية – حين حدثت بالفعل تغيرات حقيقية وملموسة في سلوك البشر: اختراع الزراعة، ونشوء المستوطنات الدائمة، وظهور العمارة الأولى واسعة النطاق، وغير ذلك. ومن المعقول أن تكون مجموعة أدوات معرفية جديدة (التأمل الذاتي، والحوار الداخلي، والتخطيط للمستقبل) قد حفّزت هذه التطورات. وتفسر النظرية بأناقة ما يُسمى مفارقة الإنسان العاقل: لماذا وُجدت فجوة امتدت عشرات آلاف السنين بين ظهور البشر الحديثين تشريحيًا واكتمال الحداثة السلوكية. وربما كان وصول الوعي الاستبطاني نقطة التحول الحاسمة التي أطلقت أخيرًا الإمكانات الإبداعية للبشر على نطاق حضاري 26 32.

وتسعى نظرية حواء للوعي بنشاط إلى الحصول على تأييد من تخصصات عديدة. يقول منظّر النظرية: “يصعب بناء قصر في السماء إذا كانت [النظرية] تتصل بعلم الآثار، واللسانيات، وعلم الأعصاب، والفلسفة، وعلم وراثة السكان، وعلم النفس النمائي، والأساطير المقارنة، والأنثروبولوجيا” 33. فعلى سبيل المثال، تشير نظرية حواء للوعي، من الناحية الأثرية، إلى الظهور العالمي المفاجئ لـ النقب القحفي (حفر ثقوب في الجماجم) في العصر النيوليتي بوصفه أمرًا ذا دلالة – فربما كان البشر الأوائل يربطون الاضطرابات العقلية بالأرواح أو بالضغوط في الرأس، ويحاولون حرفيًا “إخراج الشياطين” بعد أن صار لديهم مفهوم عن العقل 34. ومن الناحية اللغوية، قد يتوقع المرء أن ترافق ظهور الوعي الذاتي تغيرات أو ابتكارات في اللغة. والضمائر واللغة الانعكاسية (“أنا”، “لي”، “نفسي”) حالة مثيرة للاهتمام: إذ يلاحظ بعض اللغويين أن أنظمة الضمائر في لغات معينة تشكلت في وقت متأخر نسبيًا، لكن حتى في وقت أبكر، ربما كانت فكرة الإشارة إلى الذات بصيغة المتكلم بدعة جديدة. (وقد أبرز جاينز نفسه تطور الكلمات الدالة على العمليات العقلية في النصوص القديمة.) ويعني توقيت نظرية حواء للوعي أن الكتابة البدائية والنصوص المقدسة المبكرة ربما ظهرت بعد أن أصبح الناس واعين بذواتهم، وهو ما يتوافق مع حقيقة أن أقدم الكتابات (نحو 3300 قبل الميلاد) تُظهر بالفعل إحساسًا بالذات وبالسرد. ولو أن الوعي لم يبدأ إلا نحو 1200 قبل الميلاد، كما زعم جاينز، لتوقعنا اختلافات كبيرة بين نصوص 2000 قبل الميلاد ونصوص 1000 قبل الميلاد، وهو ما لا نراه؛ أما إذا كان قد بدأ في وقت أبكر، فبحلول اختراع الكتابة كانت الذات السردية قد ترسخت بالفعل.

وخلاصة القول، إن نظرية حواء للوعي تعزز نموذج جاينز–دينيت بإجابة أكثر إقناعًا عن متى وكيف. فهي تقترح إطارًا زمنيًا محددًا نشأت فيه نمذجة الذات التكرارية، وتدعم ذلك بأدلة من جبهات متعددة: إذ يتوافق التوقيت مع تحولات ثقافية معروفة، والآلية (الصوت الداخلي بوصفه أداة اجتماعية تحولت إلى الداخل) معقولة، أما جانب التوارث المزدوج فيفسر سبب شعورنا اليوم بأن الوعي أمر فطري وطبيعي. وتدّعي نظرية حواء للوعي، في جوهرها، أنها “تحل كثيرًا من الألغاز التي تبدو غير مترابطة” من خلال تقديم حدث توحيدي – نشأة الذات – يصل بين الخيوط الواصلة بين الأساطير، وعلم آثار ما قبل التاريخ، والتطور الجيني، والعقل الحديث 35.

مقارنة بين جاينز ودينيت ونظرية حواء للوعي#

كيف تقارن نظرية جوليان جاينز، ومنظور دينيت، ونظرية حواء للوعي بعضها ببعض؟ يلخص الجدول أدناه الفروق وأوجه التشابه الرئيسية عبر عدة أبعاد:

الجانبجوليان جاينز (العقل ثنائي الحجرات)دانيال دينيت (العقل الثقافي/التطوري)نظرية حواء للوعي (EToC)
آلية الذاتالآلية ثنائية الحجرات: لا توجد ذات استبطانية؛ بل تُوجَّه السلوكيات بالهلوسات السمعية (“الآلهة”). وينشأ الوعي بالذات عندما تنهار هذه التوجيهات ثنائية الحجرات 14 30. والذات في جوهرها سرد متعلَّم يحل محل الأصوات الخارجية.بناء سردي: الذات هي “مركز ثقل سردي”، أي خيال مجرد يخلقه قيام الدماغ بالسرد 1 3. وهي تنشأ من اللغة والتفاعل الاجتماعي (لا وجود لأنا ديكارتية؛ فالذات تفسير وليست شيئًا).ميم مكتشَف: الذات اختراع ثقافي – فقد افتقر البشر في البداية إلى “أنا” استبطانية. وقد أدرك مبتكر واحد (حواء) كيفية التأمل الذاتي، فأنشأ صوتًا سرديًا داخليًا، ثم عُلِّم هذا الميم الخاص بالذات للآخرين 23 25. والذات أداة عقلية انتشرت ميميًا وأصبحت عالمية.
الخط الزمني للنشوءمتأخر ومفاجئ: نحو 1200 قبل الميلاد (العصر البرونزي). يجادل جاينز بأن البشر قبل نحو 1000 قبل الميلاد لم يكونوا واعين بذواتهم. وقد حدث انهيار العقل ثنائي الحجرات في أزمنة تاريخية (انهيار العصر البرونزي المتأخر) 14 15.تدريجي وأقدم: لا يقدم دينيت تاريخًا دقيقًا. فالوعي “حديث العهد أكثر من أن يكون فطريًا”، لكنه بدأ على الأرجح قبل عشرات آلاف السنين، وتطور تدريجيًا بعد اللغة 4. وربما نشأت الذات السردية في العصر الحجري القديم الأعلى أو في العصر النيوليتي الأسبق، وإن كان دينيت يترك الأمر مفتوحًا 9.ثورة ما بعد العصر الجليدي: نحو 10,000 قبل الميلاد (العصر النيوليتي). تضع نظرية حواء للوعي الاستيقاظ في نهاية العصر الجليدي الأخير، حين ازدهرت الثقافة الرمزية 25. ويتوافق هذا التوقيت مع نشوء الزراعة، والطقوس المعقدة، والأساطير – أي “الصحوة الكبرى” في العصر النيوليتي المبكر عبر مناطق مختلفة.

| دور اللغة | المُحفِّز الأساسي: اللغة (ولا سيما لغة الاستعارة والسرد) هي أساس الوعي 16. يقول جاينز إن الوعي نشأ من تعلُّم اللغة؛ فعلى سبيل المثال، علَّم سماع القصص والملاحم البشرَ أن يسردوا الأحداث داخليًا 36 37. كما أضعفت الكتابةُ الهلوساتِ ثنائيةِ الحجرات. | الوسيط الحاسم: اللغة هي «الأداة» التي أتاحت للميمات إعادةَ تشكيل الدماغ. ويرى دينيت أن اللغة مكَّنت البشر من التحدث إلى أنفسهم وتطوير أفكار من مستوى أعلى (وهي «Joycean machine») 38 39. والكلمات ميمات «تُعدي» دماغنا، فتجعل التفكير المعقد ممكنًا 6. | الحافز ووسيلة الانتقال: أصبح الكلام الداخلي تفكيرًا. وتقترح نظرية حواء للوعي أن الصوت الداخلي بدأ بمحاكاة الأوامر والتحذيرات الصادرة عن الآخرين محاكاةً داخلية (أي إن اللغة اتجهت إلى الداخل). وكانت اللغة المعقدة شرطًا مسبقًا لتصوّر الذات، كما انتقل نمط الذات المستجد عبر اللغة (القصص والتعليمات والطقوس). وهكذا أشعلت اللغة البصيرةَ وحملتها ميميًا إلى الآخرين في آنٍ واحد. | | النظرة إلى الميمات/الثقافة | تغيّر ثقافي ضمني: لم يستخدم جاينز مصطلح «الميم» (الذي صيغ عام 1976)، لكن نظريته ثقافية بطبيعتها؛ فالوعي «طبقة ثقافية مكتسبة» فوق الدماغ. وقد رأى أن رواية القصص، والدين، والتعقيد الاجتماعي كانت عوامل دافعة إلى نشوء العقلية الجديدة 15 36. | التطور الميمي في صميم النظرية: يرى دينيت صراحةً أن الأفكار مكرِّرات. فالثقافة قوة تطورية شكَّلت عقولنا. والذات هي «مجمع هائل ومعقد من الميمات» 5، كما أن السلوك البشري يحكمه التطور المشترك بين الميمات والجينات (مع أن دينيت يؤكد استقلالية الميمات في تشكيل العقول). وكثيرًا ما يستخدم أمثلة مثل الأغاني، أو الأدوات، أو الألعاب بوصفها ميمات تحتاج إلى عقول تستضيفها. | الوراثة المزدوجة: تضع نظرية حواء للوعي وزنًا متساويًا للتطور الثقافي والوراثي. فقد كان الانتشار الأول للوعي ميميًا بنسبة 100%؛ أي عدوى سلوكية. لكنه، بعد انتشاره، منح مزايا للبقاء، مما أدى إلى تغذية راجعة عززت الانتقاء الجيني لمن يستطيعون تبنّي الذات بسهولة 21. وقد أدت الثقافة (الأساطير والطقوس) دور وسيلة انتقال سمة الوعي، إذ «برمجت» العقول جيلًا بعد جيل إلى أن أصبحت السمة غريزية. | | التكامل مع علم الوراثة | ضئيل/منعدم ضمن الإطار الزمني: لا يتيح تاريخ جاينز المتأخر وقتًا كافيًا لحدوث تغير جيني؛ فقد رأى أن التحول حديث العهد إلى حد لا يسمح بانعكاسه في الجينوم. لكنه افترض أن «قدرًا ضئيلًا من الانتقاء الطبيعي» ربما حدث أثناء الانتقال 40، غير أن ذلك لم يكن محوريًا. وكانت العقلية ثنائية الحجرات إمكانيةً عصبية غيّرتها الثقافة دون تعديل جيني. | الإقرار بالتطور المشترك للجينات والثقافة: يقبل دينيت بأن الضغوط التطورية قد تجعل اكتساب مهارة معرفية أسهل إذا كانت تلك المهارة نافعة. فمثلًا، بعد أن توجد اللغة ثقافيًا، قد تتكيف الجينات مع اكتسابها. لكنه يصف الوعي في الغالب بأنه برمجيات مكتسبة تعمل على عتاد دماغي عام الغرض إلى حد كبير 41 42. وتُعد لدونة الدماغ أساسية، في حين يُنظر إلى أي ضبط جيني (عبر تأثير بالدوين) بوصفه تحسينًا دقيقًا، لا إنشاء وحدة دماغية جديدة كليًا لـ«الذات». | محوري في النظرية: تجمع نظرية حواء للوعي صراحةً بين التطور الميمي والوراثي. فبعد الأصل الميمي للذات، فضّلت آلاف السنين من التناسل والانتقاء أولئك الذين كانت أدمغتهم مهيأة لاستبطان ذاتٍ بسلاسة 21. وهذا يفسر لماذا يطوّر جميع البشر ذوي النماء العصبي النمطي اليوم ذاتًا سردية في وقت مبكر من الحياة. وبعبارة أخرى، أثرت البرمجيات (الوعي) التي انتشرت في العصر الحجري الحديث تدريجيًا في العتاد (الجينوم) لدى الأجيال اللاحقة، فثبّتت المكاسب. |

المصادر: Jaynes 1976؛ Dennett 1991؛ EToC (Cutler 2023) 16 4 9 25 21 (ومصادر أخرى كما وردت الإشارة إليها أعلاه).

الخلاصة#

لاحظ دانيال دينيت ذات مرة أنه إذا لم تكن سردية جوليان جاينز الجريئة عن الوعي صحيحة تمامًا، فلا بد أن يكون «شيء قريب منها إلى حد ما صحيحًا» 9. وتقترح نظرية حواء للوعي أن تكون هي ذلك «الشيء»؛ أي سردية منقحة عن كيفية مجيء عقولنا إلى إيواء ذاتٍ سردية. ومن خلال توليف نظرية دينيت الميمية مع الرؤية التاريخية لدى جاينز، تقدم نظرية حواء للوعي حلًا مقنعًا للغز أصل الذات. فهي ترسي ظهور «الأنا» السيرة الذاتية في لحظة حقيقية من عصور ما قبل التاريخ، وتمنح تلك اللحظة آليةً (الاكتشاف المشترك للاستبطان)، وتبيّن كيف كان لهذا التغير أن يتردد صداه عبر الثقافة والأساطير وحتى جيناتنا. وبذلك، لا تجيب نظرية حواء للوعي عن السؤال الذي تركه دينيت مفتوحًا فحسب — متى وكيف نشأ راوينا الداخلي؟ — بل تصل أيضًا بين خيوط مستمدة من مجالات كثيرة: الازدهار المفاجئ للإبداع البشري، وشيوع بعض العناصر الأسطورية، والتفاعل الدقيق بين البيولوجيا والثقافة في جعلنا ما نحن عليه.

وفي النهاية، سواء تقبّل المرء تفاصيل نظرية حواء للوعي كاملةً أم لا، فإنها تظل مثالًا قويًا على النهج الذي يدافع عنه دينيت: التعامل مع الوعي بوصفه بناءً متطورًا، نتاجًا للتاريخ الطبيعي والثقافي يمكن تحليله بدلًا من إضفاء الغموض عليه. وقد لا يمكن أبدًا تحديد أصل الذات السردية بيقين مطلق، لكن نظريات مثل نظرية حواء للوعي تدفع النقاش إلى الأمام، مبيّنةً أن الفجوة بين «عديم العقل» و«واعي العقل» لا يلزم أن تكون لغزًا؛ إذ يمكن استكشافها بأدوات العلم والسرد معًا. ومع تطور فهمنا، نجد أنفسنا، ربما، نقترب أكثر من حقيقة بداياتنا نحن: نوعًا علّم نفسه أن يفكر، وبذلك أصبح حقًا Homo sapiens — الكائن الذي يعرف أنه يعرف.


المصادر#