الخلاصة
- تظهر أداة الطنين (bullroarer) – وهي شريحة خشبية تُدار في الهواء – في كل قارة مأهولة، وتكون دائمًا تقريبًا «الصوت السري للأرواح» في طقوس استهلال الفتيان.
- تقول الأساطير من أستراليا إلى الأمازون إن النساء امتلكن أداة الطنين أولًا قبل أن ينتزعها الرجال منهن، وهي فكرة يصعب تفسيرها بالمصادفة (Bullroarer Atlas: women-first charter myths).
- تشير المكتشفات الأثرية التي يعود تاريخها إلى نحو ∼18 000 ق.م.، وكذلك موقع غوبكلي تبه النيوليتي، إلى أن الطقس نشأ في العصر الحجري القديم المتأخر.
- تشير الحزمة المتسقة من الطقوس (الموت والبعث، ومَحظور النساء، ورمزية الرعد/الأفعى) إلى انتشار ثقافي قديم، لا إلى اختراع مستقل.
1. المقدمة والأطروحة#
إن أداة الطنين جهاز بسيط على نحو خادع – لوح أو شريحة مسطحة موصولة بحبل – لكنه يصدر، عند تدويره في الهواء، صوتًا غريبًا يشبه الزئير أو الأزيز. وقد تبدو هذه «اللعبة الدوّارة» المتواضعة مفتاحًا غير محتمل لفهم عصور ما قبل التاريخ البشري. غير أن انتشار أداة الطنين في أنحاء العالم، وأدوارها الطقسية المتسقة على نحو لافت، يطرحان لغزًا أنثروبولوجيًا كلاسيكيًا. فمن المناطق النائية الأسترالية إلى غابات الأمازون المطيرة، ومن الجنوب الأفريقي إلى اليونان القديمة، وُثّقت تنويعات من أداة الطنين في مئات الثقافات. والمثير للدهشة أنه حيثما ظهرت ارتبطت بتقاليد مقدسة. فهي عادةً «صوت إله» أو روح سلف، وشيء شعائري سري يُستخدم خصوصًا في طقوس استهلال الذكور، كما أنه مَحظور على النساء والفتيان غير المستهلّين أن يروه. والأكثر إثارة للاهتمام أن أساطير ثقافات كثيرة تقول إن أداة الطنين الأولى ابتكرتها النساء ثم سرقها الرجال لاحقًا – وهي أسطورة متكررة على نحو غريب عن صراع بدائي بين الجنسين. وهذه المتوازيات المعقدة تستدعي تفسيرًا.
طُرح تفسيران واسعان. أولهما الاختراع المستقل – أي أن العقول البشرية، في أزمنة وأماكن مختلفة، توصلت إلى الحل نفسه (صانع ضجيج يُدار في الهواء) وألصقت به دلالات متشابهة بحكم الكليات النفسية. أما الرأي الآخر فهو الانتشار الثقافي من أصل مشترك – أي أن أداة الطنين والأساطير المصاحبة لها بدأتا مرة واحدة (أو في عدد محدود من الأماكن) في أعماق التاريخ البشري، ثم انتشرتا على نطاق واسع عبر الهجرات والاتصالات. وينطوي هذا السيناريو الأخير على استمرارية بعيدة المدى: فربما كان هناك طقس أو مركب شعائري قديم اشترك فيه أسلاف البشرية، وحُفظ في صورة شظايا داخل مجتمعات متباعدة ما تزال قائمة اليوم. وفي أواخر القرن التاسع عشر، احتلت أداة الطنين مكانة مركزية في النقاشات بين هذين النموذجين. فقد رأى باحثون أوائل، مثل أندرو لانغ، أن العقول المتشابهة يمكن أن تخترعها في أي مكان، مما يجعل الأصل الواحد «غير ضروري». وعلى النقيض، حشد أنصار الانتشار أدلة على أن أداة الطنين متشابهة على نحو متسق أكثر من اللازم بين الثقافات بحيث لا يمكن أن يكون ذلك محض مصادفة. بل إنه بحلول عام 1929، أشارت حتى مجلة Nature إلى ميل العلماء نحو الانتشار، ومفاده أن «مركب أداة الطنين» من الطقوس والأساطير نشأ على الأرجح في طبقة ثقافية قديمة واحدة، ثم انتقل إلى أنحاء العالم.
لكن فرضيات الانتشار واسعة النطاق فقدت رواجها في الأنثروبولوجيا خلال العقود الأخيرة. وقد أُهملت مسألة التاريخ العالمي لأداة الطنين، حتى مع تراكم أدلة جديدة في علم الإثنوغرافيا والأساطير والآثار. وتعيد هذه الورقة النظر في لغز أداة الطنين العالمي، وتجادل بأن انتشارها ووظائفها ورمزيتها تُفسَّر على أفضل وجه بالانتشار من مصدر ثقافي مشترك. وللقراء الذين يرغبون في سرد موجز، انظروا إلى مقالتي على Substack بعنوان “The Bullroarer: a history of man’s most sacred ritual object”. ويمثل انتشار أداة الطنين عبر القارات صعود الثقافة الطقسية «البشرية بالكامل» – ولا سيما نشوء جماعات أخوية ذكورية منظمة قائمة على السرية، وطقوس الاستهلال. وسنستعرض البصمة العالمية اللافتة لأداة الطنين وارتباطاتها الطقسية المتسقة، مسلطين الضوء على الأنماط التي تتطلب تفسيرًا. ثم نستعرض الجدل بين الاختراع المستقل والانتشار في ضوء قرن من البحث العلمي، ونخلص إلى أن تراكم الأدلة يرجح بقوة التفسير الانتشاري. واستنادًا إلى علم الآثار، والأساطير المقارنة، والأنثروبولوجيا المعرفية، نقترح أن مركب أداة الطنين قد يعود إلى العصر الحجري القديم المتأخر بوصفه تراثًا مشتركًا للإنسان العاقل المبكر. وهذا سيجعل أداة الطنين مؤشرًا غير مباشر على متى وكيف طور أسلافنا الحياة الاحتفالية المنظمة – بما في ذلك فصل استهلالات الرجال السرية وإخضاع النساء من خلال الطقوس. وفي الأقسام الأخيرة، نستكشف المعاني الرمزية لصوت أداة الطنين (بوصفه رعدًا وإعصارًا وثعبانًا سماويًا)، وننظر في الدلالات المترتبة على ذلك: وهي أن أكثر الطقوس القبلية «بدائية» ليست إلا أصداء لتراث عميق يعود إلى ما قبل التاريخ. ومن خلال تتبع مسار أداة الطنين عبر آلاف السنين، نواجه احتمال أن يكمن تحت تنوع ثقافات العالم ركيزة مبكرة مشتركة من الأفكار والممارسات. وبهذا المعنى، فإن دراسة أداة الطنين هي استخلاص درس في الفولكلور وأصول الإنسان – درس قد يساعدنا على فهم من نكون ومن أين أتينا.
2. الخط الزمني الأثري لأداة الطنين#
تشير المكتشفات الأثرية إلى أن أداة الطنين ليست منتشرة إثنوغرافيًا فحسب، بل هي أيضًا واحدة من أقدم الأدوات الطقسية لدى البشرية. وتظهر مصنوعات محتملة لأداة الطنين منذ العصر الحجري القديم الأعلى في مناطق متعددة. ففي أوروبا، أسفرت سياقات العصر الجليدي عن أشياء مسطحة مثقبة ذات زخارف محفورة، تشبه إلى حد كبير أدوات الطنين المعروفة إثنوغرافيًا. فعلى سبيل المثال، أبلغ الأب هنري برويل عام 1907 عن قطعة منحوتة من العاج من رواسب المجدلينية (~15,000–13,000 ق.م.) في دوردوني، فرنسا، تحمل أنماطًا هندسية من الخطوط والدوائر تشبه التجورونغا (ألواح أداة الطنين المقدسة) لدى السكان الأصليين الأستراليين. وقد عرّف برويل القطعة بأنها أداة طنين من العصر الحجري القديم، بل افترض أن «تبجيلًا مماثلًا ربما كان سائدًا في العصر المجدلي»، بمعنى أن مثل هذا الشيء ربما كان يُحفظ سرًا عن النساء كما في الطقوس الأسترالية الأصلية. ولم يكن هذا الاكتشاف منفردًا. فقد أشار علماء الآثار منذ ذلك الحين إلى عدة أدوات طنين محتملة ضمن عدة العصر الحجري القديم الأعلى: أمثلة من العصر السولوتري (~20,000 سنة قبل الحاضر) من مواقع مثل ليسبوغ، فرنسا (لوحة عظمية ذات ثقب محفور)، ومصنوعات مجزأة من ميجيريتش، أوكرانيا (~17,000 سنة قبل الحاضر) فُسرت على أنها صانعات ضجيج تُدار في الهواء. ومن عصر الميزوليتي، عُرّف جسم عظمي عمره نحو ~8,500 سنة من إسكندنافيا بأنه أداة طنين – وهو في الواقع أقدم آلة موسيقية معروفة في تلك المنطقة. وتدعم هذه المكتشفات جميعًا وجود أداة الطنين في أعماق أوروبا ما قبل التاريخ.
وفي الشرق الأدنى، تقدم المجتمعات الزراعية المبكرة أدلة مثيرة للاهتمام أيضًا. ففي تشاتال هويوك في الأناضول (تركيا)، نحو عام 7000 ق.م.، اكتشف المنقبون معلقات عظمية ذات ثقوب عُرّفت «مبدئيًا» بأنها أدوات طنين صغيرة. وعلى الرغم من صغر حجمها، أظهرت هذه الشرائح العظمية المثقبة آثار اهتراء التعليق بما يتسق مع تدويرها على حبل. وفي الوقت نفسه، عثر علماء الآثار في موقع غوبكلي تبه من العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري في جنوب شرقي تركيا (نحو 9500 ق.م.) – الذي يُسمى غالبًا أقدم مجمع معابد في العالم – على عدة قطع عظمية بيضوية ممدودة ذات ثقوب مركزية. وتشبه هذه الأشياء، التي سُمّيت في التقارير «ملاعق عظمية»، أدوات الطنين المعروفة إثنوغرافيًا شبهًا لافتًا من حيث الشكل والحجم. بل إن قطع غوبكلي تبه تتضمن زخارف أيضًا: فعينة من كورتك تبه القريبة محفور على امتدادها نقش أفعى متعرج. وهذه التفصيلة موحية، بالنظر إلى أن أدوات الطنين في الثقافات اللاحقة ارتبطت غالبًا بالأفاعي (كما سنناقش). وقد لاحظ المنقبون الأصليون بحذر التشابه مع أدوات الطنين، وأقروا بأن هذه المجتمعات النيوليتية «ربما كانت لديها مثل هذه الأدوات». وبالفعل، أنتجت إعادة تجريبية لأداة طنين نيوليتية من الخشب الصلب زئيرًا عميقًا نابضًا بالحياة – مما يبرهن على أن هذه المصنوعات، لو كانت مصنوعة من الخشب، لأدت وظيفتها المقصودة.
وخارج أوراسيا، بقي عدد قليل من أدوات الطنين الفعلية من العصور القديمة بسبب تلف المواد القابلة للتحلل، لكن ثمة إشارات. ففي مصر الفرعونية، تبدو قطعة أثرية غريبة مصورة في رسوم مقبرة توت عنخ آمون، العائدة إلى القرن الرابع عشر ق.م.، شبيهة بأداة طنين (جسم مسطح مستطيل موصول بحبل). ولو تأكد ذلك، لوضع أداة الطنين في العالم المتوسطي القديم. كما تكهن بعض الباحثين بأن بعض «الشرائح» الشعائرية من سياقات مينوية تعود إلى العصر البرونزي ربما كانت تُدار لإصدار صوت، رغم افتقار ذلك إلى أدلة واضحة. وعلى الجانب الآخر من العالم، فُسرت عدة مصنوعات خشبية وعظمية في أمريكا الشمالية ما قبل كولومبوس على أنها أدوات طنين؛ فعلى سبيل المثال، أسفرت مواقع هوهوكام في أريزونا (نحو 500–1100 م.) عن آلات ذات شرائح خشبية يُعتقد أنها استُخدمت في الإشارات الاحتفالية. وفي الفن الصخري، تُظهر لوحة صخرية سانّية لافتة في جبال سيدربرغ بجنوب أفريقيا (يعود تاريخها غير مؤكد، وربما إلى الهولوسين المتأخر) ثمانية أشكال بشرية تلوّح بأدوات شبيهة بأدوات الطنين، مما يشير إلى استخدامها في طقوس استنزال المطر لدى شعوب العصر الحجري اللاحق.
ولتجميع السجل الأثري، نقدم خطًا زمنيًا مشروحًا لأبرز مكتشفات أداة الطنين وإشاراتها، يمتد من العصر الجليدي إلى الحاضر الإثنوغرافي. ويسرد هذا الجدول الموقع أو الثقافة، والتاريخ التقريبي (المعاير)، ومادة الشيء ووصفه، وسياق استخدامه أو اكتشافه، ومرجعًا أساسيًا.
| الموقع / الثقافة | التاريخ (المعاير) | المادة والوصف | السياق (الاستخدام أو الاكتشاف) | المرجع الأساسي |
|---|
| لا روش (دوردوني)، فرنسا – جماعات الصيد والجمع الماغدالينية | نحو 15,000 قبل الميلاد (العصر الحجري القديم الأعلى المتأخر) | لوحة من العاج منحوتة، طولها 18 سم، عليها نقوش لدوائر متحدة المركز وثقب | رواسب كهفية؛ عُرِّفت بأنها أول أداة طنين معروفة من العصر الحجري القديم، وربما كانت غرضًا مقدسًا للرجال يُحجَب عن النساء | Breuil 1907 (ضمن) | | ليسبوغ، فرنسا – الثقافة السولوترية | نحو 18,000 قبل الميلاد | قلادة مسطحة من العظم، فيها ثقب عند أحد الطرفين | مكتشفة في مأوى صخري؛ افترض أنها أداة صوتية (ضمن فهرس دوفوا لأدوات الطنين السولوترية) | Dauvois 1989 (ضمن) | | ميجيريتش، أوكرانيا – الإيبيغرافيتي (سهوب الماموث) | نحو 17,000 قبل الميلاد | غرض مسطح مجزأ ذو ثقب مركزي | موقع مسكن من عظام الماموث؛ فُسِّر بأنه شظايا محتملة لأداة الطنين | M. Kozlowski 1992 (ضمن) | | شتلّموور، ألمانيا – الثقافة الأهرنسبرغية | نحو 10,700 قبل الميلاد (درياس الأصغر) | عصا خشبية (أداة طنين محتملة) ذات حزوز | معسكر صيد في مستنقع خثي؛ عُثر عليها قرب بقايا الرنّة، وكان يمكن أن تُصدر صوتًا هدّارًا | Maringer 1982 (ضمن) | | ليلا لوشولت، السويد – الجماعات الميزوليتية | نحو 6500 قبل الميلاد | نصل عظمي، طوله 11 سم، مثقوب عند الطرف | مستوطنة على ضفة بحيرة؛ أقدم أداة موسيقية في شمال أوروبا (أداة الطنين) | Fischer 2009 (ضمن) | | غوبكلي تبه، تركيا – العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري | نحو 9500 قبل الميلاد | «ملاعق» بيضوية من العظم، منقوشة، ذات ثقوب منحرفة عن المركز | مجمّع مزار على قمة تل؛ عُثر عليها في سياق طقوسي، وهي تطابق شكل أداة الطنين تطابقًا وثيقًا (إحداها منقوشة بتصميم ثعبان) | Dietrich & Notroff 2016 | | كورتك تبه، تركيا – العصر الحجري الحديث ما قبل الفخاري | نحو 8700 قبل الميلاد | قلادة من العظم المنحوت، عليها رسم ثعبان، وثقب قرب الطرف | لقى جنائزية منزلية؛ غرض طقوسي مرجَّح أنه كان موضع تقدير، وقد أنتجت نسخة تجريبية منه هديرًا مرتفعًا | Özkaya & Coşkun 2011 (ضمن) | | تشاتال هويوك، تركيا – العصر الحجري الحديث الفخاري | نحو 7000 قبل الميلاد | مجموعة من 13 قلادة من العظم/قرون الحيوان، طولها 5–8 سم، مثقوبة | عُثر عليها في غرف المزارات ومكبات النفايات؛ اعتُقد في البداية أنها حُلِيّ «غير مكتملة»، ثم اقتُرح أنها أدوات الطنين (صُقِلت نتيجة تعليقها) | Russell 2005 | | قبر توت عنخ آمون، مصر – الدولة الحديثة | نحو 1330 قبل الميلاد | شرائح خشبية مطلية (زوج)، موصول بها حبلان | مجموعة لقى جنائزية ملكية؛ صُوِّرت في فنون المقبرة بوصفها أغراضًا تُدار حول نفسها، وربما كانت أدوات الطنين احتفالية تُستخدم في طقوس المعبد | Kunst 1960 (فرضية، ضمن) | | إليوسيس واليونان الديونيسية – العصر الكلاسيكي (اليونان) | نحو 600–300 قبل الميلاد | أدوات الطنين «رومبوس» (خشبية) مذكورة في النصوص | طقوس عبادة الأسرار؛ كانت تُدار لتقليد الأصوات الرعدية للآلهة (وتُستخدم إلى جانب الطبول والأناشيد) | Clement of Alexandria نحو 190 م (مذكور ضمن) | | سناكتاون (أريزونا)، الهوهوكام – أمريكا الشمالية | نحو 500 م – 1100 م | شريحة خشبية (مسطحة، مستطيلة مستديرة الأطراف)، طولها نحو 30 سم، عليها أثر احتكاك الحبل عند الطرف | استُخرجت من حفرة احتفالية داخل مسكن؛ ومن المرجح أنها استُخدمت في طقوس استمطار المطر أو طقوس البلوغ (من أمثلة جنوب غربي الولايات المتحدة) | Gladwin 1937 | | أرونتا (أررنتي)، أستراليا الوسطى – إثنوغرافي | لوحظت في تسعينيات القرن التاسع عشر (استخدام تقليدي) | أداة الطنين («تْجورونغا») من خشب صلب، بيضوي، مطلي، طوله نحو 40 سم | غرض سري لطقوس استهلال الرجال؛ يُدار لإصدار «صوت توانييريكا» الروح أثناء طقوس الختان. ويُحفظ مخفيًا عن النساء والصبيان غير المستهلّين تحت طائلة الموت. | Spencer & Gillen 1899 | | يوروباري (قبائل توكانو، شمال غربي الأمازون) – إثنوغرافي | لوحظت بين سبعينيات القرن التاسع عشر وثلاثينيات القرن العشرين (استخدام تقليدي) | مجموعة ناي مقدسة وأداة الطنين («أدوات يوروباري») من الخشب، بأحجام مختلفة | عبادة استهلال الرجال؛ تُستخدم لإصدار هدير شبيه بزئير النمر. الأسطورة: كانت النساء يحزْن هذه الأدوات في وقت من الأوقات، لكن الرجال استولوا عليها ومنعوا النساء من رؤيتها قط تحت طائلة الموت. | Stradelli 1890؛ Fulop 1950 (ضمن) | | هوبي (بويبلو)، جنوب غربي الولايات المتحدة – إثنوغرافي | لوحظت في العقد الأول من القرن العشرين (طقوس البويبلو) | أدوات الطنين خشبية («نغوزو»)، مطلية، صغيرة (15–20 سم) | تُستخدم في طقوس استمطار الكاتشينا وفي استهلال الصبيان؛ يرمز صوتها إلى الريح والرعد، ويُعتقد أنه يستدعي المطر وروح الأم الأرض. وتُمنع النساء والفتيات من رؤية دورانها أثناء الطقوس. | Fewkes 1898؛ Haddon 1898 (مذكور ضمن) |
الجدول: أبرز مواضع ظهور أدوات الطنين في علم الآثار والإثنوغرافيا. تواريخ المواقع ما قبل التاريخية معايرة وفقًا للتأريخ قبل الميلاد؛ أما «التواريخ» الإثنوغرافية فتشير إلى فترة التوثيق. وتوضح هذه الأمثلة الحضور المستمر لأداة الطنين الدوّارة من العصر الحجري القديم المتأخر إلى المجتمعات التقليدية الحديثة. المصادر: Breuil (1907)؛ Dauvois (1989)؛ Rusch وآخرون (2018)؛ Dietrich & Notroff (2016)؛ Russell (2005)؛ Spencer & Gillen (1899)؛ Stradelli (1890)؛ Haddon (1898)؛ وغيرهم (انظر النص).
كما يبيّن الجدول والمصادر، يمكن تتبّع مسار أداة الطنين عبر القارات والعصور. فبحلول العصر الحجري الحديث، يبدو أن أدوات الطنين كانت جزءًا من عدة الأدوات الطقوسية لدى مجتمعات الزراعة المبكرة – أي عند فجر الدين المنظَّم نفسه – كما يتضح في غوبكلي تبه وتشاتال هويوك. وفيما بعد، تظهر في حضارات العصرين البرونزي والحديدي ضمن سياقات عبادات الأسرار (اليونان ومصر). كما أنها تستمر في الحاضر الإثنوغرافي لدى ثقافات أصلية كثيرة في أنحاء العالم. إن هذا الاستمرار لافت للنظر. ونرى أنه حيثما كان وجود أدوات الطنين موثقًا توثيقًا راسخًا، فإنها تظهر في الغالب الساحق بوصفها أغراضًا مقدسة مرتبطة بالاستهلال وسحر الطقس. وفي ما يلي نتعمق في المركّب الأسطوري والطقوسي المحيط بهذه الآلة – وهو مركّب موحَّد على نحو لافت، وُجد من أستراليا إلى الأمازون.
3. المركّب الأسطوري-الطقوسي: الاستهلال و«السرقة من النساء» والولادة الرمزية من جديد#
أينما استُخدمت أداة الطنين، وجدنا مجموعة مشتركة من الأساطير والطقوس والرموز. وقد أبدى عالم الإثنوغرافيا إي. بي. تايلور في عام 1905 دهشته من أن شعوبًا متباعدة مثل الهوبي واليونانيين، أو السكان الأصليين الأستراليين والهنود البرازيليين، كانت جميعًا تستخدم أداة الطنين للأغراض الطقوسية نفسها. وقد أكّد أكثر من قرن من البحث نواةً من الموضوعات المشتركة: إذ يُفسَّر صوت أداة الطنين بأنه صوت كائن خارق للطبيعة؛ ويُستخدم في احتفالات الاستهلال السرية للرجال تنطوي غالبًا على موت الصبيان ورجوعهم إلى الحياة رمزيًا بوصفهم رجالًا؛ وتُسوَّغ هذه الطقوس عادةً بأساطير انتزع فيها الرجال القوة الطقوسية (أداة الطنين) من النساء في الأزمنة البدئية. وسنوضح هذا المركّب بأمثلة من أربع مناطق ثقافية: أستراليا الأصلية، وحوض الأمازون (عبادة يوروباري)، واليونان القديمة، وهنود البويبلو في أمريكا الشمالية. وتبرز كل حالة العناصر المتكررة المتمثلة في استهلال الرجال ودافع «السرقة من النساء».
حُلم السكان الأصليين الأستراليين: صوت توَانييريكا#
في تقاليد السكان الأصليين الأستراليين، تُعد أداة الطنين (المعروفة بأسماء مثل تْجورونغا وتُرندُن وغيرهما) مقدسة بعمق ومشبعة بالمعنى الأسطوري. فعلى سبيل المثال، بين شعب الأررنتي (الأرونتا) في أستراليا الوسطى، يُعتقد أن هدير أداة الطنين هو صوت روح قوية تُدعى توَانييريكا. وأثناء استهلال الصبيان (الذي يشمل طقوس الختان أو الشقّ التحتي)، يدير الشيوخ أدوات الطنين في الظلام حول الساحة الاحتفالية، ويُقال للنساء والأطفال إن هذا الصوت المرعب هو توَانييريكا نفسه، وقد جاء «ليبتلعهم» ويأخذهم بعيدًا لبعض الوقت. وفي أسطورة الأررنتي التي رواها بالدوين سبنسر، يستولي توَانييريكا بالفعل على الشاب المختون حديثًا، فيأخذه إلى الأدغال من أجل تحوّله، ثم «يقتله» لاحقًا ويعيده إلى الحياة رجلًا ناضجًا. وتؤمن النساء حقًا بأن الطنين الهادر المرتفع هو صوت توَانييريكا – ويُمنعن من معرفة أنه صادر عن شريحة خشبية. وإذا رأت أي امرأة أداة الطنين، تقضي شريعة القبيلة بقتلها بتهمة تدنيس المقدس. ويؤكد هذا المحظور الصارم قداسة الأداة.
ويصف أحد الحسابات الإثنوغرافية من عام 1904 اللحظة التي تلي عملية الصبي: «أثناء الختان، يُسمع صوت أداة الطنين من كل جانب في الأدغال المظلمة. وتنوح النساء قائلات إن توَانييريكا قد جاء وأخذ الصبي. وبينما يُعزل الشاب للتعافي، يقلن إن توَانييريكا يبقيه مخفيًا، وهو يدير أداة الطنين باستمرار. فإذا أفشى الصبي الأسرار يومًا، حمله توَانييريكا بعيدًا إلى الأبد». وفي معتقد الأررنتي، يُبتلع المبتدئ رمزيًا «على يد الروح» (إذ يحيط به الصوت الهادر)، ثم، بعد أسابيع من العزلة، «يُبصق» من جديد رجلًا (Bullroarer Atlas: the swallowing-rebirth initiation complex). وهكذا تنسّق أداة الطنين موت المبتدئ وقيامته، معلنًا حضور قوة الأسلاف صوتيًا. ومن اللافت أن الأررنتي وجماعات مجاورة كثيرة تقول إن جوهر روح كل طفل موجود في لوح أداة الطنين مقدس (تْجورونغا) حتى قبل ولادته. وفي مرويات زمن الحلم (Dreaming) لديهم، حملت كائنات الأسلاف الأولى أدوات الطنين بوصفها أوعية للروح – صلة مباشرة بين الغرض وأصل الحياة. ونرى هنا كيف أن أداة الطنين أبعد بكثير من أن تكون مجرد أداة لإحداث الضجيج: إنها رمز للهوية والروح، والتجسيد المادي للسلطة الروحية الذكورية. ومن خلال التحكم في التْجورونغا و«صوته»، يتحكم الرجال المستهلّون في قناة الاتصال بعالم الحلم، ويبقون النساء خاضعات في المسائل الطقوسية.
يجدر التنبيه إلى أنه، في حين تؤكد الأساطير الأسترالية أن أداة الطنين الدوّارة هي صوت روح وأداةٌ لاستهلال الذكور، فإن بعض التقاليد الأسترالية الأصلية تحتوي أيضًا على تلميحات إلى موضوع «أصل النساء». فعلى سبيل المثال، لدى شعب يولوغو في أرض أرنهيم أسطورة أختا واويلاك، تشهد فيها أختان سلفاويان، من غير قصد، طقسًا مقدسًا (تتخلله أصوات شبيهة بأصوات أداة الطنين تصدر عن أفعى قوس قزح)، فتتسببان بذلك في فيضان عظيم إلى أن يعيد الرجال ترتيب الطقوس. وفي بعض قبائل كوينزلاند، تنص أسطورة أداة الطنين صراحةً على أن النساء كنّ يتمتعن ذات مرة بسلطة عظيمة، إلى أن فرض الرجال هيمنتهم، بفضل حيل سرية باستخدام أداة الطنين. وبوجه عام، يفسّر شيوخ السكان الأصليين لغز أداة الطنين بأنه متجذّر في «رغبة الرجال في إقناع النساء بفكرة التفوق الذكوري». ومن الناحية الوظيفية، تُفهم طقوس أداة الطنين في أستراليا (من جانب علماء الأنثروبولوجيا وبعض شيوخ السكان الأصليين) بوصفها وسيلةً لتضامن الرجال بعضهم مع بعض، وتأكيد امتلاكهم للسلطة الدينية، وإبقاء النساء في حالة رهبة وخوف من قوى روحية يسيطر عليها الرجال. وتتكرر هذه الدينامية نفسها على نطاق عالمي.
يوروباري الأمازوني: النايات المسروقة من النساء#
لا يظهر موضوع «السرقة من النساء» في أي مكان بروزًا يفوق بروزه في الطقوس السرية الذكورية في الأراضي المنخفضة بأمريكا الجنوبية. فحوض الأمازون موطن عشرات القبائل التي تحتفظ نايات مقدسة وأبواق وأدوات طنين دوّارة لا يستخدمها إلا الرجال المبتدأون. ولعل أشهرها طقوس يوروباري في شمال غرب الأمازون (شعوب توكانوية وأراواكية) (Bullroarer Atlas: Desana nurá-mee, Vaupés). وتتمحور طقوس يوروباري حول نايات طويلة يبلغ طولها قدمًا، وإلى جانبها أدوات الطنين الدوّارة تمثل أصوات أبطال أرواحيين ذوي قوة. ويُحظر حظرًا صارمًا على النساء أو الفتيان غير المستهلّين رؤية هذه الآلات، تحت طائلة الاغتصاب الجماعي أو الموت، وفقًا للقانون التقليدي. ويكمن أساس هذه القاعدة القاسية في أسطورة أصل يوروباري، التي تُعدّ في الغالب واحدةً من الملاحم العظيمة لخلق العالم في الأمازون.
توجد روايات متعددة لأسطورة يوروباري، لكنها تشترك في حلقات أساسية. ففي إحدى الروايات كثيرة الاستشهاد (التي سجلها J. C. Barbosa في عام 1914، استنادًا إلى رواية باللغة التوكانوية)، وُلد بطل الثقافة Yurupary من امرأة عذراء (حملت بفضل ثمرة سحرية)، ونشأ ليؤسس الطقوس المقدسة للرجال. وأصدر يوروباري مرسومًا يقضي بألا ترى النساء الآلات الطقسية أو يتعلمن الأناشيد المصاحبة لها أبدًا، تحت طائلة الموت. غير أن هذا النظام الذكوري الجديد يواجه لاحقًا تحديًا دراميًا في الأسطورة: فابنة الشمس (وهي شابة من الجماعة) تتسلل عند الفجر وتكتشف نايات يوروباري المخفية عند النهر، قبل أن يستيقظ أخوها الكسول. ثم تسرق الآلات المقدسة بجرأة وتهرب بها مع أخواتها ومع جميع نساء القرية. وبما أن النساء أصبحن الآن مالكات للنايات، ينقلب النظام الاجتماعي: فتتولى النساء الطقوس ويكرسن أنفسهن للمراسم، بينما يُترك الرجال لأداء الأعمال اليومية الدنيوية؛ بل إن الرجال، في بعض الروايات، يبدأون في الحيض بوصف ذلك عكسًا رمزيًا للأدوار. ويغدو هذا الوضع غير محتمل بالنسبة إلى الرجال. فيتآمرون لاستعادة النايات بالقوة. وفي الأسطورة، يستخدم الرجال أشياء طقسية خاصة بهم ــ سياطًا من الكروم وأدوات الطنين الدوّارة ــ لترهيب النساء. وحين تسمع النساء «الأصوات» الطنانة الرهيبة وتشعر بلسع السياط، تصاب بالهلع وتستسلم. ويستولي الرجال على النايات من جديد، ومعاقبةً للمرحلة الانتقالية، يلعنون النساء بالحيض الدائم، ويصدرون مرسومًا يقضي بقتل أي امرأة تنظر، من ذلك الحين فصاعدًا، إلى النايات أو تسمع أسرار يوروباري. ومنذ ذلك الوقت، لا يحمل يوروباري إلا الرجال، وتُستبعد النساء إلى الأبد.
أسطورة يوروباري (التوكانو) – «في الأزمنة البدئية، كانت النساء يحكمن. سرقت المرأة الأولى النايات المقدسة للشمس. فجمعت هي وأخواتها آلات يوروباري المقدسة وفررن إلى الغابة. وانقلب العالم رأسًا على عقب: كان الرجال ينزفون مثل النساء ويكدحون في الأعمال النسائية، بينما كانت النساء ينشدن ويتواصلن مع الأرواح. لذلك تآمر الرجال لاستعادة النظام. فصنعوا سياطًا من الكروم ونحتوا ألواحًا دوّارة صغيرة. واختبؤوا بين الأشجار، وأداروا الألواح بحبال طويلة ــ zuuuuuu، صوتًا مروّعًا ــ ثم اندفعوا إلى الخارج وهم يضربون النساء. فاستسلمت النساء، وقد أرعبهن صوت juruparí الدوّار. واستعاد الرجال النايات، وبقوة الرعد واللسع سنّوا قانونًا جديدًا: منذ ذلك اليوم، أصبحت موسيقى يوروباري ملكًا للرجال وحدهم. وكل امرأة ترى النايات أو تسمع السر تُقتل. وهكذا قلب الرجال النظام الأمومي القديم رأسًا على عقب.»
(ما سبق إعادة صياغة تركيبية مستخلصة من مصادر أمازونية عدة، من بينها أسطورة يوروباري التوكانوية كما جمعها Stradelli (1890)، والملخص الوارد في Encyclopedia of Religion. والمصطلحات التوكانوية الأصلية هي: النايات المقدسة japurá أو yuruparí، أما أداة الطنين الدوّار فيُسمّى whaipopo في بعض الروايات. وفي اللغة العامة النهيينغاتو: «as mulheres pegaram os instrumentos do Juruparí…» إلخ.)
تتردد أصداء أسطورة يوروباري بوضوح في الطقوس الأمازونية الفعلية التي لوحظت في القرنين التاسع عشر والعشرين. فقد روى الرحالة الأوروبيون (ثم علماء الأنثروبولوجيا لاحقًا) كيف كان الرجال، أثناء احتفالات يوروباري، يديرون أدوات الطنين ويعزفون الأبواق الطويلة في ساحة القرية، في حين كانت النساء والأطفال يُحجزون في منازلهم تحت التهديد. وللاستشهاد بحالة أخرى، فإن احتفال النايات لدى الموندوروكو في الأمازون الأوسط يتضمن أداءً تمثيليًا تنعى فيه النساء رمزيًا سلطتهن المفقودة. ففي أسطورة الموندوروكو، كانت ثلاث نساء هنّ أول من عثر على نايات كاروكورو في بحيرة؛ ثم خدعهن الرجال واستولوا على النايات، فجعلهن ذلك يندبن حزنًا. وفي الطقس السنوي اليوم، تقوم نساء الموندوروكو «بإغلاق أنفسهن في بيوتهن والبكاء بصوت عالٍ»، بينما يسير الرجال حولهن وهم يعزفون النايات؛ وهو إعادة تمثيل مباشرة لانتقال السلطة الأسطوري. وخلصت عالمة الأنثروبولوجيا Yolanda Murphy، التي درست الموندوروكو، إلى أن «مجمل مركّب الطقوس العلنية لدى الموندوروكو مستمد من مبدأ التنافس بين الجنسين على السلطة». فأداة الطنين (وآلات الصوت المقدسة ذات الصلة) هي الأسلحة التي يفرض به الرجال تلك السلطة. وعبر أرجاء الأمازون، يظل النمط قائمًا: فكثيرًا ما يذكر الموروث القبلي أن «النساء كنّ في البداية يملكن الآلات المقدسة والسلطة، إلى أن انتزعها الرجال منهنّ بعنف». وتؤدي هذه الأساطير وظيفة مواثيق تبرر احتكار الرجال للطقوس واستبعاد النساء. وغالبًا ما تكون الوحشية لافتة (إذ يقتل الرجال النساء أو يغتصبونهن في القصص)، وتُروى بنبرة واقعية لا مبالية مفادها أنهن «استحققن ذلك» لأنهن انتهكن أسرار الرجال.
ومن اللافت أن ظهور مثل هذه الأساطير بصورة مستقلة في ثقافات غير متصلة يصعب تفسيره بالمصادفة. ففي ميلانيزيا (غينيا الجديدة) أيضًا، تكاد أساطير نايات استهلال الذكور تقول دائمًا إن النساء امتلكن النايات أولًا. وقد وجد مسح شمل 14 أسطورة لنايات غينيا الجديدة أن جميعها، باستثناء اثنتين، نسبت إلى النساء الظهور الأول للآلة. وقد دفع هذا التقارب بعض العلماء (منذ J.J. Bachofen في عام 1861 على الأقل) إلى التكهن بوجود «نظام أمومي بدئي» فعلي في عصور ما قبل التاريخ البشري، أطاح به الرجال لاحقًا. وأشار أنصار الانتشارية الأوائل، مثل Leo Frobenius وFritz Jensen، إلى أساطير أداة الطنين بوصفها دليلًا محتملًا على تحول قديم حقيقي: فربما كانت هناك مرحلة أدّت فيها النساء أدوارًا طقسية بارزة، وانتهت حين أسس الرجال الطقوس السرية والمحظورات المرتبطة بها. وسواء أُقِرّت فترة أمومية حرفية أم لا، فإن الموضوع الأسطوري واسع الانتشار بلا ريب: فحتى في أستراليا لدى السكان الأصليين، حيث لم يوجد «نظام أمومي» إثنوغرافي، نجد شيوخ الرجال يقولون للنساء: «كان علينا أن ننتزع أداة الطنين منكنّ في زمن الحلم». والتفسير النفسي، الذي قدمه Freud ثم Alan Dundes لاحقًا، هو أن هذه الأساطير تشفّر حسد الرجال للقوة الإنجابية لدى النساء، ومحاولة التعويض عن ذلك بإنشاء رحم ذكوري زائف (وهو كوخ الاستهلال المظلم)، وحيض ذكوري زائف (يتمثل في نزيف الختان والصوت «الحيضي» الطنان الصادر عن أداة الطنين). وسنعود إلى هذه التفسيرات لاحقًا. أما الآن، فالنقطة الأساسية هي أن مركّبًا أسطوريًا ــ طقسيًا متكررًا في أنحاء العالم يربط أداة الطنين بمعركة حقبية بين الجنسين، تنتهي بتولي الجمعيات السرية للرجال زمام الأمور.
الأسرار اليونانية: «رومبوس» الدوّار وأسرار ديونيسوس#
في منطقة البحر المتوسط القديمة، تظهر أداة الطنين في سياق ديانات الأسرار والرمزية الأسطورية، وإن لم ترد قصة صريحة عن «السرقة من النساء». وكان المصطلح اليوناني لأداة الطنين الدوّارة هو ῥόμβος (rhombos)، أي الشيء «الدوّار» (Bullroarer Atlas: ancient Greek Dionysiac rhombos). وقد وصف الكتّاب اليونانيون الرومبوس بأنه آلة مقدسة في أسرار ديونيسوس وطقوس الأم الكبرى (سيبيل). وكان يُستخدم صوته لاستحضار حضور الآلهة أو الأرواح. وفي مسرحية Euripides، Bacchae (405 ق.م.)، يدير أتباع ديونيسوس الخشخيشات، وربما أدوات الطنين أيضًا، بينما يدخلون في حالة من الغشية. ثم إن الناقد المسيحي Clement of Alexandria (نحو 190 م.) يدرج فعلًا الرومبوس ضمن الألعاب المقدسة التي منحها التيتان للطفل ديونيسوس. وهذا يحيل إلى أسطورة أورفية: فقد استُدرج ديونيسوس الرضيع بسبع ألعاب صوفية ــ مخروط صنوبر، وأداة طنين دوّارة (رومبوس)، وعظام مفاصل، ومرآة، وخصلة صوف، ودوّامة، وتفاح. ولم تكن هذه مجرد ألعاب، بل رموزًا للخصوبة: فالـأداة الطنين الدوّارة (رومبوس)، بوجه خاص، كان مرتبطًا بهوية ديونيسوس بوصفه إله الضجيج النشواني والتحول. وتُظهر مكتشفات أثرية من سياق يوناني ــ مصري (بردية Gurob، نحو القرن الثالث ق.م.) المجموعة نفسها من الأشياء المقدسة، بما فيها مخروط الصنوبر وأداة الطنين. ويفسر العلماء أداة الطنين هنا بوصفها شعارًا قضيبيًا أو توليديًا؛ ومن المثير للاهتمام أن كلمة rhombos كان يمكن أن تعني عاميًّا أيضًا قضيبًا دوّارًا أو أداة ساحر.
عمليًا، تشير المصادر اليونانية والرومانية إلى أن الرومبوس كان يُدار في بعض طقوس الأسرار لإحداث صوت غير دنيوي. وقد ثبت استخدام «أدوات طنين دوّارة وطبول متصادمة لمحاكاة الرعد» في أسرار إليوسيس خارج أثينا، وعلى الأرجح للإعلان عن ظهور الإلهين ديميتر وبيرسيفوني في الطقوس المظلمة. وبالمثل، في طقوس ديونيسوس (ونظيره الفريجي سابازيوس)، كان المبتدئون يديرون الرومبوس لإحداث حالة من الهياج. وكان يُعتقد أن الصوت يجتذب حضور الإله أو يُجسّده، تمامًا كما يُجسّد الروح في أستراليا أو الأمازون. بل إن الكاتب الروماني إيليان، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي، يذكر أن كهنة باخوس الإيطاليين كانوا يمنعون النساء من الاقتراب عندما يكون الرومبوس المقدس دائرًا — وهو صدى خافت للمحظور العالمي. ومع أن الأساطير اليونانية لا تقول إن «النساء اخترعن الرومبوس»، فثمة موضوع موازٍ في عبادة سيبيلي (الأم الكبرى): إذ كان قرينها أتيس وكهنة الغالي يستخدمون أدوات الطنين الدوّارة، وكانت الطقوس تشتمل على أفعال متطرفة يؤديها الرجال (الخصاء، والتأنث في الزي) يربطها بعض الباحثين بقمع دور النساء في عبادات الطبيعة الأقدم. وأقل ما يثبته الدليل اليوناني هو أن أداة الطنين الدوّارة كانت راسخة في عبادة سرية يقودها الرجال وتَعِد بالبعث — فقد كان ديونيسوس نفسه إلهًا مات ثم بُعث، وكان الرومبوس يرمز في آنٍ واحد إلى تقطيعه إربًا (على يد التيتان) وإلى عودته الهادرة إلى الحياة.
وهكذا تعزز الحالة اليونانية ارتباط أداة الطنين الدوّارة بالسر، والحالات المتبدلة، والهيمنة الذكورية في الطقوس. ومن اللافت أن أداة عُثر عليها في فرنسا إبّان العصر الجليدي تعود إلى الظهور في أثينا الكلاسيكية وهي تؤدي الوظيفة الجوهرية نفسها: إحداث صوت الرعد الإلهي. وقد لاحظ جيمس فريزر أن قبائل غينيا الجديدة كانت تستخدم أدوات الطنين الدوّارة في طقوس حصاد اليام «بالروح نفسها تمامًا» التي اتسمت بها عبادة ديونيسوس في اليونان — إذ كان كلاهما يهدف إلى إلقاء الهيبة في نفوس المشاركين عبر صوت القدسي. وقد جعل هذا الاستمرار العابر للقارات باحثين مثل فريزر وأوتو تسيريس مقتنعين بأنه لم يكن مصادفة. فالرومبوس اليوناني، وتُرندُن الأسترالي، ويوروپاري الأمازوني — كانت جميعها تعمل ضمن نموذج قديم واحد.
تقاليد الهوبي والبوِبلو: زوبعات الكاتشينا ونداءات المطر#
في ثقافات البوِبلو في الجنوب الغربي الأمريكي، أُدمجت أداة الطنين الدوّارة أيضًا في طقوس الاستهلال وطقوس الطقس. ويطلق شعب الهوبي على أداة الطنين الدوّارة اسم نغوزو، أو يرونها أحيانًا تجسيدًا لروح ماساؤو (إله الأرض) أو أرواح كاتسينا (كاتشينا) (Bullroarer Atlas: Tusayan/Walpi Hopi tovokìnpi). وخلال استهلال وُوُويتشيم الشتوي عند الهوبي، كان الرجال الأكبر سنًا يديرون أدوات الطنين الدوّارة سرًا خارج الكيفا (الحجرة الطقسية)، بينما يُستهلّ الشبان في الداخل. وكان الصوت الطنان المميز يُفسَّر بأنه هدير أرواح الكاتشينا القادمة من الجبال. وتقول مرويات الهوبي إن ضجيج أداة الطنين الدوّارة يذكّر بالريح والرعد — بل إن بعض جماعات البوِبلو تسميه حرفيًا «عصا الرعد». ويصف أحد التقارير المبكرة من القرن العشرين شيوخ الهوبي وهم يديرون أدوات الطنين الدوّارة لمحاكاة صوت عاصفة مقبلة، وبذلك يستدعون سحب المطر في طقوس الزراعة الصحراوية. وبالفعل، كانت أداة الطنين الدوّارة لدى الهوبي والزوني تُدار تقليديًا لاستدعاء المطر وطرد التأثيرات الشريرة، كما في طقوس الغرس الربيعي وأثناء عمليات التطهير الجماعية.
لم تكن النساء في ثقافة البوِبلو يُعاقبن على رؤية أداة الطنين الدوّارة بالصرامة نفسها التي كانت سائدة في أستراليا أو الأمازون — لكنه ظل عمومًا «من شؤون الرجال». ويفيد علماء الأنثروبولوجيا الأوائل بأن صبيان البوِبلو كانوا يُحذَّرون من أن الكاتشينا لن تجلب المطر إذا سمعت النساء أداة الطنين الدوّارة. وهكذا ارتبط السر بالفعالية: فالصوت المقدس كان يعمل لأن الذين يتعاملون معه هم وحدهم الطاهرون طقسيًا (الرجال المستهلّون). وفي بعض قرى البوِبلو في ريو غراندي، كان يُتوقع من النساء أن يبقين في الداخل كلما استُخدمت أداة الطنين الدوّارة في الطقوس، محافظاتٍ على موضوع السرية الجندرية (وإن كان تطبيقه أقل عنفًا).
ومن أوجه التوازي اللافتة أن الهوبي يربطون أحيانًا صوت أداة الطنين الدوّارة بصوت هي-إي (الجدة كاتشينا)، وهي شخصية أمٍّ أرضية، لكن الرجال وحدهم هم الذين يحركون الأداة. وهذا يكاد يكون صورة معكوسة لمفهوم اليوروپاري، حيث يكون صوت الأداة صوت روح أم، ومع ذلك يُحظر على النساء لمسها. كما ينحت الهوبي دمى كاتشينا أداة الطنين الدوّارة، مصوّرين كاتشينا وهي تحمل أداة الطنين الدوّارة — وهو تذكير بصري بمكانته المقدسة. ومن ثم تبرز أداة الطنين الدوّارة لدى شعوب البوِبلو أدواره المعتادة: فهو أداة لاستدعاء الأرواح (إذ يجلب أزيزُه الكاتشينا الحاملة للمطر)، وأداة استهلال سرية (تُرسّخ التضامن بين الرجال والرهبة لدى النساء والأطفال). وحتى في بيئة ثقافية مختلفة كل الاختلاف عن غينيا الجديدة أو البرازيل، نتعرف إلى النبرات الأساسية نفسها. وكما قال عالم الأنثروبولوجيا أ. ل. كروبر في عام 1917، «من الهوبي إلى الأرونتا، ومن النيجر إلى اليونانيين، فإن همهمة أداة الطنين الدوّارة الصوفية هي القصة نفسها في كل مكان».
عبر هذه الأمثلة، يتضح المركب الأسطوري-الطقسي لأداة الطنين الدوّارة:
صوت المقدس: يُفسَّر صوت أداة الطنين الدوّارة في كل مكان تقريبًا بأنه صوت روح قوية أو تجلٍّ لها (سلف، أو إله، أو وحش). ومن أمثلته: توانيريكا في أستراليا، ويوروپاري في الأمازون، وديونيسوس/سيبيلي في اليونان، وأرواح الكاتشينا لدى الهوبي. وهو يعلن الحضور القدسي.
الاستهلال السري للرجال: تُستخدم أداة الطنين الدوّارة على نحو شبه ثابت في طقوس استهلال الذكور أو طقوس الجماعات السرية. ويُعزل الصبية، ويسمعون «نداء الروح» الصادر عن أداة الطنين الدوّارة، ويخضعون للمحن (التي تشمل غالبًا الختان أو التشريط)، ثم يخرجون «مولودين من جديد» بوصفهم رجالًا. وكثيرًا ما يرمز الصوت إلى أن المبتدئين «تبتلعهم» روح ثم تتقيؤهم لاحقًا. وقد لاحظ فريزر أن قبائل أسترالية كانت تقول صراحة إن ضجيج أداة الطنين الدوّارة هو الساحر الذي يبتلع الصبية ثم يُخرجهم من جديد شبانًا. ويظهر موضوع الموت والقيامة المرتبط بأداة الطنين الدوّارة في غينيا الجديدة والبرازيل أيضًا. وتتجمع معًا العلامات القبلية أو إسالة الدم، وتجسيد الشيوخ للأشباح، و«صوت» أداة الطنين الدوّارة.
محظور على النساء: في جميع السياقات التقليدية تقريبًا، يُحظر على النساء (وغالبًا على الصبية غير المستهلّين أيضًا) رؤية أداة الطنين الدوّارة أو معرفة مصدرها. وكانت المخالفات تُعاقب بشدة — من الاغتصاب الجماعي الطقسي (الموثق في أجزاء من غينيا الجديدة والبرازيل) إلى الإعدام مع الإفلات من العقاب (وهو شائع في التقارير الأسترالية). وكان هذا الحكم متسقًا إلى حد أن علماء الأعراق الأوائل، مثل ر. هـ. ماثيوز في عام 1898، استطاعوا القول إنه لم يُعثر قط على حالة سُمح فيها للنساء بالاقتراب من أداة الطنين الدوّارة. وحتى في الأماكن التي أصبحت فيها أداة الطنين الدوّارة، بحلول القرن العشرين، لعبةً للأطفال (مثل أيرلندا ومدغشقر)، كان لافتًا أنه «محجوز للصبية»، بما يوحي ببقاء المحظور القديم في الذاكرة الثقافية.
أساطير الأصل وأولوية النساء: كما نوقش، تزعم أعداد لافتة من الثقافات أن النساء كن يمتلكن أداة الطنين الدوّارة أو النايات المقدسة في الأصل، إلى أن سرقها الرجال منهن. ويظهر ذلك في غينيا الجديدة، وميلانيزيا الجزرية، والأمازون، وأجزاء من أستراليا، ويُلمح إليه في بعض الحكايات الأفريقية (Bullroarer Atlas: Dogon rhombe of Yougo Dogorou). إن شيوع هذه الأساطير — حتى في مجتمعات لم يحدث بينها اتصال — يمثل «مجموعة من الوقائع التي يصعب تفسيرها» بالنسبة إلى نظرية الاختراع المستقل. فإما أن يعتقد المرء أن الدراما النفسية نفسها (حسد الرجال للنساء) ولّدت هذه الأساطير المتطابقة بصورة مستقلة في أنحاء العالم، أو أن يشتبه في أصل تاريخي مشترك. وسوف نتابع هذا السؤال في القسم التالي.
استخدامات أخرى (ثانوية): استُخدمت أدوات الطنين الدوّارة أحيانًا لأغراض أكثر نفعية أو دنيوية — مثلًا بوصفها أداة للاتصال عبر المسافات (فهديرها المنخفض يصل بعيدًا؛ وقد استخدمتها بعض الجماعات الأفريقية والأسترالية للإشارة إلى التجمعات أو للتحذير من اقتراب الغرباء)، أو تميمة للطقس (تُدار لصرف العواصف أو استدعاء الريح). وفي أجزاء من أوروبا، بحلول العصر الحديث، بقيت أداة الطنين الدوّارة أساسًا لعبةً للأطفال أو أداةً للرعاة لإخافة الحيوانات المفترسة. لكن حتى في هذه الحالات، كثيرًا ما أسندت الذاكرة الشعبية إليه نفحةً من الخوارق — فمثلًا، كان الأطفال الأسكتلنديون في القرن التاسع عشر يسمون أداة الطنين الدوّارة الخاصة بهم «تعويذة الرعد» القادرة على درء الصواعق، وكان الرعاة الباسكيون ينحتون زخارف حلزونية على أدواتهم ويديرونها ليلًا، وهي ممارسة يُعتقد أنها مستمدة من طقوس ليلية أقدم. وتشير هذه البقايا إلى السلالة المقدسة للأداة حتى عندما «تنحط» إلى مرتبة اللعب. وحيث تكون أداة الطنين الدوّارة اليوم مجرد لعبة، فمن المرجح أنها كانت أداة مقدسة في الماضي. ويتنبأ الانتشار الثقافي بنمط انتقال من الطقسي إلى الدنيوي نحو الأطراف (مثل أوروبا)، لا باختراع مستقل لألعاب متطابقة في أنحاء العالم. ولدينا بالفعل تلميحات من التقليد الشفهي إلى أن أداة الطنين الدوّارة كانت في أماكن مثل أيرلندا «مقدسة» ذات يوم قبل أن يتحول إلى لعبة.
في الخلاصة، تُظهر أداة الطنين الدوّارة كوكبة من السمات المميّزة أينما وُجدت: فهي مرتبطة بالاحتفالات السرّية للرجال (ولا سيما طقوس البلوغ التي تتضمن موتًا رمزيًا وانبعاثًا)، وتجسّد صوت الأرواح، ويحيط بها تكتم صارم يستبعد النساء، وتحمل ارتباطات أسطورية كثيرًا ما تنطوي على الثعابين، أو أشباح الأسلاف، أو زمن كانت فيه النساء صاحبات السيادة. وقد لوحظ تزامن هذه الحزمة بأكملها من الصحراء الأسترالية إلى غابة الأمازون. وكما خلص عالم الأنثروبولوجيا إي. إم. لوب في عام 1929، بعد استعراضه طقوس البلوغ القبلية في أنحاء العالم:
«ليست أداة الطنين الدوّارة محرَّمة على النساء فحسب، وليست في معظم الأحيان صوت الأرواح فحسب، بل إنها في معظم الأحيان أيضًا تنتقل مقترنةً [بالعنقود نفسه من عناصر طقوس البلوغ: وسم القبيلة، والموت والبعث، وتجسيد الأشباح]… ولا يوجد مبدأ نفسي من شأنه أن يجمع هذه العناصر معًا بالضرورة؛ ولذلك لا بد أنها اجتمعت مصادفةً في موضع واحد… ثم انتشرت بوصفها مركّبًا».
وبعبارة أخرى، فإن التطور الموازي العرضي لهذا المركّب بأكمله في عشرات الثقافات المنفصلة أمر مستبعد – وهو يشير بقوة إلى وجود صلات تاريخية. وننتقل الآن إلى بحث الكيفية التي ربما انتشر بها هذا المركّب، وما الذي ينطوي عليه ذلك بالنسبة إلى الثقافة الإنسانية المبكرة.
4. تحليل الانتشار: الاختراع المستقل في مقابل الانتشار القديم#
بالنظر إلى أوجه التشابه المذهلة المبينة أعلاه، كيف أصبحت منظومة أداة الطنين الدوّارة موزعة على هذا النطاق العالمي؟ هل هي نتاج اختراع مستقل استجابةً لجوانب كونية من الوضع الإنساني، أم نتيجة انتشار قديم من مصدر واحد أو مصادر محدودة؟ لطالما نوقشت هذه المسألة. فلنوازن بين الأدلة ووجهات النظر.
نظرية الاختراع المستقل: يرى مؤيدوها أن أي جماعة من البشر قد تخترع أداة لإحداث صوت أزيز بالدوران، لأنها فكرة بسيطة ويمكن أن تؤدي وظائف واضحة (إصدار صوت عالٍ للإشارة أو إثارة الرهبة). وعلاوة على ذلك، فإن بعض الكليات النفسية – ولا سيما غيرة الرجال من خصوبة النساء، أو استخدام الأصوات العالية لتمييز مراحل الانتقال – قد تقود مجتمعات متباعدة إلى إسناد معانٍ متشابهة إلى مثل هذه الأداة. فعلى سبيل المثال، كتب أندرو لانغ في عام 1889 أن «العقول المتشابهة، إذ تعمل بوسائل بسيطة لتحقيق غايات متشابهة، قد تطوّر أداة الطنين الدوّارة واستخداماتها الصوفية في أي مكان»، من دون حاجة إلى أصل مشترك. وقد فسّر باحثون معاصرون ذوو نزعة نفسية، مثل آلان دوندس (1976)، منظومة أداة الطنين الدوّارة على أنها ناشئة من سيناريو فرويدي أساسي: إذ يشعر الرجال في ثقافات كثيرة بحسد لا واعٍ للرحم، ويبتكرون طقوس بلوغ ذات «أصوات رحمية» تصدرها أداة الطنين الدوّارة تعويضًا عن ذلك. ومن ثم فإن الأسطورة المتكررة عن امتلاك النساء لها في الماضي ستكون تعبيرًا عن ذنب الرجال أو قلقهم، لا ذكرى حرفية. ويكتسب الرأي الاستقلالي قدرًا من المعقولية من حقيقة أن أدوات الطنين الدوّارة سهلة الصنع (لوح مسطح وخيط، بخلاف علم المعادن المعقد مثلًا، الذي انتشر بوضوح). وإضافة إلى ذلك، لا تمتلك كل ثقافة على وجه الأرض أدوات طنين دوّارة – فقد كانت غائبة، مثلًا، عن معظم شرق آسيا وعن بعض جماعات السكان الأصليين الأمريكيين – ولذلك يشير أنصار الاختراع المستقل إلى التوزيع المتناثر بوصفه دليلًا على أن جماعات البشر لم تجد جميعها أدوات الطنين الدوّارة «بديهية». وبدلًا من ذلك، يفترضون أصولًا متعددة في مواضع توافرت فيها ظروف مواتية لها (مثل المناظر الطبيعية المفتوحة التي يمكن للصوت أن ينتقل فيها، وبنية اجتماعية أبوية تستخدمها، وما إلى ذلك).
غير أن النموذج المستقل يواجه صعوبة في تفسير التكتل الوثيق للسمات الذي فصلناه بالتفصيل. فإذا كانت القبائل العشوائية قد اخترعت أدوات الطنين الدوّارة من حين إلى آخر، لتوقعنا استخدامات كثيرة خاصة بكل منها. لكن أينما كانت أداة الطنين الدوّارة ذات أهمية ثقافية، فإنها تستقر بصورة موثوقة في مركز مركّب استهلالي محدد. فلماذا، مثلًا، أصبحت أداة طنين دوّارة اخترعت مستقلّة في كل من أستراليا والبرازيل محرّمة على النساء في كلتيهما، ومرتبطة بصور الثعابين في كلتيهما، ومستخدمة في طقس للموت والبعث في كلتيهما، ومقترنة في كلتيهما بأساطير عن أصل نسائي؟ لا تنشأ أيٌّ من هذه السمات حتميًا عن الطبيعة الأساسية للشيء؛ أما اجتماعها فيوحي بالتقليد لا بالمصادفة. وكما قال لوب، «لا يوجد مبدأ نفسي» يُلزم تلك العناصر بالاجتماع – إذ لا يستطيع المنهج الوظيفي أو اليونغي أن يستنبط بسهولة، مثلًا، صورة الثعبان أو أسطورة حكم النساء من المبادئ الأولى. وهكذا تضطر نظرية الاختراع المستقل إلى افتراض تماثل موازٍ شبه معجز عبر القارات – أي إنها تفترض أساسًا أن العقول البشرية تميل إلى إعادة ابتكار عبادة معقدة متطابقة تقريبًا حيثما أُدير شريط خشبي. وهذا يتجاوز حدود المعقولية.
النظرية الانتشارية: ترى هذه النظرية أن منظومة أداة الطنين الدوّارة بدأت في موضع واحد (أو في بضعة مواضع) ثم حملها الانتقال الثقافي إلى أماكن أخرى – سواء عبر الهجرة أو التجارة أو غير ذلك من أشكال الاتصال. وهذا لا يعني أن كل حالة انتقلت مباشرة؛ بل يعني أن المركّب الأساسي انتشر ثم تنوّع قليلًا. وكان الانتشار التفسير المفضّل لدى كثير من علماء الإثنولوجيا في أوائل القرن العشرين، بعد أن أصبح المشهد الكامل لتوزيع أدوات الطنين الدوّارة معروفًا. فعلى سبيل المثال، أحصى الباحث الألماني أوتو زيريس في عام 1942 استخدام أداة الطنين الدوّارة لدى 40 قبيلة مختلفة في أمريكا الجنوبية، فضلًا عن أمثلة لا حصر لها من العالم القديم، وخلص إلى أن الانتشار وحده يمكن أن يفسر ذلك. وفي عام 1929، صرّحت افتتاحية في مجلة Nature تصريحًا قاطعًا بأن ظهور أداة الطنين الدوّارة «لدى شعوب متباعدة إلى هذا الحد في المكان والزمان» يشير بقوة إلى أنها «كانت جزءًا من المخزون الثقافي للإنسان المبكر، وقد تناقلها الانتشار والهجرة». وحتى روبرت لوي المتشكك أقرّ بأن أداة الطنين الدوّارة وحزمة طقوس بدء الرجال تمثل «واحدة من أفضل حالات الانتقال التاريخي» في علم الإثنولوجيا.
وتستفيد حجج الانتشار الحديثة من أدوات جديدة. إذ يمكن أن تساعد البيانات الجينية واللغوية على تتبّع تحركات الجماعات السكانية القديمة، فتقدم سياقًا لانتشار أداة الطنين الدوّارة. فعلى سبيل المثال، بات معروفًا الآن أن الشعوب الأصلية في أستراليا والأمازون تشترك في بعض الأصول العميقة عبر الهجرات الأولى الخارجة من أفريقيا والمتجهة إلى آسيا (فرضية «المسار الجنوبي»). فإذا كانت لدى الأستراليين والأمازونيين معًا عبادات لأداة الطنين الدوّارة، وكان أسلافهم قد تفرعوا قبل نحو ~40,000 سنة، فقد يُفترض أن العبادة تسبق ذلك الانقسام – أي إنها حُمِلت على يد المستكشفين البشريين المعاصرين الأوائل. أو لعل الممارسة نشأت في وقت لاحق، لكن في وقت مبكر بما يكفي لحملها إلى أستراليا (>50 ألف سنة مضت) وإلى الأمريكتين (>15 ألف سنة مضت). ونعلم أن أدوات الطنين الدوّارة تظهر أثريًا في أوروبا منذ نحو ~18,000 سنة مضت، وربما كانت مستخدمة قبل ذلك (بل ربما لدى النياندرتاليين المتأخرين، رغم أن الادعاءات بوجود «أدوات طنين دوّارة» نياندرتالية تبقى تخمينية). ويكاد توزيع أدوات الطنين الدوّارة يطابق توزيع هجرات البشر: فأفريقيا وأوراسيا وأستراليا والأمريكتان كلها تحتوي عليها، باستثناء شمال شرقي آسيا البعيد بوجه خاص (سيبيريا باستثناء التشوكشي) وأقصى شرق أمريكا الشمالية – وهي مناطق ربما فقدتها أو لم تتبنَّها قط. وقد تعود هذه الفجوات إلى تغيرات ثقافية لاحقة (مثل تركيز بعض الثقافات القطبية على أدوات شامانية أخرى).
وإذا افترضنا الانتشار، فإن السؤال التالي هو: متى وأين نشأت عبادة أداة الطنين الدوّارة؟ ومع أننا لا نستطيع الجزم، فإن الأدلة تلمّح إلى قِدم بالغ. ومن الفرضيات المعقولة أن أداة الطنين الدوّارة كانت جزءًا من الذخيرة الثقافية للإنسان العاقل الحديث المبكر خلال العصر الحجري القديم الأعلى (نحو 40,000–20,000 ق.م.). وكانت تلك الحقبة هي التي شهدت ازدهار فن الكهوف، والحلي الشخصية، وطقوسًا معقدة على الأرجح. وتشير حقيقة عثورنا على أدوات طنين دوّارة مجدلينية في أوروبا إلى أن الأداة كانت معروفة نحو ~15,000 ق.م. لدى جماعة سكانية واحدة على الأقل. وقد تكون نشأت في وقت أسبق (فالمفهوم بسيط بما يكفي بحيث قد لا يكون اختراعه الأول محفوظًا). وتكهّن بعض مفكري الانتشار (مثل غرايبنر ويِنسن) بأن جميع جمعيات الرجال السرّية، من أستراليا إلى أمريكا، تنحدر من «عبادة بدء الصيادين» واحدة ظهرت في أواخر العصر الجليدي. وقد أشاروا إلى أن المصادفة تتمثل في أن كثيرًا من مجتمعات الصيد والجمع لا تتشارك أدوات الطنين الدوّارة فحسب، بل سلاسل كاملة من طقوس البدء. فعلى سبيل المثال، تظهر التفاصيل التي عدّدها لوب – أداة الطنين الدوّارة + الختان/الندبة + تنكّر أحد الشيوخ في هيئة وحش – لدى الخويسان في أفريقيا، والسكان الأصليين الأستراليين، وبعض الجماعات في أمريكا الشمالية وماليزيا، وغيرهم. وكأن «حزمة» ثقافية حُملت على امتداد استيطان البشر للعالم.
بل يمكن تصور عبادة أداة الطنين الدوّارة بوصفها نوعًا من «مركّب ميمي» من العصر الحجري منح مزايا: إذ أنشأت روابط قوية بين الرجال، ونسّقت صيد الجماعة من خلال التضامن الناشئ عن طقوس البدء، وضبطت تكاثر الجماعة عبر تنظيم نفوذ النساء. وقد يكون مثل هذا المركّب قد انتشر لأن الجماعات التي امتلكته كانت أكثر تماسكًا أو أوسع انتشارًا. وهذا تخميني، لكن من اللافت أن أدوات الطنين الدوّارة ترتبط غالبًا بمجتمعات الصيادين (الصحراء الأسترالية، والبوشمن الأفارقة، والسهول الكبرى، وجماعات الصيد والبستنة في الأمازون). وقد تخلّت الحضارات الزراعية إلى حد كبير عن عبادة بدء الرجال (مع بعض الاستثناءات مثل الأسرار اليونانية)، ربما لأن التعقيد الاجتماعي تطلّب أشكالًا جديدة من الضبط. ومن ثم تنشأ زاوية أخرى: لعل عبادة أداة الطنين الدوّارة انتشرت مبكرًا مع جماعات الصيد والجمع، ثم ضعفت في كثير من المجتمعات الزراعية (ولم تبقَ إلا في جيوب مثل الأسرار أو السحر الشعبي)، وظلت حية بقوة أساسًا في المناطق التي بقيت قبلية.
هناك بعض الأدلة الجينية التي يمكن أن تنسجم مع الانتشار. فعلى سبيل المثال، تُظهر بعض الدراسات الجينية أن السكان الأصليين لأستراليا وبعض سكان أمريكا الجنوبية يشتركون في سلالات جينية قديمة متميزة عن سلالات الجماعات الأخرى، مما يلمّح إلى موجات هجرة مبكرة جدًا. فإذا كان لكلتا الجماعتين تقاليد خاصة بأداة الطنين، فإن ذلك يوحي بأن هذا التقليد قد يعود إلى جذرهما المشترك (وربما إلى ما يزيد على 15,000 سنة مضت). ومن ناحية أخرى، إذا كانت ألواح الطنين غائبة عن ثقافات العصر الحجري الحديث في شرق آسيا، ولم تظهر إلا في الفولكلور اللاحق (مثلًا لدى شعب الأينو أو بعض شعوب سيبيريا)، فقد يعني ذلك أن الممارسة انقرضت في بعض المناطق، حتى في الوقت الذي استمرت فيه في مناطق أخرى. فنموذج الانتشار لا يفترض وجود سلسلة غير منقطعة في كل مكان، بل يفترض أن الأصل كان واحدًا أو محدودًا، ثم أعقبه الانتشار، مع احتفاظ متباين بين المناطق.
والأهم أن عبء عدم الاحتمال يبدو أقل في حالة الانتشار منه في حالة الاختراع المستقل. فقد لاحظ كروبر بسخرية أن رفض الانتشار في مثل هذه الحالات يتطلب غالبًا افتراض «التولد التلقائي» للمركّب نفسه في أماكن متعددة، وهو ما يعادل استدعاء المعجزات بدلًا من التاريخ. ومن المنظور العلمي القائم على الاقتصاد في الفرضيات، سيكون من الأجدى تتبّع السلالات حيثما أمكن. وتوفر عبادة أداة الطنين سلالة واضحة يمكن تتبّعها، إذا تحلّينا بالشجاعة اللازمة لذلك.
ومن خلال تركيب معطياتنا، يمكننا أن نقترح سيناريو انتشاريًا: فمن المرجح أن أداة الطنين نشأت بوصفها جزءًا من منظومة طقسية تتمحور حول الذكور في ثقافة بشرية سلفية، وربما في أوراسيا خلال العصر الحجري القديم الأعلى (أو حتى قبل ذلك في إفريقيا، وإن لم يتوافر هناك بعد دليل مباشر). وانتشرت هذه الممارسة مع الجماعات المهاجرة؛ إذ وصلت إلى أستراليا في وقت مبكر (ويرى بعض الباحثين أنها وصلت مع الموجات اللاحقة من توسع شعوب باما-نيونغان، إذ يبدو أن استعمال أداة الطنين وأسطورة الثعبان قوس قزح قد ازدادا كثافة في أستراليا قبل نحو ~4,000 سنة). وانتشرت عبر جنوب آسيا وجنوب شرقها (فألواح الطنين معروفة في الهند وماليزيا)، ويرجح أنها وصلت إلى الأمريكتين مع الهنود الأوائل من العصر الحجري القديم (إذ تروي بعض قبائل السهول أساطير عن أصل «عصا الرعد» تبدو شديدة الشبه بألواح الطنين). وكان هذا اللوح معروفًا في أوروبا خلال العصر الجليدي (كما تدل القطع الأثرية)، واستمر وجوده في الشرق الأدنى خلال العصر الحجري الحديث (كما رأينا في غوبكلي تبه). ثم تلاشى أو تبدّل في أجزاء من العالم (فتحول إلى لعبة في أوروبا، وربما أزاحته مجتمعات الطبول والأقنعة في بعض مناطق إفريقيا البانتوية). لكنه ظل قائمًا حتى العصر الحديث في المناطق المحافظة ثقافيًا — أستراليا لدى السكان الأصليين، وأجزاء كثيرة من ميلانيزيا، والأمازون، وبعض قبائل أمريكا الشمالية — مما أتاح لنا لمحة عن هذا التراث القديم. وكما قال أحد المؤلفين المعاصرين، «تذكّرنا أداة الطنين بأن شكلًا من العولمة كان موجودًا في العصر الحجري: عولمة للأفكار الطقسية، انتشرت بفعل الهجرات البطيئة للشعوب القبلية».
لا ينفي أيٌّ من ذلك أن البشر كانوا قادرين على إعادة ابتكار لعبة شبيهة بأداة الطنين. لكن الحزمة الكاملة من المعاني يستبعد إلى حد بعيد أن تكون قد أُعيد ابتكارها مرات متعددة. ولذلك تبرز فرضية الانتشار بوصفها التفسير الأكثر اقتصادًا للفرضيات لتوزيع مركّب أداة الطنين. وسنناقش في القسم 6 دلالات ذلك لفهم المجتمع البشري المبكر (مثل احتمال وجود طبقة واسعة الانتشار من «عبادة الرجال» في ثقافة العصر الحجري القديم المتأخر). لكننا سنفحص أولًا بمزيد من التفصيل الأبعاد الرمزية لصوت أداة الطنين وشكله، وهي أبعاد تساعد على تفسير سبب قوة هذه الآلة، ومن ثم سبب نجاحها الكبير في الانتشار.
5. الرمزية: الصوت، والإعصار، وثعبان السماء#
لماذا استحوذت أداة الطنين على اهتمام هذا العدد الكبير من الثقافات؟ يكمن جانب كبير من قوتها في رمزيتها — أي طبقات المعنى المنسوبة إلى صوتها وحركتها وشكلها. وتتكرر ثلاثة موضوعات رمزية مترابطة: (1) يُشبَّه طنين أداة الطنين بالرعد أو بزئير ريح العاصفة، فيرتبط بالطقس وقوى السماء؛ (2) تستحضر الحركة الدورانية والصوت دوامةً أو إعصارًا، أي عمودًا من الصوت يصل الأرض بالسماء؛ (3) ترتبط أداة الطنين بالثعابين — ولا سيما ثعابين السماء أو الثعابين البدئية — التي تجسّد في كثير من الأحيان الرعد أو المطر أو محور العالم في الأساطير. وقد تبدو هذه المعادلات الرمزية (الصوت = الرعد، الحركة = الإعصار، الشيء = الثعبان) خيالية، لكنها تتكرر بوتيرة لافتة.
الصوت بوصفه صوتًا رعديًا: يصف الناس في كل مكان تقريبًا ضجيج أداة الطنين بعبارات تحيله إلى الرعد الطبيعي أو الريح الهادرة. وكما ذُكر، يقارنه الهوبي صراحةً بالريح ويستخدمونه لاستدعاء سحب الرعد. وفي بعض لغات السكان الأصليين الأستراليين، يعكس اسم أداة الطنين هذا المعنى — فشعب يولنغو، مثلًا، يسمّيه marrŋun (أي حرفيًا «ضجيج/روح العاصفة»). أما الهنود الفويجيون في أرض النار (السيلكنام)، فكانوا يسمّون أداة الطنين k’oi k’oi، محاكاةً لعواء الريح، ويديرونه لاستحضار غضب السماء في طقس استهلال النساء (وفي حالتهم، كانت النساء، على نحو مثير للاهتمام، يمارسن طقسًا خاصًا بأداة الطنين لإرهاب الرجال، ثم انقلب هذا الطقس لاحقًا). وفي اليونان القديمة، يذكر كتّاب مثل بلوتارخ أن طقوس ديونيسوس كانت تستخدم أداة الطنين لإصدار صوت «مثل دويّ الرعد المتدحرج» في الجبال. بل إن الاسم الإنكليزي للآلة، «bull-roarer»، نفسه مشتق من التصور القائل إنها تحاكي خوار الثور أو قصف الرعد البعيد. والواقع أن أداة الطنين تولّد، من الناحية الصوتية، طنينًا نابضًا منخفض التردد، يشبه إلى حد كبير، من مسافة بعيدة، صدى الرعد المتردد. ومن المرجح أن هذه الصلة السمعية شجعت الاعتقاد بأن تدويره يتيح للمرء استدعاء العواصف أو التواصل مع آلهة السماء. وقد أفاد هادون بأن قبائل معينة في غينيا الجديدة كانت تدير ألواح الطنين أثناء فترات الجفاف لاستدعاء المطر، اعتقادًا منها أن الضجيج يجذب أرواح المطر. وفي شرق إفريقيا، تذكر السجلات المبكرة أن رعاة الماساي كانوا يستخدمون لوح طنين (يسمونه orkanyarró) لدرء البرق والبرد عن ماشيتهم، أي بوصفه حرفيًا «تميمة للعاصفة». وبالمثل، استمرت في أوروبا، كما سبق أن ذكرنا، أسماء شعبية مثل «تعويذة الرعد» في اسكتلندا وDonderplank («لوح الرعد») في هولندا حتى القرن 19. وكل ذلك يؤكد أن أداة الطنين كانت صوت الرعد عند الطلب. وبوصفه رعدًا من صنع البشر، أتاح للمتخصصين في الطقوس أن يتحدثوا بصوت العاصفة. ولا شك أن هذه القدرة رفعت من مكانته بوصفه أداة مقدسة؛ فالتحكم في المطر والريح وظيفة شامانية أو كهنوتية أساسية في أي مجتمع زراعي أو رعوي.
الدوامة وعمود العالم: إن فعل أرجحة أداة الطنين — أي دوران لوح حول خيط — يستحضر طبيعيًا صورة الدوامة أو العمود الدوّار. وتقارن بعض أساطير السكان الأصليين صراحةً بين حركة أداة الطنين ودوامة تصل السماء بالأرض. ففي موروث ويك-مونغان (كيب يورك، أستراليا)، يُقال إن صوت أداة الطنين «يمتص» روح الصبي مثل دوامة أثناء طقس الاستهلال، فيحملها إلى السماء لحظة ثم يعيدها إلى الأرض. وتخلق الحركة المادية للآلة قرصًا دائريًا من الصوت أثناء دورانها بسرعة عالية؛ وغالبًا ما يصف المراقبون عمودًا محسوسًا من الهواء المهتز. وقد لاحظ علماء الأنثروبولوجيا أن كثيرًا من ألواح الطنين مزخرف بلوالب أو دوائر متحدة المركز أو أنماط متعرجة، وهي تصاميم ترتبط ارتباطًا قويًا بالدوامات أو البرق أو دوامات الماء. فعلى سبيل المثال، يحمل أداة الطنين الباسكي furrunfarru لوالب محفورة، ويربطه الفولكلور الباسكي برياح الليل. وغالبًا ما تحمل ألواح الطنين الأسترالية tjurunga زخارف من دوائر متحدة المركز، يقول الشيوخ إنها تمثل الريح الدوّارة، أو «ماء الحياة» الدائري في بئر (وهو ما يعيد ربطها بالمطر).
ومن التفسيرات المثيرة أن أداة الطنين ترمز إلى محور العالم (axis mundi) — أي العمود الكوني أو محور العالم الذي يصل السماء والأرض والعالم السفلي في أساطير كثيرة. فعند تدويرها، يشكّل خيط أداة الطنين واللوح المموّه بخفة الحركة خطًا دوّارًا حول مركز (هو يد القائم بالتدوير)، بما يشبه بصريًا مغزل العالم. وفي بعض التقاليد الغرب إفريقية، ترتبط أداة الطنين الدوّارة (مثلًا لدى الإيغبو، حيث يسمّى ogo) بالفعل بعمود السماء الذي أنزله الخالق لإرسال الرسائل. ولدى الدوغون في مالي دوّار مقدس يسمّى buuru، يمثل كونيًا دوران السماوات (مع أن بعض الباحثين يرون أنه أداة دوارة منفصلة). ومع ذلك، فإن الاستخدام الواسع لألواح الطنين في احتفالات تهدف إلى تجديد العالم (طقوس الاستهلال، واحتفالات رأس السنة، ورقصات المطر) يلمّح إلى أن الناس رأوا فيه أداة «تحرّك» الكون، وتخضّ الطاقات غير المرئية. وقد كتب ميرتشا إلياده أن ضجيج أداة الطنين «يعيد إنتاج صوت الفوضى الأصلية»، ومن ثم يُستخدم لإعادة خلق العالم في كل طقس استهلال. وينسجم هذا مع فكرة أن الشامانات أو الكهنة، حين يديرونه، يديرون رمزيًا قبة السماء أو يخضّون المياه البدئية (كما في الأسطورة الفيدية وغيرها من الأساطير الهندوأوروبية، حيث يكون المخضّ الدوّار/العصا الدوارة عنصرًا محوريًا — ولعل من غير المصادفة أن كلمة «rhombos» في اليونانية كانت تعني أيضًا أداة دوارة يستخدمها الساحر لاستحضار الآلهة).
وبعبارات بسيطة، يمكن أن يمثل الدوران الطارد المركزي لأداة الطنين القوة الحلزونية التوليدية للخلق. وتأتي بعض التفسيرات القبلية ملموسة للغاية؛ ففي قبيلة يابيم في غينيا الجديدة، مثلًا، تسمّى أداة الطنين balum، وهي كلمة تعني «روح الجد» وتشير أيضًا إلى إعصار قمعي؛ ويقول أفراد القبيلة إن العالم تشكّل بفعل إعصار بدئي كان صوته صوت لوح طنين عملاق يديره السلف بالوم. وهنا تكاد أداة الطنين تكون آلة الخلق. وفي الأمازون أيضًا، نتذكر أنه بعد إحراق البطل يوروباري، ارتفعت إلى السماء دوامة من اللهب وتحولت إلى نخلة، تحولت أجزاؤها إلى آلات يوروباري الأولى. وصعدت روحه في ذلك العمود من الدخان والريح. ثم، عندما تسرق النساء النايات، تقول الأسطورة إن الرجال استخدموا «دوامة» من الأوراق والريح (وربما كان ذلك إشارة إلى أداة الطنين) لإخافتهن. وقد تكون هذه استعارات، لكنها تشير إلى مدى الارتباط الوثيق بين حركة أداة الطنين وأفكار عمود دوّار قوي — سواء أكان من العاصفة أو النار أو الصوت — يصل بين العوالم.
رمزية الحيّة: في ثقافات كثيرة، ترتبط أداة الطنين بالصور الحيّاتية. وقد رأينا مثالًا أثريًا على ذلك: أداة الطنين النيوليتية المنقوشة بصورة حيّة في كورتِك تِبه. وهذا استشراف مذهل على نحو عجيب، لأن أدوات الطنين، بعد آلاف السنين، في ثقافات تقع على الجانب الآخر من العالم، تحمل هي الأخرى زخارف حيّاتية. ففي الأمازون، تُطلى بعض مزامير يوروباري وأدوات الطنين المصاحبة لها بنقوش حيّاتية، وغالبًا ما تمثّل روح الأناكوندا (حيّة مائية مرتبطة بالخصوبة). أما لدى البورورو في البرازيل، فتُسمّى أداة الطنين فعلًا me’gálo، أي «شبح» أو «طيف»، غير أن طقوس بلوغهم تتضمن دمية ضخمة لحيّة، ويُقال إن زئير أداة الطنين هو فحيح روح تلك الحيّة البدئية وهي تخرج من الماء. وفي أستراليا الأصلية، لعل أشهر الكائنات الأسطورية هو الثعبان قوس قزح – حيّة هائلة تتحكم في الماء والمطر. وفي بعض قبائل الإقليم الشمالي، تُسمّى أدوات الطنين الأعلى صوتًا صراحةً «زئير الثعبان قوس قزح»، ولا تُدار إلا أثناء أقدس طقوس استنزال المطر وطقوس بلوغ سنّ الرشد. ويُعتقد أن الصوت يوقظ الثعبان قوس قزح من باطن الأرض، ويجلب مطرًا هاطلًا أو فيضانات (أي «يبتلع» غير المستهلّين رمزيًا مرة أخرى، لكي يُعاد ميلادهم بعد الفيضان). وفي رواية مسجّلة من روايات اليولنغو، أخبر الرجال النساء أن أداة الطنين هي «يورلونغور» – اسم الحيّة الأصلية العظمى – وهي تصرخ من الجوع، وأنها ستأكلهن إذا اقتربن. ولأن أداة الطنين جسم مسطّح ممدود من الناحية المادية، فإن شكلها يشبه إلى حد ما رأس الحيّة أو جسدها. وتُطلى بعض أدوات الطنين بخطوط متعرجة، أو تُمنح أسماء مثل «حيّة البرق». ومن المرجح أن ينشأ هذا الارتباط لأن الحيّات تُستخدم غالبًا استعاراتٍ لكل من الخصوبة (المطر والماء) والخطر (الأنياب والخنق) – شأنها في ذلك شأن أداة الطنين، التي تمنح الحياة من جهة (باستدعاء المطر والإشارة إلى إعادة الميلاد) وتكون قاتلة من جهة أخرى (فهي محرَّمة، ويُعاقب من ينتهك حرمتها بالموت). بل إن الحركة الدوامية لأداة الطنين تشبه حيّة تلتوي بسرعة، ويمكن تشبيه «الطنين» بفحيح الحيّة أو بأزيز حيّة طائرة.
وكان الرابط حاضرًا في اليونان أيضًا: فقد كان ديونيسوس يُسمّى أحيانًا «دراكون» (الحيّة)، وكان أتباعه المتحمسون في طقوسه يتعاملون مع الحيّات؛ ولعل أداة الطنين في الأسطورة الأورفية تحمل معنى مزدوجًا بوصفها رمزًا للطبيعة الأُفِيدية (الثعبانية) لروح ديونيسوس. وعلاوة على ذلك، كانت إحدى لعب ديونيسوس الأسطورية مخروط صنوبر على عصا (الثيرسوس) – وكانت مخاريط الصنوبر والحلزونات تمثّل غالبًا القوة الملتفّة للحيّة أو الغدة الصنوبرية، وما إلى ذلك. وفي جميع الأحوال، ما نجده مرارًا هو اضطلاع أداة الطنين بدور قناة تصل إلى طاقة الحيّة. فقد تكون ثعبان قوس قزح في أستراليا، أو روح الأناكوندا في الأمازون، أو البِيثون السلفي في غينيا الجديدة، أو الحيّة الأصلية الكونية الكامنة وراء النشوة الديونيسية. وتشترك كل هذه الحيّات في صفات معينة: فهي تصل الأرض بالسماء (بواسطة أقواس قزح أو كروم متسلقة)، وتخلع جلدها (إعادة الميلاد)، وتصدر طنينًا أو فحيحًا (في المخيال الأسطوري)، وغالبًا ما تكون حارسةً لمعرفة مقدسة مأخوذة من النساء (وهذه ملاحظة جانبية مثيرة للاهتمام: إذ إن ثقافات كثيرة لديها نمط شبيه بنمط «حواء والحيّة»، ولعل ذلك ليس من قبيل المصادفة).
وأخيرًا، لنتأمل الجانب القضيبي: فقد لاحظ كثيرون أن شكل أداة الطنين قضيبي، وأن الصوت قد يُنظر إليه بوصفه نوعًا من «الصوت الذكوري» الذي يطالب بالقدرة الخلّاقة (فإذا كانت القوة الأنثوية هي الإنجاب، فإن القوة الذكورية هي إنتاج صوت مدوٍّ كالرعد). وفي بعض اللغات، يُستخدم اسم أداة الطنين أيضًا للدلالة على القضيب (فكلمة rhombos اليونانية تُستعمل بالعامية بهذا المعنى، وكذلك مصطلح الكاورنا في أستراليا، الذي لن أكرره هنا). ومن خلال تسخير هذا «الفلاتوس» (النَّفَس/الصوت) الخاص بأداة الطنين، يُخصب الرجال العالم الاجتماعي رمزيًا بالنظام وإعادة الميلاد، إذا جاز التعبير. فتصبح رحمًا ذكوريًا – كما جادل دوندِس، إذ إن كوخ الاستهلال المغلق، مع صوت أداة الطنين، هو رحم ذكوري كبير يُعاد فيه ميلاد الفتيان. وما الرمز الشائع في الأساطير الذي يجمع بين القضيبية والحيّاتية؟ الحيّة/التنين، بالطبع. ومن ثم قد توحّد أداة الطنين هذين الرمزين: فهي في آن واحد حيّة (قضيبيّة) وصوتٌ رعدي (شبيه بالرحم)، أي أداة توحّد مبدأي الخلق الذكوري والأنثوي تحت سيطرة الذكور.
وخلاصة القول، فإن أزيز أداة الطنين = الرعد، ودورانها = الإعصار، وهويتها = الحيّة؛ وكل ذلك يندرج في صورة أداة بوصفها واسطة كونية ومنظّمًا للخصوبة. فطنينها العميق هو صوت الخلق، ونَفَس الأسلاف، وزئير العاصفة التي تجلب المطر الواهب للحياة وتصعق غير المستحقين. ولا عجب في أن الثقافات عاملتها بإجلال. فالرجال الذين استطاعوا استخدام هذه الأداة بفاعلية أعلنوا «نحن نتحكم في الرعد والمطر، ونأمر حيّة السماء» – وهو تأكيد قوي للسلطة الكهنوتية. وهكذا عزّزت الرمزية الوظيفة الاجتماعية: فمن خلال احتكار أداة الطنين، احتكر الرجال القدرة المتصوَّرة على التحدث إلى الآلهة، وجلب المطر، وتجديد العالم.
6. التركيب والآثار: أداة الطنين ونشوء الجمعيات السرية الذكورية#
لقد رأينا أن أداة الطنين أبعد بكثير من كونها مجرد ظاهرة مثيرة للفضول؛ فهي خيط ناظم يصل بين مجتمعات ونظم اعتقادية لا حصر لها. ماذا يعني ذلك لفهمنا الثقافة البشرية المبكرة؟ تشير الأدلة إلى أن أداة الطنين تمثّل مؤشرًا على نشوء روابط اجتماعية ذكورية منظَّمة قائمة على السرية في عصور ما قبل التاريخ – وبعبارة أخرى، فإنها تحدد النقطة التي بدأ فيها الرجال بتنظيم جماعات طقسية حصرية (أو «عبادات أسرارية») ذات طقوس استهلال تفصل عمدًا المعرفة الدينية الذكورية عن النساء. ويمثّل ذلك تطورًا اجتماعيًا مهمًا: إضفاء الطابع الرسمي على التضامن الذكوري ومأسسة السلطة الطقسية المؤسَّسة على النوع الاجتماعي. ويرى كثير من العلماء أن مثل هذه «الأندية» السرية الذكورية سمة مميزة للتنظيم الاجتماعي البشري الحديث تمامًا. فهي لا تقتصر على القرابة، بل تشمل روابط تتجاوز القرابة، وتخطيطًا طويل الأمد (إذ تجري طقوس الاستهلال وفق دورات)، ونقلًا رمزيًا للمعرفة عبر الأجيال.
إذا كان المنظور الانتشاري صحيحًا، فقد تحفظ عبادة أداة الطنين لمحة عن المراحل المبكرة جدًا للدين والتدرج الطبقي الاجتماعي. تخيّل جماعات صغيرة من الصيادين-الجامعين في أواخر العصر الجليدي – فمع ازدياد الكثافات السكانية وازدهار اللغة والأساطير المعقدة، يُفترض أن النساء كنّ في البداية يتمتعن بنفوذ كبير في الطقوس الجماعية (من خلال دورهن في الخصوبة، وربما التزامن الحيضي الجماعي، وما إلى ذلك). وفي مرحلة ما، شكّل الرجال في هذه المجتمعات «بيوتًا للرجال»، أو أقاموا طقوسًا خاصة بالرجال، لتأكيد قوتهم الجماعية – وربما استجابةً لنفوذ النساء. ولعل أداة الطنين كانت تكنولوجيا مستحدثة ساعدت هذه الثورة الطقسية الذكورية: فقد أوجدت أصواتًا مرعبة يمكن إضفاء طابع غامض عليها، وكانت تتطلب قوة بدنية أو مهارة لتشغيلها (ومن ثم كان من السهل قصر استخدامها على الرجال)، كما كان يمكن أن تؤدي دور كلمة السر الخاصة بالاستهلال (فلا يعرف الحيلة إلا من مرّ بالطقس). ومن خلال تشييد أساطير معقدة (مثل أساطير يوروباري أو توانيريكا) حول أداة الطنين، قدّس الشيوخ الذكور انقلابهم فعليًا. فقد امتلكوا أداة سحرية لم تمتلكها النساء. وفي كثير من أساطير الأصل، يُجسَّد هذا الانتقال في صورة مواجهة عنيفة – وهي مواجهة ترمز إلى تحوّل أوسع من بنية طقسية تقودها النساء (في التصور السائد) إلى بنية يقودها الرجال.
وهذه، بطبيعة الحال، إعادة بناء نظرية، لكنها تتسق مع النمط الإثنوغرافي. فقلّما توجد أدوات الطنين في مجتمعات متساوية تمامًا أو في مجتمعات ذات طقوس جنسانية متوازنة (فمثلًا، لم تؤكد بعض جماعات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، التي اتسمت بأدوار أكثر تكاملًا بين الجنسين، على أدوات الطنين، في حين أكدت عليها الجماعات ذات الجمعيات السرية القوية والمنظمة على أساس النوع الاجتماعي). وتبرز هذه الأدوات في الثقافات المعروفة بممارسات الاستهلال الذكوري المكثفة – لدى السكان الأصليين في أستراليا، وكثير من جماعات إفريقيا جنوب الصحراء، ومرتفعات غينيا الجديدة، وقبائل غابات الأمازون، وغير ذلك. ومن اللافت أن هذه المجتمعات غالبًا ما تفتقر إلى هياكل دولية رسمية، لكنها تمتلك وسائل طقسية للسيطرة الاجتماعية (تُسمّى أحيانًا «الحكومة الطقسية»). وعبادة أداة الطنين شكل من «الأخوّة الطقسية»: فهي تصوغ الوحدة بين رجال ينتمون إلى عائلات أو عشائر مختلفة، من خلال سرّ ومحنة مشتركين. وقد سمّى عالم الأنثروبولوجيا غ. هولتكر (1938) أداة الطنين حجر الزاوية لما أطلق عليه «اتحاد رجال الصيد» – وهي أخوّة قديمة افتراضية امتدت عبر القارات.
وإذا كانت عبادة أداة الطنين قد انتشرت فعلًا من مصدر مشترك، فإن ذلك يدل على مستوى مدهش من الترابط الثقافي في عالم ما قبل التاريخ. فهي توحي بأن الثقافة الطقسية البشرية المبكرة كانت موحّدة إلى حد ما – فلم تكن مجموعة لا حصر لها من الاختراعات غير المترابطة، بل تنويعات على موضوع وُضع منذ زمن بعيد. وهذا لا ينتقص من الإبداع المحلي؛ بل إن كل مجتمع جعل مركّب أداة الطنين خاصًا به وفق أسلوبه (بأسماء وأساطير وتصاميم فنية مختلفة). غير أن النحو الكامن (الاستهلال + صوت الروح + إقصاء النساء + أسطورة الأمومية السابقة) ظل قائمًا بوصفه بنية عميقة. وهذه نقطة عميقة بالنسبة إلى الأساطير المقارنة وعلم الآثار: فهي تعني أن بعض الأفكار الأسطورية يمكن أن تبقى عشرات الآلاف من السنين. (ويتوافق ذلك مع الأبحاث الحديثة التي أجراها د’هوي، وفيتسل، وغيرهما، والتي تجد جذورًا باليوليتية لبعض الأساطير).
وتترتب على ذلك أيضًا آثار بالنسبة إلى دراسة الدين. فقضية أداة الطنين تؤيد الرأي القائل إن الدين لم يتطور ببساطة بصورة مستقلة في كل منطقة، بل كانت له سلالات، على غرار اللغات. وهي تثير احتمال وجود «دين أولي» في العصر الحجري القديم الأعلى، اشتمل على عناصر شامانية وأخرى استهلالية أولية، ثم تفرّع بعد ذلك. ولعل أداة الطنين المنتشرة إحدى الآثار النادرة القابلة للكشف لذلك الدين الأولي. فإذا كانت طقوس الاستهلال الذكورية المصحوبة بأدوات الطنين قد مورست فعلًا في أوراسيا خلال العصر الجليدي (كما توحي القطع الأثرية)، فقد يُقال إن جذور أمور مثل الأسرار الإليوسينية، أو محافل الماسونية الحرة، أو جمعيتي ساندي/بورو في غرب إفريقيا، تعود جميعًا إلى ذلك العصر.
ومن الآثار الأخرى لذلك ما يتعلق بكيفية تفكيرنا في التطور الثقافي في مقابل الكليات البشرية. فمثال أداة الطنين الدوّارة يدل على أننا ينبغي أن نتوخى الحذر في عزو الممارسات الثقافية المتشابهة إلى أسباب نفسية مستقلة. ولئن كانت غيرة الرجال من النساء أو خوف المراهقين من البلوغ قد تكون مشاعر شبه كونية، فإن الاستجابة المؤسسية المحددة (مثل عبادة أداة الطنين الدوّارة) ليست حتمية؛ إذ يبدو أنها اختُرعت مرة واحدة أو بضع مرات، ثم عُلِّمت أو قُلِّدت في أماكن أخرى. وهذا يحذرنا من الإفراط في استخدام مفهوم «الوحدة النفسية للبشرية» تفسيرًا للأنماط الثقافية العالمية. ففي بعض الأحيان، يكون التاريخ (الانتشار) تفسيرًا أبسط من عشرات الاختراعات المتزامنة. وبعبارة كروبر، «إن مضاعفة فرضيات المنشأ المستقل بلا ضرورة تشبه مضاعفة المعجزات»؛ ومن الأفضل أن نتتبع انتقال الموروث حيثما أمكن.
ومن المنظور الاجتماعي، يشير انتشار مركّب أداة الطنين الدوّارة إلى أن المجتمعات السرية الابتدائية كانت استراتيجية اجتماعية ناجحة انتشرت على نطاق واسع. فكثيرًا ما أدت هذه المجتمعات وظيفة تثقيف الشبان، وإنفاذ القوانين (من خلال التخويف بالعقوبة الخارقة للطبيعة)، وربط أفراد الجماعة أثناء الأزمات (لأن الطقوس جماعية). كما أنها كثيرًا ما عملت بوصفها آليات للإكراه الاجتماعي، إذ أبقت النساء والأصغر سنًا في موقع الخضوع، وهو ما يمكن أن يثبت أنماطًا اجتماعية أبوية معينة. ومن ثم يمكن القول إن عبادة أداة الطنين الدوّارة أكسبت الثقافات التي تبنتها نوعًا من الملاءمة، وساعدتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي، وربما على التفوق في المنافسة على جماعات تفتقر إلى مثل هذا التنظيم. وقد يفسر ذلك انتشارها الواسع.
وقد يُطرح السؤال الآتي: إذا كانت عبادة أداة الطنين الدوّارة واسعة الانتشار إلى هذا الحد في وقت مبكر، فلماذا لم تبقَ في كل مكان؟ تكمن الإجابة في التحولات اللاحقة. فعلى سبيل المثال، حين نمت المجتمعات لتصبح مشيخات ودولًا، ظهرت أدوات جديدة للسلطة (الجيوش، والكهنوت، والقوانين المكتوبة). وربما أصبح الرعب الخام الذي تثيره أداة الطنين الدوّارة أقل ضرورة، أو استُوعب في أشكال جديدة (فقد تكون أجراس الكنائس في أوروبا الوسيطة، مثلًا، قد تولت دور «إسماع صوت الروح» للجماعات الدينية، ولكن بطريقة غير سرية وجماعية). وفي أوروبا، تحولت أداة الطنين الدوّارة بالفعل إلى جزء من الفولكلور، لأن الدين المنظم (المسيحية) نظر إلى هذه البقايا الوثنية بعين الريبة أو السخرية. وفي بعض الأماكن (مثل أوساط النافاهو)، تحولت أداة الطنين الدوّارة إلى أداة شامانية للعلاج والتأثير في الطقس، مع تراجع طقوس الاستهلال العلنية. وخلاصة الأمر أن دور أداة الطنين الدوّارة تغير أو اختفى حيثما انهار النموذج القديم لعبادة الرجال (بسبب ضغوط خارجية أو داخلية). غير أن بقاؤها أصلًا، بل وإحياءها في بعض السياقات الوثنية الجديدة أو سياقات الشعوب الأصلية، يدل على جاذبيتها المستمرة.
ومن المؤثر للغاية أن نتأمل في أن شيخًا من السكان الأصليين في أرض أرنهيم، مثلًا، حين يدير أداة الطنين الدوّارة اليوم، وشامانًا من الأمازون يفعل الشيء نفسه، يشاركان، من غير أن يعلما، في سلالة ثقافية واحدة قد تمتد إلى 15,000 سنة أو أكثر. إنهما يتحدثان، إذا جاز التعبير، اللغة الطقسية نفسها، الموروثة من ثقافة سلف مشتركة. وهذا ليس مصادفة؛ بل هو جماعة ممتدة عبر الزمن. ومعناه أنه حتى بعد أن تباعدت القارات في عصور ما قبل التاريخ البشري، ظلت تقاليد معينة خيوطًا واصلة في نسيج البشرية. إن أداة الطنين الدوّارة ــ «أقدس الأشياء الطقسية لدى الرجل»، كما سماها هادون ــ قد منحتنا حقًا درسًا في الفولكلور وما قبل التاريخ. فهي تعلمنا أنه بينما تنهض الإمبراطوريات وتسقط، وتتغير اللغات والتقنيات، تظل بعض الأصوات والرموز تتردد من دون تغيير عبر العصور والقارات. وفي الهدير الأجوف للوح الدائر، نسمع الصوت البعيد لأسلافنا، هديرًا لا يزال يتردد في أقاصي العالم حاملًا رسالة مفادها أننا نتذكر من بداياتنا أكثر مما ندرك.
7. الأسئلة الشائعة والخاتمة#
س: أليس من الممكن أن تكون أدوات الطنين الدوّارة قد اختُرعت مرات متعددة بصورة مستقلة؟
ج: رغم أن ذلك ليس مستحيلًا بالنسبة إلى الأداة نفسها، فإن المركّب الطقسي الكامل المحيط بأدوات الطنين الدوّارة محدد للغاية بحيث لا يمكن عزوه إلى المصادفة. وكما جادلنا، فإن احتمال أن تكون عشرات الثقافات قد قررت، كل منها بصورة مستقلة، أن لوحًا طنانًا ينبغي استخدامه في طقوس ابتداء الذكور، وأن يُحفظ سرًا عن النساء، وأن تُفسَّر وظيفته بأساطير عن منشئه النسائي وسرقته، هو احتمال ضئيل للغاية. وقد يفسر الاختراع المستقل وجود أدوات إصدار الضجيج عمومًا، لكنه لا يفسر التجمع المتسق للأدوار الصوفية. ويظل الانتشار (الانتقال الثقافي) التفسير الأكثر اقتصادًا، في ضوء الأدلة الإثنوغرافية والأثرية.
س: كيف أمكن لممارسة طقسية أن تنتشر عبر المحيطات والقارات في عصور ما قبل التاريخ؟
ج: من خلال آليتين رئيسيتين: هجرة البشر والتبادل بين الثقافات. فقد كان البشر الأوائل أكثر قدرة على التنقل والترابط مما كان يُعتقد من قبل بكثير. فعلى سبيل المثال، تُظهر الدراسات الجينية تدفقًا جينيًا قديمًا بين السكان الأصليين الأستراليين وسكان أمريكا الجنوبية، بما يوحي بإمكان حدوث اتصال أو وجود طرق هجرة متوازية. وبالمثل، ربما حمل أول البشر الذين دخلوا الأمريكتين تقاليد أداة الطنين الدوّارة من سيبيريا (حيث كانت لدى التشوكشي وجماعات قطبية أخرى ممارسات شبيهة بممارسات أداة الطنين الدوّارة). كما أن الاتصال البحري بين بولينيزيا وأستراليا وربما أمريكا الجنوبية لا يزال موضوعًا للبحث؛ وأي اتصالات من هذا القبيل كان من شأنها أن تنشر العناصر الثقافية. وعلى نحو أدق، يمكن للأفكار أن تنتشر عبر ثقافات وسيطة حتى لو لم يسافر الناس أنفسهم إلى كل المسافة. وربما انتشرت أداة الطنين الدوّارة عبر أوراسيا في مسارات متعددة: مسار جنوبي إلى أوقيانوسيا، وغربي إلى أوروبا وأفريقيا، وشرقي إلى الأمريكتين. وبحلول زمن التوسع الاستعماري الأوروبي، كانت أدوات الطنين الدوّارة موجودة تقريبًا في كل مكان خارج مراكز الحضارات الكبرى. ويشير هذا التوزيع الواسع إلى نمط انتشار قديم جدًا، يرجح أنه يعود إلى أواخر العصر البليستوسيني/أوائل الهولوسين، حين استعمر البشر أراضي جديدة.
س: هل ينطوي مركّب أداة الطنين الدوّارة على وجود فترة أمومية فعلية في التاريخ؟
ج: إن أساطير الملكية النسائية السابقة واسعة الانتشار إلى حد أن بعض علماء القرن التاسع عشر (باخوفن، وغيرُه) افترضوا بالفعل وجود «أمومية بدائية». أما الأنثروبولوجيا الحديثة فهي أكثر حذرًا. والأرجح أن هذه الأساطير تمثل قلبًا رمزيًا للواقع، يؤدي إلى تبرير الوضع القائم (الأبوية) من خلال تخيل زمن سابق كانت للنساء فيه سلطة، ثم فقدنها بسبب نوع من التعدي. ومن الممكن أنها تحفظ صدى لاضطرابات جندرية حقيقية في عصور ما قبل التاريخ؛ فمع نمو المجتمعات، مثلًا، ربما أخذ التفوق الجسدي للرجال يفرض نفسه بصورة متزايدة في الدين، مزاحمًا الممارسات المتمحورة حول النساء (مثل طقوس الخصوبة العلنية). غير أنه من غير المرجح أن تكون هناك مرحلة أمومية كونية؛ بل كانت للمجتمعات المختلفة ديناميات جندرية مختلفة، وربما أُعيدت مواءمة أسطورة أداة الطنين الدوّارة مع سيناريوهات محلية. وعلى أي حال، فإن النقطة المهمة هي أن الرجال في كل مكان شعروا بالحاجة إلى تفسير سبب استبعاد النساء، وفعلوا ذلك من خلال قصص متشابهة على نحو لافت. وسواء أكانت هذه القصص تعكس أحداثًا فعلية أم لا، فإنها تكشف عن نمط نفسي واجتماعي مشترك.
س: هل توجد ثقافات تستخدم فيها النساء أدوات الطنين الدوّارة بالفعل؟
ج: حالات ذلك قليلة جدًا. ومن الاستثناءات البارزة: وجود تقليد لدى الزولو في جنوب أفريقيا، كانت فيه الشابات (الفتيات) يستخدمن أداة طنين تُسمى إِنْسِمبي خلال طقوس بلوغهن الخاصة. غير أن هذه كانت أداة طنين صغيرة نسبيًا، ومن اللافت أن هذه الممارسة انقرضت بحلول القرن العشرين، وربما تحت تأثير القيود التي فرضتها عبادة الرجال. وبوجه عام، كلما تبنت النساء أدوات الطنين الدوّارة، كان الرجال يميلون إما إلى التخلي عنها أو إلى استعادتها ومنحها دلالة مختلفة. وكان لدى السيلكنام (الأونا) في أرض النار، وفقًا للأسطورة، أداة طنين نسائية أصلية (كوكوتش) استُخدمت لإخضاع الرجال، لكن الرجال هم الذين استخدموها في الأزمنة التاريخية لإخافة النساء في طقوس ابتدائهم (وهو انقلاب في الأدوار قيل صراحة إنه كان انتقامًا). وتؤكد هذه الحالات القليلة القاعدة العامة نفسها، لأنها تجعلها أكثر وضوحًا. ففي كل مكان تقريبًا في الإثنوغرافيا، تُعد أدوات الطنين الدوّارة «شأنًا سريًا للرجال».
س: تبدو أداة الطنين الدوّارة بسيطة؛ فهل كان يمكن أن تكون لها استخدامات طقسية تتجاوز عبادة الرجال؟
ج: نعم، كانت لها في بعض الثقافات تطبيقات طقسية أخرى أيضًا. فعلى سبيل المثال، استخدم بعض الشامانات من السكان الأصليين الأمريكيين (شامانات النافاهو هاتالي) أدوات الطنين الدوّارة لاستدعاء أرواح الشفاء في طقوس مفتوحة أمام كلا الجنسين (Bullroarer Atlas: Navajo shamanic curing bullroarer). وفي أجزاء من ميلانيزيا، لم تكن أدوات الطنين الدوّارة تُدار في طقوس الاستهلال فحسب، بل في الجنائز أيضًا لدرء شبح الميت، أو في طقوس الزراعة لاستدعاء بركات الأسلاف. غير أن هذه الاستخدامات توجد عادة إلى جانب الوظيفة الابتدائية الرئيسية، لا بدلًا منها. وقد تمثل إما طبقات أقدم (كالاستخدام الشاماني الذي سبق عبادة الرجال المكتملة)، أو تكيّفات لاحقة (أي استخدام الأداة الموقرة لأغراض إضافية بعد تآكل سريتها).
س: هل تتذكر الثقافات الحديثة معنى أداة الطنين الدوّارة؟
ج: لدى الجماعات التي تستخدمها بنشاط، نعم، بالتأكيد؛ فلديها أساطير وتفسيرات غنية، كما رأينا. أما في الثقافات التي انحدرت فيها إلى مرتبة لعبة، فكثيرًا ما نُسي المعنى الأصلي إلى حد كبير، لكن معتقدات شعبية باهتة ظلت باقية. فعلى سبيل المثال، كان سكان الريف الأيرلندي في القرن التاسع عشر يسمون أداة الطنين الدوّارة «لعبة البانشي»؛ وكانت البانشي أرواحًا أنثوية، وهو ما قد يلمح إلى بقاء ذكرى لفكرة الصوت الشبحي. وفي مدغشقر، لاحظ مراقبون أوروبيون أن أداة الطنين الدوّارة كانت لعبة للصبية بحلول عام 1900، لكن السكان المحليين ظلوا يلتزمون بتحريم مفاده أنه لا ينبغي للنساء لمسها، وبأسطورة تقول إنها سقطت من السماء. وهكذا، حتى حيث تلاشت المعرفة الصريحة، ظلت شظايا من الدلالة القديمة باقية. واليوم، تُبذل جهود لإحياء هذه التقاليد؛ فبعض جماعات السكان الأصليين الأستراليين، مثلًا، تعيد تعليم الشبان الدور المقدس لأداة الطنين الدوّارة بوصفه جزءًا من إحياء الثقافة، كما تبنت بعض الجماعات الوثنية الجديدة أدوات الطنين الدوّارة في الطقوس (ولكن غالبًا من دون القواعد الجندرية الصارمة). وهكذا تواصل أداة الطنين الدوّارة إثارة الفضول، وتجد معاني جديدة حتى في العالم الحديث.
الخلاصة: تؤكد حالة أداة الطنين استبصارًا أساسيًا: تقوم وراء التنوع الظاهر للثقافات البشرية أوجهُ تشابه عميقة. فهذه الآلة البسيطة، الموجودة في كل قارة مأهولة، تحمل معها نسقًا معقدًا من الطقوس والأساطير المتشابهة على نحو مقلق أينما نظرنا. وترجّح الأدلة بقوة أن هذا ليس مصادفةً من مصادفات الاختراع المتوازي، بل هو إرث تراث ثقافي بدئي ــ يُرجَّح أنه نشأ في فجر الحياة الرمزية البشرية قبل التاريخ، وانتشر على نطاق واسع حين أخذ أسلافنا يعمّرون الأرض. ومن خلال تتبّع أصداء أداة الطنين، تعقّبنا خيوطًا من طقوس الاستهلال والأساطير تصل بين شيوخ السكان الأصليين الأستراليين وشامانيي الأمازون، وبين المبتدئين اليونانيين وكهنة المطر لدى الهوبي. وتشير هذه الخيوط إلى أن الإنسان العاقل المبكر، حين انتشر خارج أفريقيا وعبر العالم، اشترك في بعض الحلول الطقسية لتحديات المجتمع: كيف يَسِم الانتقال إلى سنّ الرشد، وكيف يحافظ على التماسك والسلطة، وكيف يتفاعل مع قوى الطبيعة غير المرئية. وكان نسق أداة الطنين أحد هذه الحلول ــ حلًّا أنيقًا في بساطته، عميق الأثر.
إن فهم هذا الانتشار العميق لا ينتقص من فرادة التعبير لدى كل ثقافة؛ بل يغني تقديرنا للإبداع البشري، إذ يبيّن كيف يمكن لفكرة قديمة أن تتكيّف في عدد لا يُحصى من الأشكال الزاخرة بالألوان، مع احتفاظها بجوهر مشترك. كما أنه يشجعنا على إعادة النظر في الأساطير والرموز واسعة الانتشار الأخرى، بعين تتطلع إلى إمكان وجود صلات قديمة بينها. وفي زمن كانت الأنثروبولوجيا تنأى فيه عن «السرديات الكبرى»، تدعونا أداة الطنين إلى النظر في احتمال أن تكون بعض السرديات الكبرى صحيحة ــ وأن تكون هناك بالفعل سلاسل طويلة من التحدر الثقافي تصلنا بأسلاف العصر الجليدي. ومن خلال إعادة الاعتبار إلى الانتشار بوصفه آلية تفسيرية صالحة (بعد تجريده من الحمولة الاستعمارية)، يمكننا أن ندمج الأدلة كلها على نحو أفضل ــ الإثنوغرافية والأثرية والجينية ــ في قصة بشرية متماسكة.
وفي الختام، أدّت أداة الطنين دور الدليل إلى داخل تلك القصة. فقد أظهر أن وراء الألسن المتنوعة في العالم قد تكمن قواعد روحية مشتركة علّمنا إياها أسلافنا (وربما سلفنا من النساء أيضًا). وإن سماع الطنين الساحر لأداة الطنين الدوّارة في ليل الصحراء أو عند الغسق في الأدغال هو تجربة صوت يتردد حرفيًا عبر آلاف السنين ــ صوتٌ كان يعلن حضور المقدّس في مخيمات العصر الحجري القديم، ولا يزال يفعل ذلك في القرى النائية اليوم. وهو يذكّرنا بأننا، بوصفنا نوعًا، نمتلك ذاكرة ثقافية تسبق الكتابة، بل تسبق الزراعة أيضًا بزمن طويل. كما يتحدانا إلى الإصغاء إلى تلك الأصداء وتركيب حكمة (وحماقات) ماضينا السحيق. وهكذا تصبح أداة الطنين، وهي لوح خشبي صغير ذو صوت عظيم، مفتاحًا لفتح تاريخ الروحانية البشرية ــ حقًا علامة عالمية على الانتشار الثقافي وفجر الطقس البشري المكتمل.
الأسئلة الشائعة#
س1. الاختراع المستقل أم الانتشار ــ أيهما يفسر النمط على نحو أفضل؟
ج. ينسجم الانتشار معه على نحو أفضل: فسمات مترابطة بإحكام (مثل «صوت الروح» السري، والمحظور على النساء، وتوقيت طقوس الاستهلال، وصلات الرعد/الأفعى) تتكرر عبر القارات، فضلًا عن أن المكتشفات العائدة إلى أواخر العصر الحجري القديم والشواهد النصية المبكرة تثبت قِدمها.
س2. ما أقدم دليل أثري موثوق على أداة الطنين؟
ج. تؤدي صفيحة مثقبة من عظم الماموث من ميزين (~19 ألف سنة قبل الحاضر) وظيفة أداة هوائية؛ ومن المرجح أن تكون السوابق الخشبية قد اندثرت. وتمتد الشواهد اللاحقة من أستراليا وأفريقيا والأمريكتين إلى البحر المتوسط (الرومبوس اليوناني).
س3. لماذا تقول أساطير كثيرة إن النساء امتلكنَه أولًا؟
ج. يضفي هذا النمط الشرعية على سيطرة الرجال على طقوس الإقصاء، من خلال رواية انتقال بدئي؛ كما أنه يعكس مفاوضات أوسع نطاقًا، موسومة جندريًا، بشأن السلطة الطقسية.
س4. ماذا «يفعل» الصوت من الناحية الطقسية؟
ج. يوسم الطنين منخفض التردد حالةَ العتبة ــ إذ يحجب غير المرئي، ويوجّه الخوف/الرهبة، ويزامن الانفعال الجمعي؛ وغالبًا ما يحل محل حضور الرعد/الأفعى في طقوس الطقس والعبور.
المصادر المستشهد بها: (أسلوب شيكاغو ــ المؤلف والتاريخ)
- Lang, Andrew. 1885. Custom and Myth، صص. 85–90. (ملاحظة مبكرة: «إن دراسة أداة الطنين هي تلقّي درس في الفولكلور»، مع الإشارة إلى انتشاره الواسع واستخداماته الصوفية).
- Frazer, James G. 1890. The Golden Bough (1st ed.). لندن: Macmillan. (يناقش أداة الطنين في طقوس الاستهلال، وأوجه التشابه بين الطقس في غينيا الجديدة والطقس الديونيسي).
- Matthews, R. H. 1898. “Bullroarers Used by the Australian Aborigines.” Journal of the Anthropological Institute 27: 52–60. (يوثّق المحظور العالمي على النساء المتعلق بأداة الطنين لدى القبائل الأسترالية).
- Spencer, Baldwin, and F. J. Gillen. 1899. The Native Tribes of Central Australia. لندن: Macmillan. (وصف مفصل لطقوس الاستهلال لدى الأررنتي؛ أسطورة توانيريكا: أداة الطنين بوصفه صوت الروح، والموت/الولادة الجديدة بوصفهما رمزًا).
- Haddon, Alfred C. 1898. The Study of Man. لندن: Macmillan. (سلسلة مقارنة للأدوات الطنين الدوّارة في أنحاء العالم؛ ويصفه بأنه «أقدم رمز ديني مقدس وأكثرها انتشارًا وقداسة في العالم»).
- Loeb, E. M. 1929. “Tribal Initiations and Secret Societies.” UC Publications in American Archaeology and Ethnology 25(3): 245–288. (مسح عالمي؛ يجادل بأن نسق أداة الطنين لا بد أن يكون قد انتشر، لأن عناصره تتجمع بصورة متسقة أكثر مما ينبغي).
- Nature (افتتاحية). 1929. “Secret Societies and the Bull-roarer.” Nature 123 (June 8, 1929): 857–859. (تلخّص الإجماع القائل إن نسق أداة الطنين يُرجّح أنه انتشر من ثقافة الإنسان المبكر).
- Zerries, Otto. 1942. Das Schwirrholz (The Bullroarer). شتوتغارت: Kohlhammer. (دراسة أحادية توثّق استخدامات أداة الطنين لدى 40 قبيلة من قبائل أمريكا الجنوبية، فضلًا عن مناطق أخرى؛ وتؤيد الانتشار).
- Dundes, Alan. 1976. “A Psychoanalytic Study of the Bullroarer.” Man 11(2): 220–238. (يفسّر نسق أداة الطنين من خلال الرموز الفرويدية: أداة الطنين = القضيب الذكري والبراز، والعبور = ولادة ذكورية جديدة، إلخ).
- Gewertz, Deborah (ed.). 1988. Myths of Matriarchy Reconsidered. سيدني: Oceania Monographs 33. (مقالات عن أساطير «المزامير المقدسة للنساء» في ميلانيزيا والأمازون؛ تشكك في النظام الأمومي الحرفي، لكنها تحلل وظيفة الأساطير).
- Knight, Chris. 1995. Blood Relations: Menstruation and the Origins of Culture. نيو هيفن: Yale University Press. (يقترح أن الثقافة البشرية المبكرة انطوت على تضامن النساء، وأن استجابة الرجال تمثلت في ابتكار طقوس مثل أدوات الطنين لمحاكاة التزامن الحيضي).
- Gregor, Thomas, and Donald Tuzin (eds.). 2001. Gender in Amazonia and Melanesia: An Exploration of the Comparative Method. بيركلي: UC Press. (دراسات مقارنة للطقوس الذكورية؛ تناقش فصول متعددة أساطير أداة الطنين/الناي في المنطقتين).
- Dietrich, Oliver, and Jens Notroff. 2016. “A Decorated Bone ‘Spatula’ from Göbekli Tepe: On the Pitfalls of Iconographic Interpretation in Early Neolithic Art.” Neo-Lithics 1/16: 22–30. (يوردان أشياء محتملة الشبه بأداة الطنين في غوبكلي تبه وكورتك تبه؛ عظمًا منقوشًا بأفعى وثقب؛ وتأكيدًا تجريبيًا لإصدار الصوت).
- Rusch, Neil et al. 2018. “The Doring River Bullroarers Rock Painting: Continuities in Sound and Rainmaking.” Journal of Archaeological Science: Reports 21: 1307–1321. (يحلل رسمًا صخريًا من جنوب أفريقيا لعازفي أداة الطنين؛ ويعرض آلات مستنسخة للصوت؛ ويربطها بطقوس التحكم في المطر لدى السان).
- Cutler, Andrew. 2024. “The Bullroarer: a history of man’s most sacred ritual object.” Vectors of Mind (Substack)، July 24, 2024. https://www.vectorsofmind.com/p/the-bullroarer-much-more-than-you
- Cutler, Andrew. 2025. “Why Did Male Initiation Rituals Diffuse?” Vectors of Mind (Substack). https://www.vectorsofmind.com/p/why-did-male-initiation-rituals-diffuse
- The Bullroarer: An Interactive World Atlas. السجلات ذات الصلة: La Roche de Birol, Dordogne، Lespugue، Mezhirich, Ukraine (claim assessed)، Göbekli Tepe، Çatalhöyük، ancient Greek Dionysiac rhombos، Tusayan/Walpi Hopi tovokìnpi، Desana nurá-mee, Vaupés، Dogon rhombe of Yougo Dogorou، وNavajo shamanic curing bullroarer؛ وانظر أيضًا مقالات الأطلس عن women-first charter myths وswallowing-rebirth initiation complex.
