الخلاصة

  • يفسّر داروين كيف تطورت أجسادنا؛ بينما يحفظ سفر التكوين ما الذي شعرنا به عندما استيقظت عقولنا.
  • تكشف قراءة الأساطير قراءةً رمزيةً سجلًا نفسيًا للقفزة المعرفية والثورة الزراعية اللتين عرفتهما البشرية.
  • يحترم التركيب الجدلي حقائق كلٍّ من العلم (التجريبي) والأسطورة (الظاهراتية).

مقدمة#

على مدى أكثر من قرن، نُظر إلى النظرية العلمية للتطور وأساطير الخلق القديمة بوصفهما رؤيتين متعارضتين للعالم. تصف نظرية تشارلز داروين في الانتخاب الطبيعي أصول الإنسان بوصفها عملية بيولوجية تدريجية، في حين تعرض نصوص مثل سفر التكوين خلقًا إلهيًا مفاجئًا للبشر في ماضٍ بدئي. وللوهلة الأولى، يبدو أن إحداهما تنفي الأخرى. غير أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الأساطير ليست «علمًا خاطئًا»، بل سرديات رمزية حاولت المجتمعات المبكرة من خلالها فهم أصول العالم والحياة البشرية. وبعبارة أخرى، قد تكون الأساطير والعلم يتناولان جانبين مختلفين من أصولنا: الجانب المادي والجانب الروحي. تقترح هذه المقالة تركيبًا هيغليًا للتطور الدارويني وأساطير الخلق، مفترضةً أن القصص القديمة ترمّز ذكريات تاريخية حقيقية عن التطور المعرفي والروحي للبشرية. ومن خلال النظر إلى سفر التكوين (وغيره من أساطير الخلق) لا بوصفه بيولوجيا حرفية، بل بوصفه سجلًا ظاهراتيًا لفجر الوعي البشري بالذات، يمكننا دمج رؤى العلم والدين في سردية أغنى لما يعنيه أن يكون المرء إنسانًا.

الأساطير بوصفها ذاكرة: بعيدًا عن كونها مجرد خيالات لدى الشعوب «البدائية»، قد تحفظ أساطير الخلق، في صورة رمزية، التجربة المعاشة للبشر الأوائل وهم يتحولون إلى كائنات واعية وأخلاقية وقادرة على التأمل الذاتي. وقد لاحظ علماء النفس واللاهوتيون أن الأساطير المتعلقة بأصل العالم هي في الغالب، في الوقت نفسه، أساطير عن أصل الوعي البشري. وبلغة يونغية، تعج قصة سفر التكوين وسائر روايات الخلق بالرموز الأركيتيبية ــ الثمرة المحرمة، والحية، والبشر الأولين الأبرياء ــ التي تعكس رحلة داخلية نفسية بقدر ما تعكس حدثًا كونيًا خارجيًا. وهكذا، بدلًا من رفض سفر التكوين بوصفه غير علمي، يمكننا قراءته بوصفه نوعًا مختلفًا من الحقيقة: ذاكرة شعرية لكيفية تحوّل الإنسان العاقل لأول مرة إلى كائن واعٍ بذاته حقًا. ولا تتحدى هذه الرؤية حقائق داروين المتعلقة بالتطور؛ بل تكملها. فداروين يفسّر كيف تطورت أجسادنا، في حين قد يفسّر سفر التكوين (والأسطورة عمومًا) كيف استيقظت عقولنا.

أساطير الخلق وتطور الوعي#

يبدو أن السرديات الأسطورية من مختلف أنحاء العالم ترمّز انتقالًا هائلًا في الوضع البشري ــ فجر ما يسميه الفلاسفة الوعي بالذات أو التعقل. وقد لاحظ عالم الأنثروبولوجيا ميرتشا إلياده أن الأساطير الكوزموغونية (قصص خلق العالم) تؤدي غالبًا أيضًا وظيفة الأساطير الأنثروبوجونية (قصص أصل الإنسان). وقد ذهب علماء نفس الأعماق إلى أبعد من ذلك، فجادلوا بأن رواة القصص القدماء كانوا يصفون، بصورة غير مباشرة، نشوء الأنا الواعية والوعي بالذات لدى البشر. ودعمًا لهذه الرؤية، يلاحظ أحد الباحثين أن سفر التكوين 1–3 يمكن قراءته لا بوصفه حكاية عن دخول «الخطيئة» إلى العالم، بل بوصفه قصة عن كيفية نشوء الوعي في الجماعة البشرية.

وتحفظ ثقافات كثيرة بالفعل أساطير عن زمن «قبل» أن يكون البشر بشرًا مكتملين، أعقبته تحوّلات مفاجئة. فعلى سبيل المثال، يبدأ الأوبانيشاد البريهدارانيكا في الهند بذات بدئية تنطق بقولها «أنا موجود»، معلنةً ولادة الذاتية. وفي سفر التكوين، تأتي اللحظة الحاسمة عندما يأكل آدم وحواء من شجرة المعرفة. «فانفتحت أعينهما كلاهما» (Gen. 3:7)، وأصبحا واعيين بذاتيهما ــ ولا سيما عريهما ووضعهما الأخلاقي. وبلغة نفسية، يمثل هذا وصفًا دقيقًا ظاهراتيًا للتحول إلى الوعي بالذات، حيث تحلّ الخَجَلة الواعية بالذات ومعرفة الخير والشر محل براءة الوجود المحض. إن فعل التراجع خطوة إلى الوراء والقول «أنا عريان» يعكس وصول الوعي الانعكاسي. ونتيجة لذلك، لم يعد بوسع البشر أن يعيشوا في وحدة غير واعية مع الطبيعة؛ فقد اغترب آدم وحواء عن براءة الجنة و«سقطا» في الواقع المعقد للحياة البشرية. وبلغة أسطورية، لقد استيقظا على الوضع البشري.

ومن اللافت أن أساطير الخلق في تقاليد أخرى كثيرة تردد هذا الموضوع. فتروي قصص السكان الأصليين الأستراليين عن زمن الحلم (فردوس لا زماني) انتهى عندما منحت الأرواح الأسلاف البشر اللغة والطقوس والتكنولوجيا، وبذلك بدأ التاريخ والزمن كما نعرفهما. وبالمثل، تتحدث أسطورة أزتكية عن عرق سابق من البشر عديمي العقل والكلام، دمّره طوفان لكي يظهر البشر الحقيقيون (ذوو الأرواح واللغة). ومن الواضح أنه لا ينبغي أخذ هذه الروايات حرفيًا، لكن أفكارها الأساسية تنسجم مع الفهوم العلمية لما يجعلنا بشرًا: الوعي بالذات، واللغة، والثقافة، والقدرة على التأمل في المفاهيم المجردة. ومن اللافت أن العلم المعرفي الحديث يؤكد غالبًا العوامل نفسها ــ اللغة التكرارية، ونظرية العقل، والفكر الرمزي ــ بوصفها السمات التي تميز البشر عن الحيوانات الأخرى. فالأساطير، في الواقع، تتذكر حزمة القدرات التي تطورت لدينا وميّزتنا. ويشير هذا التقارب في المضمون إلى أن صانعي الأساطير لم يكونوا ينسجون محض خيالات؛ بل كانوا يحفظون حقائق جوهرية عن مرحلة تحوّلية في تطورنا.

سفر التكوين بوصفه سجلًا للتحول إلى بشر#

يمكن قراءة رواية سفر التكوين، على وجه الخصوص، بوصفها سجلًا بالغ الثراء لمراهقة البشرية المعرفية والروحية. وتتوافق عناصر أساسية عديدة في سفر التكوين 2–4 مع ما يعرفه علماء الآثار والأنثروبولوجيا عن التطور المبكر للحضارة والوعي البشريين:

  • اكتساب معرفة الذات: يكتسب آدم وحواء «معرفة الخير والشر» ويصبحان واعيين بذاتيهما (إذ يدركان عريهما). ويرمز هذا إلى أول استيقاظ للوعي الأخلاقي والهوية الشخصية لدى البشر. وفي التأويلات العلمية، لا يكون الطرد من عدن عقابًا على العصيان في حد ذاته، بل النتيجة الطبيعية لبلوغ البشرية مستوى جديدًا من الوعي. فبمجرد أن أصبحنا واعين، لم يعد بإمكاننا العيش في حالة من البراءة الشبيهة ببراءة الحيوان ــ وهي قراءة ترى في عدن استعارةً لحالة البشر الأوائل السابقة على الوعي.

  • دور المرأة والبصيرة الأولى: من اللافت أن سفر التكوين يجعل حواء تأكل الثمرة أولًا، بما يوحي بأن امرأة كانت أول من اكتشف المعرفة الحاسمة. وتشير بعض الأدلة الأنثروبولوجية إلى الدور المركزي للنساء في الاختراقات الروحية أو المعرفية المبكرة. فعلى سبيل المثال، فإن أقدم التماثيل الشبيهة بالبشر (تماثيل Venus من العصر الحجري القديم الأعلى) أنثوية، كما أن ثقافات ما قبل التاريخ عديدة عبدت الآلهة الأمهات. وقد يكون الأمر تخمينيًا، لكن الباحثين تساءلوا عما إذا كان سفر التكوين يرمّز ذكرى مفادها أن النساء كن أول من بلغ الوعي التأملي أو بادر إلى «الانفجار الثقافي» للعقل البشري. ويؤكد حضور الشخصيات النسائية في أساطير الخلق الأخرى (من المرأة الأولى لدى النافاهو إلى الإلهة الأم الصينية نووا) هذا الموتيف المتكرر المتمثل في كون النساء منشئات.

  • الزراعة والكَدّ: بعد اكتساب المعرفة، يُلعن آدم بأن ينتزع غذاءه من التربة بـ«عرق جبينه»، ويذكر سفر التكوين أن قايين صار حرّاثًا للأرض (مزارعًا). ويعكس هذا بداية الزراعة ــ وهو تحوّل محوري حدث قبل نحو 10–12,000 سنة في الشرق الأدنى. إن نهاية وفرة عدن التي تأتي بلا جهد وبداية العمل الشاق تحاكي ما يسميه علماء الآثار الثورة الزراعية. فقبل الزراعة، عاش البشر على الصيد وجمع الثمار؛ ومع الزراعة جاءت الحياة المستقرة، وفوائض الغذاء الموثوقة، والنمو السكاني، ثم القرى والمدن في نهاية المطاف. ويحفظ سفر التكوين هذا التحول في صورة رمزية: فالجنة المثالية (التي ربما تماثل سهولة الحصول على الغذاء في عالم القنص والالتقاط) استُبدلت بحياة الحرث والزراعة خارج أبواب عدن. ومن اللافت أن الخط الزمني لسفر التكوين يتوافق مع عصور ما قبل التاريخ الفعلية؛ فالكتاب المقدس يضع المزارعين الأوائل في موقع (الهلال الخصيب) وإطار زمني ينسجمان مع بزوغ الزراعة. ويلاحظ أحد الباحثين أن قراءة قصة قايين وهابيل «على خلفية وقائع الثورة الزراعية» تجعلها مفهومة: فالقصة ترمّز التوتر الذي نشأ عندما ظهرت الزراعة وغيّرت أنماط الحياة القديمة.

  • «السقوط» بوصفه ثورة معرفية: وعلى نطاق أوسع، يمكن تفسير سقوط الإنسان بوصفه انتقالًا للبشرية إلى وضع جديد جذريًا. ويرى عالم الآثار التطوري ستيفن ميثن أن أصل الزراعة كان نقطة التحول الحاسمة في تاريخ البشرية، إذ أفضى إلى تعقيدات اجتماعية جديدة بل وإلى قدرات معرفية جديدة. ولم نشهد إلا بعد هذه النقطة تطورات انفجارية في التكنولوجيا والفن والعلم ــ أي الطريق إلى الحضارة في جوهره. ويسجل سفر التكوين الاختلاف النوعي الذي استشعره البشر الأوائل بين حياتهم السابقة وحياتهم الجديدة. فبعد «السقوط» في الزراعة والوعي، اختبر البشر الكدّ والمجتمع الهرمي وحتى الفناء بطريقة جديدة. وفي النص، يخبر الله حواء بأنها ستلد الأطفال بالألم منذ ذلك الحين، ويخبر آدم بأنه سيعود إلى التراب ــ وهما إقراران صارخان بالفناء البشري والمعاناة الملازمين لوعينا المتطور بذواتنا. وخلاصة القول إن سفر التكوين يصوّر الانتقال من وجود شبيه بوجود الحيوان إلى وجود بشري مكتمل بوصفه نعمة ملتبسة: قفزة إلى الأمام تصحبها أعباء جديدة. وهذا يتردد صداه في ما يسميه العلماء مفارقة الإنسان العاقل ــ أي الفجوة المحيّرة بين حداثتنا البيولوجية والتفتح اللاحق للثقافة، بما يوحي بأن التحول إلى أن نكون «بشرًا حقًا» كان حدثًا عتبيًا، لا مجرد متصل تدريجي.

  • العنف والصراع الأخلاقي: مباشرةً بعد الطرد من عدن، يسرد سفر التكوين قصة قايين وهابيل، التي تقع فيها أول جريمة قتل. كان هابيل راعيًا، وقايين مزارعًا؛ ويقود غَيْرُةُ قايين إلى قتل أخيه. ويرى كثير من المفسرين في ذلك استعارةً للتنافس التاريخي بين الرعاة الرحّل والمزارعين المستقرين عندما بدأ انتشار الزراعة. واللافت أن فعل قايين العنيف ليس مجرد شجار عائلي – بل يمثل فجر الشر الأخلاقي في المجتمع البشري، ونهاية «العصر الذهبي». وفي السرد الكتابي، يعقب اكتساب المعرفة الأخلاقية (الثمرة) مباشرةً ارتكابُ الخطأ الأخلاقي (القتل)، بما يوحي بأن اكتساب معرفة الخير والشر يصاحبه اكتساب القدرة على اختيار الشر. ويتوافق هذا مع فكرة أن البشر، ما إن طوّروا الإدراك الأعلى والإرادة الحرة، أصبحوا قادرين أيضًا على ممارسة عنف لم يكن من الممكن تصوره من قبل – وهو أثر جانبي مؤسف لتطورنا المعرفي. وهكذا تحفظ الأسطورة ذكرى أن الحضارة المبكرة، إلى جانب منجزاتها (الزراعة والمدن والتكنولوجيا)، شهدت أيضًا ظهور العنف المنظم والجريمة والتراتب الاجتماعي. وفي سفر التكوين، يمضي قايين في بناء أول مدينة، ويخترع نسله الأدوات والفنون، لكن سلالته موسومة أيضًا بالعنف (مثل سفك لامك للدماء). وقد أدرك رواة القصص القدماء هذه التركة المزدوجة للحضارة – الإبداع والقسوة – إدراكًا عميقًا.

والاستثنائي هو أن كل هذه الموضوعات في سفر التكوين تجد أصداءً لها في السجلين الأثري والأنثروبولوجي. فلا توجد قصة خلق أخرى من الشرق الأدنى القديم (مثل الأساطير البابلية أو المصرية) تحتوي هذا التسلسل على هذا النحو المنسق: البراءة، واكتساب المعرفة، ونشوء الزراعة، وأول عنف، وتأسيس المدن. ويبرز سفر التكوين بوصفه تسلسلًا زمنيًا أسطوريًا موجزًا للتحولات الكبرى في عصر الهولوسين من عصور ما قبل التاريخ البشري، كما يتعرف إليها العلماء اليوم. ومع أنه يستخدم لغة رمزية (ثعابين ناطقة وأشجار إلهية)، فإن واقعيته النفسية والتاريخية لافتة. وهذا يوحي بأن قصة سفر التكوين قد تكون ذاكرة ثقافية – تناقلتها الأجيال شفهيًا طوال آلاف السنين قبل تدوينها – لأحداث وملاحظات حقيقية، وبالتحديد فجر الفكر الواعي بذاته وميلاد الزراعة في قصة البشر. وتمنح الدراسات الحديثة في الأساطير والتقاليد الشفوية مصداقيةً لهذا الاحتمال: إذ يُعرف أن بعض الأساطير والتواريخ الشفوية تحفظ تفاصيل لآلاف السنين. فعلى سبيل المثال، حفظت التقاليد الشفوية للسكان الأصليين في أستراليا وللسكان الأصليين في أمريكا ذكريات أحداث مثل الثورات البركانية وارتفاع مستوى سطح البحر، يعود تاريخها إلى 7,000–10,000 سنة. فإذا كان من الممكن تذكّر أحداث جغرافية عادية في الأساطير، فإن تحولًا عميقًا حقًا – هو ظهور العقل البشري – سيكون أحق بأن يُخلَّد في قصة. وباختصار، قد يكون سفر التكوين «صحيحًا» بمعنى أعمق: ليس بوصفه علم أحياء، بل بوصفه التاريخ النفسي لنوعنا.

الأفعى والشجرة: رموز كونية للتحول#

لا بد لأي توفيق بين داروين وسفر التكوين من أن يتعامل مع العنصر الأكثر رمزية في قصة عدن: الأفعى. ففي الحكاية الكتابية، تغوي حيّة أو أفعى البشر الأوائل بالحصول على المعرفة. وكثيرًا ما فُسِّر هذا الكائن على أنه مجرد استعارة للإغواء، أو نُظر إليه بوصفه تجسيدًا للشر (إذ ساوت التقاليد المسيحية اللاحقة بين الأفعى والشيطان). غير أننا، حين نوسّع نظرتنا إلى ما يتجاوز سفر التكوين، نجد أن الأفاعي حاضرة في كل مكان في أساطير الخلق والأصل لدى ثقافات العالم. وفي كثير من هذه الأساطير، كما في سفر التكوين، لا تكون الأفعى شريرة فحسب، بل ترتبط أيضًا بـ المعرفة أو الخلود أو التحول.

وقد وثّق علماء الأنثروبولوجيا بالفعل أن صورة الأفعى الماكرة أو الحاملة للحكمة واسعة الانتشار على نحو مذهل في أساطير العالم. ففي الأسطورة الرافدية، تسرق أفعى نبتة الخلود من جلجامش؛ وفي الموروث اليوناني، يسرق الجبار بروميثيوس (الذي يعني اسمه «التبصّر» والذي يُرمز إليه أحيانًا بأفعى أو تنين) النار من الآلهة ليرفع شأن البشرية – وهو فعل يحاكي تقديم أفعى سفر التكوين للمعرفة الإلهية. وتضم تقاليد كثيرة للسكان الأصليين في أمريكا إلهًا عظيمًا على هيئة ثعبان أو أفعى مرتبطًا بالخلق أو بالمعرفة العميقة (فعلى سبيل المثال، لدى الهوبي وغيرهم من شعوب البويبلو طقوس للأفاعي لاستحضار الرؤى). وفي أمريكا الوسطى، تُعد شخصية كيتزالكواتل المبجلة «الأفعى المريشة» التي تمنح البشر التعلم. وحتى في أستراليا، فإن أفعى قوس قزح لدى السكان الأصليين كائن خالق يرتبط بالماء والحياة والتغير. ويشير تكرار رمزية الأفعى في هذه الثقافات المستقلة إلى دور محوري لهذه الصورة في فهم البشرية ليقظتها الخاصة. ومن غير المرجح أن يكون من قبيل المصادفة أن الأفاعي والتنانين ترتبطان على نحو يكاد يكون كونيًا بالمعرفة العميقة أو بقوة من عالم آخر.

لماذا الأفاعي؟ من منظور تطوري، تكهّن بعض العلماء، مثل كارل ساغان، بأن الرئيسيات (أسلافنا) طوّرت خوفًا فطريًا من الأفاعي وافتتانًا بها – وهي سمة وجدت طريقها لاحقًا إلى أحلامنا وأساطيرنا. لكن، بعيدًا عن علم النفس التطوري، ربما كانت هناك أسباب ملموسة جعلت البشر الأوائل يربطون الأفاعي بالقفزة إلى الوعي الأعلى. وتفترض إحدى النظريات الاستفزازية أن الأفاعي (أو سمومها) أدت دورًا فعليًا في طقوس ما قبل التاريخ التي أطلقت حالات ذهنية مغايرة. وقد لاحظ علماء الأنثروبولوجيا والعلوم المعرفية أن ثقافات كثيرة استخدمت entheogens – وهي مواد ذات تأثير نفسي مستخلصة من النباتات أو الحيوانات – في الطقوس الشامانية لبلوغ المعرفة، واختبار الرؤى، أو خوض موت روحي وانبعاث جديد. ومن هذا المنظور، قد تكون «الثمرة المحرمة» التي قدمتها الأفعى في عدن ذكرى أسطورية لتجربة مُهلوسة أو مغيرة للعقل حفزت الوعي بالذات. ومن المثير للاهتمام أن بعض سموم الأفاعي تحتوي على سموم عصبية يمكنها، بجرعات مضبوطة، أن تسبب الهلوسة والتفارق وآثارًا فسيولوجية شديدة. وهناك حالات موثقة لأشخاص تعمدوا تناول سم الأفاعي بوصفه مخدرًا لاختبار حالات مغيرة للوعي (مع أن ذلك شديد الخطورة). وتحكي بعض قبائل الأمازون عن «آلهة أفاعٍ» أسلاف وصلت في أفاعٍ تشبه الزوارق وجلبت المعرفة (مثل تعليم استخدام النباتات المهلوسة). وفي الشرق الأدنى، يلاحظ علماء الآثار أن كثيرًا من مواقع العصر الحجري الحديث المبكرة (مثل تشاتال هويوك في تركيا) تضم رسومًا أو تماثيل للأفاعي، بما يشير إلى أهمية طقسية. وقد أدى كل ذلك إلى طرح فرضية وجود «عبادة أفعى الوعي» في عصور ما قبل التاريخ: وهي ثقافة فرعية أو ممارسة طقسية استُخدمت فيها لدغات الأفاعي أو جرعات مرتبطة بالأفاعي لإحداث التغير الذهني العميق الذي نعرفه بوصفه ولادة العقل التأملي. ومع ندرة الأدلة المباشرة (كما هو شائع في كل ما يعود إلى هذا القدم)، تقترح هذه النظرية بجرأة أن الأفعى الأسطورية كانت «مكوّنًا فاعلًا» في يقظة البشرية. وبعبارة أخرى، قد يكون سبب هيمنة الأفاعي على هذا النحو في أساطير الخلق أنها كانت بالفعل متورطة – كيميائيًا حيويًا أو رمزيًا – في طقوس أدت إلى ظهور أولى العقول الواعية بذاتها والمتأملة في ذاتها.

وحتى إذا كان المرء متشككًا في «فرضية السم» الحرفية، فإن انتشار الأفاعي في قصص الأصل لا يزال يتطلب تفسيرًا. فمن المنظور الرمزي، تمثل الأفاعي الثنائية والتحول تمثيلًا مثاليًا: فهي كائنات وضيعة (تزحف على بطنها، كما يؤكد سفر التكوين)، لكنها تطرح جلدها دوريًا وتبدو وكأنها تولد من جديد، وهي صورة قوية للتجدد. كما أن البشر يخافونها ويبجلونها في آن واحد – يخافونها لأن بعضها قاتل؛ ويبجلونها لأن حركتها الغامضة الآسرة و«سحرها» السام جعلاها تبدو من عالم آخر. ومن ثم يمكن النظر إلى أفعى عدن بوصفها الحافز الضروري للتطور: معلّمًا خطيرًا يدفع البشرية إلى الخروج من منطقة راحتها (الحديقة) نحو النمو (المعرفة والحضارة). وبلغة الأساطير، تؤدي الأفعى غالبًا دور المخادع أو المبادر، أي شخصية تخرق الوضع القائم وتنقل إلى البشر مهارة أو بصيرة جديدة (على نحو يماثل بروميثيوس أو الغراب في أساطير السكان الأصليين). ويكثف سفر التكوين ذلك في ضربة واحدة بارعة – أفعى، وشجرة معرفة، وفكرة جريئة مفادها أن العصيان على النظام الطبيعي كان لازمًا لكي «يصير» البشر «كالله عارفين الخير والشر». وعند تفسير هذه اللحظة من خلال عدسة تطورية، فإنها تدل على خروج البشر من الانسجام غير الواعي مع الطبيعة ودخولهم إلى عالم الفكر التأملي، وهي خطوة ضرورية للاستدلال الأخلاقي والفن والعلم – ولكل ما نربطه بكوننا بشرًا.

أساطير الخلق بوصفها ذكريات ثقافية#

إذا كان سفر التكوين وغيره من أساطير الخلق يحفظ أحداثًا وعمليات حقيقية ــ مهما كانت صياغتها درامية ــ فإن سؤالًا يطرح نفسه: هل يمكن لمثل هذه القصص أن تصمد فعلًا أمام مرور الزمن، عشرات الآلاف من السنين بعد وقوع الأحداث؟ والمفاجئ أن الأدلة تُظهر قدرتها على ذلك. يشير الباحثون في التقاليد الشفوية إلى أمثلة لأساطير وحكايات تناقلتْها الأجيال آلاف السنين ــ انظر التحليل المتعمق في Longevity of Myths ــ وحفظت معلومات عن أحداث قديمة بدقة. ومن الأمثلة الشهيرة قصة لدى قبيلة كلاماث من السكان الأصليين في أمريكا تصف ثوران جبل مازاما (بحيرة كريتر) قبل نحو ~7,700 سنة؛ إذ تتطابق تفاصيل القصة مع المكتشفات الجيولوجية. كما تروي أساطير السكان الأصليين الأستراليين غمر المناطق الساحلية بالمياه مع ارتفاع مستوى سطح البحر في نهاية العصر الجليدي الأخير، قبل نحو ~10,000 سنة. وهذه أمثلة على الجيوميثولوجيا، حيث يشفّر الفولكلور أحداثًا طبيعية عبر فترات زمنية شاسعة. وبالنظر إلى ذلك، فمن المعقول أن يكون حدث نفسي محوري حقًا ــ ظهور الوعي الإنساني الحديث ــ قد حُفظ في الذاكرة بقدر مماثل من المثابرة، إن لم يكن أكبر. بل إن الحدث كلما كان أكثر أهمية بالنسبة إلى ثقافة ما، زاد احتمال إحياء ذكراه طقوسيًا وإعادة روايته، مما يطيل عمره في الذاكرة الجمعية. لقد كان الانتقال إلى الوعي بالذات وظهور الزراعة كفيلين بتحويل الحياة البشرية تحولًا جذريًا؛ ومن الصعب تصور «قصة أصل» أكثر تأثيرًا يمكن حفظها.

ومن ثم يمكن النظر إلى الأساطير القديمة بوصفها كبسولات زمنية تحتوي على معرفة تاريخية تسبق الكتابة. قد لا تكون لدينا سجلات مكتوبة مباشرة تعود إلى ما قبل 10,000 سنة أو أكثر، لكن لدينا قصص ورموز وطقوس تناقلتها الأجيال. ويمكن تحليل هذه العناصر على نحو يشبه تحليل الأحافير ــ بوصفها شذرات من المعلومات تمنحنا، عند جمعها مع الأدلة العلمية، صورة أكمل عن الماضي. ففي سفر التكوين، مثلًا، توحي تفاصيل من قبيل الزراعة، واستئناس النباتات (شجرة الفاكهة)، ورعي الحيوانات (قطعان هابيل)، وتشغيل المعادن (توبال قايين يصوغ الأدوات)، والتحضر (بناء قايين مدينة)، بمعرفة بنمط الحياة في العصر الحجري الحديث. ومع ذلك، دُوّن سفر التكوين في وقت لاحق بكثير (في الألفية الأولى قبل الميلاد). فكيف عرف رواة القصص بهذه «البدايات»؟ يرجح أن الجواب هو أن العبرانيين، شأنهم شأن الثقافات الأخرى، ورثوا الحكاية عن شعوب أسبق ــ حكاية قديمة إلى حد أنها تعود إلى بدايات الحضارة نفسها، وقد رُويت وأعيدت روايتها في تعاقب متصل. ومع تراكم الإضافات والزخارف، ظل جوهر القصة ثابتًا: لقد أصبحت البشرية ما هي عليه من خلال قفزة معرفية، كانت لها عواقب واسعة النطاق.

وهذا المنظور ينصف كلًا من داروين والقدماء. يخبرنا العلم الدارويني كيف تطورت أنواعنا من الناحية الجسدية، ومتى تقريبًا حدثت التغيرات المختلفة. أما الأساطير القديمة فتخبرنا كيف كان وقع ذلك وماذا كان معناه بالنسبة إلى أسلافنا وهم يعبرون تلك العتبات. فأحدهما من دون الآخر يظل ناقصًا. وكما قال أحد المعلقين المعاصرين، فإن القدماء والمحدثين امتلك كل منهم قطعًا من الأحجية نفسها، ونحن الآن في وضع يتيح لنا تركيبها. وقصة سفر التكوين، بهذا المعنى، هي شهادة قديمة على «الثورة البشرية» ــ وكأن البشر الأوائل تركوا لنا شهادة عيان، مصوغة بعبارات رمزية، عن يقظتهم الذاتية. ونحن المستفيدون من تلك الذاكرة الثقافية الطويلة، وبوسع العلم الآن أن يفك بعض رموزها.

الخلاصة: تركيب هيغلي للعلم والأسطورة#

اقترح جورج فيلهلم فريدريش هيغل أن الحقيقة كثيرًا ما تظهر من خلال التوفيق بين أطروحة ونقيضها، مع الحفاظ على الحقيقة الكامنة في كل منهما وتجاوز صراعهما. وفي سياقنا، يمكننا أن نرى التطور الدارويني بوصفه الأطروحة (التفسير التجريبي لأصول الإنسان)، وأن نرى أساطير الخلق بوصفها نقيض الأطروحة (التفسير التقليدي والروحي). وبدلًا من اختيار أحدهما ورفض الآخر، يقرّ التركيب بأن كليهما يحتوي على قدر من الحقيقة، إذ يعالج كل منهما أبعادًا مختلفة من القصة الإنسانية. فتطورنا البيولوجي وتطورنا المعرفي/الروحي وجهان لعملة واحدة.

ومن خلال قراءة أساطير الخلق بوصفها سجلات لتحولات حقيقية في النفس البشرية، نكرّم رؤى الحكمة القديمة من دون التخلي عن الصرامة العلمية. ويظهر سفر التكوين، بوجه خاص، بوصفه صادقًا ظاهراتيًا ــ سجلًا شعريًا لتحول البشرية إلى كائن واعٍ بذاته، وأخلاقي، ومبتكر. فهو يصوّر نهاية براءتنا الحيوانية وبداية الثقافة، بكل ما تنطوي عليه من بركات ونقِم. وهذا لا يقلل من قوة اكتشاف داروين؛ بل يضعه في سياقه. فالعلم التطوري يفسر لماذا يمتلك البشر أجسادًا شديدة الشبه بأجساد الرئيسيات الأخرى، وكيف نشأنا على مدى ملايين السنين. أما الأسطورة، فعلى العكس، فتفسر لماذا يختبر البشر أنفسهم بوصفهم مختلفين إلى هذا الحد عن الحيوانات الأخرى ــ إذ يمتلكون قدرة على التأمل الذاتي، وحرية أخلاقية، وإحساسًا بغاية إلهية. ويشير تركيب هذين المنظورين إلى أنه في نقطة معينة من تطورنا، حدثت قفزة كيفية ــ قفزة حُفظت في القصص بوصفها خلقًا أو «سقوطًا»، لأنها بدت لمن عاشوها (أو لذريتهم المباشرة) كما لو أن العالم قد انقلب رأسًا على عقب.

وفي هذه الرواية المتكاملة، لا يلزم أن يكون العلم والدين عدوين. ويمكننا أن نتخيل أن البشر الأوائل، إذ لاحظوا تغير وعيهم، ابتكروا أساطير لفهمه ــ أساطير صمدت آلاف السنين حتى دُوّنت في نصوص مقدسة. واليوم، وبفضل ما نملكه من بيانات أثرية ونظرية تطورية، يمكننا أن نقدّر تلك الأساطير على مستوى جديد. وكما يذهب أحد تحليلات سفر التكوين، فقد تكون القصة «تاريخًا حقيقيًا، ينسجم بسلاسة مع السجلين الأثري والجيني، وكذلك مع النظريات في اللسانيات وعلم النفس». وبعبارة أخرى، عندما يُفسَّر سفر التكوين وداروين بحكمة، فإنهما لا يتناقضان، بل يُغني أحدهما الآخر. فالفصول الأولى من الكتاب المقدس تنقل، في صورة رمزية، أحداثًا من الماضي السحيق للبشرية ــ اليقظة الأخلاقية والعقلية التي رافقت نضجنا البيولوجي.

وفي نهاية المطاف، يقدم هذا التركيب الهيغلي رسالة تبعث على الأمل. فهو يوحي بأن الحوار البشري الطويل بين الإيمان والعقل كان يتقارب نحو الحقائق نفسها من اتجاهات مختلفة. لقد حفظ أسلافنا قطعة من الحقيقة في أساطيرهم؛ وكشف العلم الحديث قطعة أخرى من خلال العقل والدليل. والآن، بجمعنا بين القطعتين، نكتسب فهمًا أشمل لأنفسنا. فنحن نتاج كل من البيولوجيا التطورية والوعي التطوري. أو كما صاغ أحد المؤلفين المعاصرين الأمر، تخبرنا أساطير الخلق كيف تطورت «أرواحنا»، بينما يخبرنا التطور كيف تطورت أجسادنا ــ وباجتماعهما تكتمل قصة من نكون.

وخلاصة القول، إن التوفيق بين سفر التكوين وداروين لا يعني إرغام قراءة حرفية للنص المقدس على التوافق مع البيانات العلمية، أو العكس. بل يعني إدراك أن الأساطير القديمة مثل سفر التكوين لم يُقصد بها قط أن تكون كتبًا مدرسية في علم الأحياء؛ وإنما كانت سرديات وجودية عن الحالة الإنسانية. وعند قراءتها على هذا النحو، ينسجم سفر التكوين مع داروين من خلال حفظ الجانب الداخلي من القصة التطورية ــ بزوغ الوعي الإنساني بالذات والروح. ومن ثم يمكن فهم سقوط آدم وحواء بوصفه نشوء الوعي الإنساني: حدثًا كان حقيقيًا وذا أهمية بقدر أي أحفورة أو طفرة جينية، اختار أسلافنا أن يخلّدوه بلغة الأسطورة. وهذا التركيب يُغني كلًا من رؤيتنا العلمية للعالم وتقديرنا للأسطورة، ويبرهن على أن العلم والأساطير، في سعينا إلى فهم أصول الإنسان، يقدمان إسهامات حيوية لكل منهما. ويمكن للحوار بينهما أن يقودنا، جدليًا، إلى حقيقة أسمى عن ذواتنا.


الأسئلة الشائعة#

س 1. هل يزعم هذا التركيب أن سفر التكوين تاريخ حرفي؟
ج. لا. يقرأ المقال سفر التكوين قراءة رمزية ــ بوصفه ذاكرة ظاهراتية ليقظة البشرية ــ لا بوصفه كتابًا مدرسيًا في علم الأحياء.

س 2. إذا كانت الأساطير رمزية، فلماذا نقارنها بالعلم أصلًا؟
ج. لأن كليهما يتناول أصول الإنسان من زاويتين متكاملتين: فالعلم يصف العمليات الفيزيائية، بينما تلتقط الأسطورة التجربة الداخلية.

س 3. ما الدليل الذي يلمح إلى قدرة الأساطير على حفظ الأحداث لآلاف السنين؟
ج. توثق الجيوميثولوجيا تقاليد شفهية تتذكر بدقة ثورانات بركانية وارتفاعًا في مستوى سطح البحر قبل 7–10 آلاف سنة، مما يشير إلى قدرة القصص الجوهرية على الاستمرار عبر مقاييس زمنية شاسعة.


المصادر#

  • Darwin, Charles. On the Origin of Species, 1859 (للمفهوم العام للتطور بالانتخاب الطبيعي).
  • Eliade, Mircea. Myth and Reality. New York: Harper & Row, 1963 (حول الأساطير بوصفها ناقلة لحقائق عميقة).
  • Stewart, D. “The Emergence of Consciousness in Genesis 1–3: Jung’s Depth Psychology and Theological Anthropology.” Zygon: Journal of Religion and Science 49.2 (2014): 509–529.
  • Glaser, S.Z. “The Evolution of Civilization: The Biblical Story.” TheTorah.com (2015).
  • Mithen, Steven. “Did farming arise from a misapplication of social intelligence?” Phil. Trans. Royal Society B 362 (2007): 705–718.
  • Cutler, A. “Eve Theory of Consciousness”. Seeds of Science 6 (2023).
  • Cutler, A. “The Eve Theory of Consciousness.” Seeds of Science (2023).
  • أساطير وأمثلة إثنوغرافية إضافية: Berezkin, Yuri. Themes in World Mythology (حول الرموز العالمية للثعابين)؛ التقاليد الشفهية للسكان الأصليين الأستراليين بشأن ارتفاع مستوى سطح البحر؛ أسطورة قبيلة كلاماث عن ثوران بحيرة كريتر؛ الأوبانيشاد (ترجمة Olivelle، 1998)؛ إلخ.
  • حول سمّ الثعابين والحالات المتغيرة: Devendra Jadav et al., “Snake venom – An unconventional recreational substance for psychonauts in India,” J. of Forensic and Legal Medicine 58 (2022).