خلاصة القول
- تُعد أساطير أفعى قوس قزح لدى السكان الأصليين في أستراليا من أقدم التقاليد الدينية المستمرة في العالم، إذ يعود تاريخ الفن الصخري إلى 6,000-8,000 سنة.
- تتضمن قصص الخلق هذه إلهاً أفعوانياً شكّل معالم الأرض، وجلب الماء، وعلّم البشر الثقافة والقانون والأخلاق.
- يتزامن ذلك مع فيضانات ما بعد العصر الجليدي وتغيرات مناخية دراماتيكية، ما يشير إلى أن الأساطير تحفظ ذكريات جيولوجية قديمة.
- تفترض نظرية حواء للوعي أن أساطير الأفاعي هذه، المنتشرة في أنحاء العالم، تنحدر من «عبادة أفعى» بدئية أطلقت الوعي البشري بالذات.
- تتذكر قصص الفيضانات لدى السكان الأصليين بدقة أحداثاً تعود إلى 10,000 سنة، مثل غمر الجسور البرية، مما يبرهن على قدرة مدهشة على حفظ التقاليد الشفوية.
حكايات الأفاعي القديمة ونظرية حواء للوعي#
يحفظ السكان الأصليون في أستراليا بعضاً من أقدم القصص على وجه الأرض؛ وهي أساطير قديمة إلى حد أنها تستعيد صورة العالم في نهاية العصر الجليدي الأخير. ومن بين هذه القصص، تبرز أفعى قوس قزح بوصفها كائناً خالقاً قوياً في مرويات زمن الحلم، وغالباً ما يُنسب إليها تشكيل الأرض ومنح البشر الثقافة. ووفقاً للتقاليد الأصلية في أنحاء أستراليا، خرجت أفعى عظيمة في العالم البدئي، وشقت الأنهار وحفرت الغدران، وعلّمت البشر الأوائل كيف يعيشون، فوهبتهم الماء والقانون والأغاني والفن، بل واللغة أيضاً. وهذه الحكايات عن أفعى واهبة للمعرفة قديمة للغاية: إذ تعود رسوم أفاعي قوس قزح الصخرية في أرض أرنهيم إلى ما لا يقل عن 6,000–8,000 سنة، بما يعكس أحد أقدم المعتقدات الدينية المستمرة لدى البشرية. وكما سنرى، تشير البحوث الحديثة إلى أن هذه القصص قد ترمّز أحداثاً ورؤى من الماضي السحيق. ومن اللافت أنها تتناغم مع فكرة مثيرة للجدل، هي نظرية حواء للوعي (EToC)، التي تربط بين «عبادة أفعى» ما قبل التاريخ وبين لحظة نشوء الوعي البشري بالذات.
أفعى قوس قزح: أساطير الأفاعي الأسترالية القديمة#
لوحة معاصرة على لحاء الشجر للسكان الأصليين، تصور أفعى قوس قزح (للفنان جون ماوروندجول، 1991). أفعى قوس قزح كائن خالق في الأسطورة الأسترالية، شكّل الأرض ومنح الناس الثقافة والقانون. وترتبط هذه الأفعى غالباً بالماء وأقواس قزح؛ فهي قادرة على منح الحياة، لكنها قد تطلق أيضاً الفيضانات أو الجفاف إذا أسيء إليها.
في أنحاء أستراليا، تُبجَّل أفعى قوس قزح، المعروفة بأسماء محلية عديدة، بوصفها روحاً خالقة وقوة سلفية. وفي قصص زمن الحلم، يوصف هذا الإله الأفعواني غالباً بأنه يتحرك في عالم منبسط خالٍ من المعالم، مستخدماً جسده الهائل المتلوّي ليخلق التلال والأخاديد ومجاري الأنهار. وأثناء ترحاله، كان يطلق الماء من باطن الأرض، فيملأ البيلابونغات والغدران، وبذلك يجلب الحياة إلى الأرض. وتقول الروايات الأصلية إن أقواس قزح في السماء هي الأفعى، تنتقل من غدير إلى آخر بعد هطول الأمطار. وترتبط الأفعى عادةً بالخصوبة والمطر، وتمتلك قوتين مزدوجتين، هما الخلق والتدمير: فهي توفر الماء والحياة الثمينين، لكنها إذا أغضبت قد ترسل فيضانات كارثية أو جفافاً. ويشكل هذا التركيز على دورة الماء، من جفاف ورياح موسمية وفيضانات، خيطاً مشتركاً في قصص أفعى قوس قزح عبر المناطق المختلفة، بما يعكس أهمية الماء في بيئة أستراليا القاسية.
والأهم أن أفعى قوس قزح تؤدي أيضاً دور المعلِّم في تقاليد كثيرة. ففي بعض الروايات، تكون كائناً أنثى أو ثنائي الجنس منح البشر ثقافتهم. فعلى سبيل المثال، منحت أرواح وانجينا الخالقة في منطقة كيمبرلي، التي تُصوَّر غالباً مع الأفعى أونغود، «الناس الثقافة والقانون والأغاني»، بينما ساعدت أونغود، الأفعى، على تشكيل الأرض. وفي أرض أرنهيم، تقول أساطير أفعى قوس قزح إن الأفعى العظيمة علّمت البشر الأوائل الطهي والصيد والرسم والغناء، أي إنها جلبت المعرفة والنظام إلى البشرية. ولا يمكننا أن نغفل صدى الحكاية الكتابية الشهيرة: أفعى ترتبط بامرأة، أو بشخصية أمومية، تمنح المعرفة للبشر. ففي سفر التكوين، تغوي أفعى في الجنة حواء بأن تأكل ثمرة المعرفة، وبعد ذلك «يصير آدم كواحد من الآلهة» بفعل حواء. وبالمثل، تمنح شخصيات شبيهة بحواء لدى السكان الأصليين، مثل جدة سلفية أو أفعى قوس قزح أنثى في بعض القصص، البشر معرفة أو مهارات حيوية. وتشير هذه العناصر المتوازية، أي أفعى وامرأة ومعرفة محرمة أو مقدسة، إلى أننا قد نكون أمام انعكاسات ثقافية مختلفة لقصة بدئية واحدة.
ما قِدم قصص الأفاعي؟#
ما مدى قِدم أسطورة أفعى قوس قزح؟ رغم أن السكان الأصليين الأستراليين موجودون في أستراليا منذ أكثر من 50,000 سنة، تشير الأدلة الحالية إلى أن عبادة الأفعى دخلت التقليد الشفوي في الهولوسين، أي الحقبة الممتدة منذ العصر الجليدي الأخير، لا في فجر الهجرة البشرية ذاته. وتشير الدراسات الأثرية ودراسات الفن الصخري إلى أن صور أفعى قوس قزح بدأت في الظهور قبل نحو 6,000–8,000 سنة، بعد انتهاء العصر الجليدي وارتفاع مستويات سطح البحر. ففي أرض أرنهيم الغربية، على سبيل المثال، تعود أقدم الرسوم التصويرية لأفاعي قوس قزح، التي تُصوَّر أحياناً برؤوس شبيهة برؤوس الكنغر أو بملامح بشرية، إلى أنماط من الفن الصخري يرجع تاريخها تقريباً إلى منتصف الهولوسين. ولهذا التوقيت أهمية كبيرة، إذ يتزامن مع تغيرات مناخية دراماتيكية، من ارتفاع منسوب البحار وتبدل أنماط هطول الأمطار إلى غمر الأراضي المنخفضة، وهي تغيرات أثرت بلا شك في حياة السكان الأصليين. ومن الجدير بالملاحظة أن كثيراً من حكايات أفعى قوس قزح ترتبط صراحةً بفيضانات عظيمة. ويفيد علماء الأنثروبولوجيا بأن أساطير الأفاعي هذه «كانت قوية بصفة خاصة، وغالباً ما ارتبطت بفيضانات عظيمة»، إذ تصف كيف جلبت الأفعى سيولاً جارفة أو ابتلعت كائنات ثم قذفت بها لتشكيل الأرض. وتشير هذه التفاصيل بقوة إلى أن القصص تحفظ ذكريات ثقافية عن ارتفاع مستوى سطح البحر والفيضانات في أعقاب العصر الجليدي، خلال فترة تمتد تقريباً من 7,000 إلى 10,000 سنة مضت.
وقد أثبت التاريخ الشفوي لدى السكان الأصليين بالفعل قدرته على حفظ ذكريات مدهشة القدم. فقد وثّق الباحثون قصصاً تستعيد بدقة جغرافيا تعود إلى عصر البليستوسين. فعلى سبيل المثال، تصف أسطورة نغورونديري لدى شعب نغارّيندجيري في جنوب أستراليا زمناً كان يمكن فيه السير إلى جزيرة الكنغر، إلى أن تسبب أحد الأسلاف في ارتفاع البحر وفصل الجزيرة بصورة دائمة. وتؤكد الأدلة الجيولوجية أن الجسر البري المؤدي إلى جزيرة الكنغر غُمر قبل نحو 10,100 سنة. وبالمثل، تستعيد قصص السكان الأصليين على ساحل كوينزلاند ثورات بركانية وغمر رف الحاجز المرجاني العظيم قبل نحو 9–10 آلاف سنة. وتمنح مثل هذه الأمثلة مصداقية لفكرة أن أسطورة أفعى قوس قزح، بما تركز عليه من فيضانات وماء، قد تمتد هي أيضاً إلى آلاف السنين. بل إن بعض الباحثين ذهبوا إلى التكهن بأن أساطير الأفاعي قد تعود أصولها إلى البليستوسين المتأخر على مستوى العالم، وربما رافقت الهجرات البشرية الأولى. وقد افترض أحد التحليلات العابرة للثقافات، الذي أجراه عالم الأنثروبولوجيا جوليان دوي، أن موتيف «التنين/الأفعى» انتشر من إفريقيا قبل عشرات الآلاف من السنين، ووصل إلى الشرق الأقصى قبل 60,000 سنة، ثم انتقل لاحقاً إلى أستراليا. غير أن دوي أشار إلى بديل مثير للاهتمام، هو أن التنين الأسترالي ربما وصل مع هجرة ثانية أو عبر انتشار ثقافي نحو 8,000 سنة مضت، وهو ما «يطابق العمر المقدَّر لموتيف أفعى قوس قزح في هذه المنطقة». وبعبارة أخرى، قد لا تعود أسطورة أفعى قوس قزح إلى الأستراليين الأوائل قبل 50 ألف سنة كاملة، بل ربما استُقدمت أو تطورت خلال الهولوسين عندما تسربت أفكار جديدة، وربما شعوب جديدة أيضاً.
ويميل أنصار نظرية حواء للوعي المعاصرون إلى هذا الأصل اللاحق. فهم يرون أن من غير المرجح أن تبقى الأساطير على حالها دون تغيير طوال أكثر من 50,000 سنة من غير كتابة، وأن استمرارية الثقافة الأسترالية المدهشة ظلت مع ذلك خاضعة للتطور والانتشار عبر الزمن. بل إن عزلة أستراليا النسبية، مع محدودية الاتصال الخارجي حتى آلاف السنين الأخيرة، ربما ساعدت على حفظ هذه القصص الهولوسينية في صورتها الأصلية. ويعتقد البروفيسور باتريك نَن، الذي يدرس التواريخ الشفوية للسكان الأصليين، أن بعض الروايات الأسترالية توارثتها الأجيال طوال 400 جيل أو أكثر، مما قد يجعلها الأقدم على الكوكب. لكنه هو أيضاً يشير إلى عمر يقارب 10,000 سنة، لا 100,000 سنة. ولذلك، فعلى الرغم من أن أسطورة أفعى قوس قزح قديمة للغاية بمقاييس الاصطلاح المعتادة، أقدم من الأهرامات أو الزراعة، فمن المرجح أنها تبلورت خلال العصر الحجري الحديث، لا العصر الحجري القديم. وهذا يمهد لربط هذه الحكايات بتطور جسيم في الإدراك البشري، يقترح باحثون مثل أندرو كتلر، مؤلف نظرية حواء للوعي، أنه وقع في أواخر العصر الجليدي.
عبادة الوعي الأفعوانية: هبة حواء المتمثلة في الوعي بالذات#
ما علاقة إله أفعواني بالوعي البشري؟ وفقاً لـنظرية حواء للوعي التي وضعها أندرو كتلر، فالعلاقة هي كل شيء. تقترح نظرية كتلر بجرأة أن الوعي البشري بالذات، أي القدرة على التفكير في أفكار المرء نفسه، والقول «أنا موجود»، لم ينشأ تدريجياً قبل مئات الآلاف من السنين، بل اشتعل في حدث أو لحظة ثقافية محددة في عصور ما قبل التاريخ. ووفق فرضيته، حفزت هذا الاختراقَ طقوسٌ أفعوانية مهلوسة. ويتصور أنه في أواخر العصر الجليدي، وربما قبل ~15–30 ألف سنة، اكتشفت شخصية رؤيوية، هي «حواء» بالمعنى المجازي، كيفية استحداث حالة متغيرة من الوعي، على الأرجح باستخدام سم الأفعى بوصفه مسبباً للهلوسة، بما أتاح لها إدراك عقلها هي للمرة الأولى. وفي تلك اللحظة من التأمل الداخلي، «أصبحت واعية بالذات» واكتسبت ما وراء المعرفة، أي إنها اخترعت مفهوم الأنا البشرية، في جوهر الأمر. ثم علّمت هذه المرأة البدئية الآخرين، أي «آدم» أو قبيلتها، هذا المنظور الداخلي الجديد، وربما فعلت ذلك عبر طقوس مشتركة تنطوي على لدغات الأفاعي أو حالات نشوة مستحثة بالسم. وبعبارة أخرى، «علّمت حواء آدمَ ما وراء المعرفة»؛ أما الصدى الأسطوري لذلك فهو تقديم حواء ثمرة المعرفة إلى آدم في الجنة.
يجادل كتلر بأن هذا الاستيقاظ المتمحور حول الأفاعي انتشر بوصفه نوعًا من الطائفة أو المعرفة السرية – طائفة الأفعى للوعي – إذ نقل الذين اختبروا الوعي بالذات هذه الممارسة إلى غيرهم. وهو قلب لافت للقصة التطورية المعتادة: الثقافة تقود البيولوجيا، والميم يسبق الجين. وبدلًا من أن يكون البشر قد امتلكوا اللغة والإدراك الحديث مكتملين قبل 100,000 سنة، يقترح أن جزءًا كبيرًا من البشرية ظل يفتقر إلى الذهنية الرمزية الانعكاسية بالكامل حتى وقوع هذا الحدث الميمي في أواخر العصر الجليدي. وتدعم خطوط مختلفة من الأدلة معقولية حدوث ثورة إدراكية حديثة نسبيًا. ويتحدث علماء الآثار عن «ثورة بشرية» أو «مفارقة الإنسان العاقل» – مشيرين إلى أنه رغم ظهور الإنسان العاقل تشريحيًا قبل ~300 ألف سنة، فإن انفجار السلوك الرمزي (فن الكهوف، والدين، والأدوات المعقدة، والتخطيط طويل الأمد) لم ينطلق فعليًا إلا نحو 40,000–10,000 سنة مضت. فعلى سبيل المثال، لم ينتشر فن الكهوف المنظم والزخارف التجريدية على نطاق واسع إلا منذ نحو 16–20 ألف سنة مضت. وقد شُيّد أول معبد معروف، غوبكلي تبه في تركيا، قبل ~12 ألف سنة – أي قبل الزراعة، بما يشير إلى أن الطقوس الدينية سبقت الحضارة. ومن اللافت أن غوبكلي تبه «يزخر بالأفاعي زخرًا تامًا» – إذ إن أكثر من ربع رموز الحيوانات المنحوتة فيه أفاعٍ. ويرى كتلر أن هذا ليس من قبيل المصادفة: فإذا كان الدين الأول طقس وعي مستلهمًا من الأفاعي، لتوقعنا أن تكرّم أقدم المعابد الأفاعي. وبالفعل، توحي منحوتات الأفاعي في غوبكلي، بل والاكتشافات الأقدم منها (مثل تمثال سيبيري عمره 19 ألف سنة لأفعى شبيهة بالكوبرا كان الصيادون وجامعو الثمار في العصر الجليدي يحملونه)، بوجود طائفة للأفاعي عند بزوغ فجر الدين المنظم.
في سيناريو كتلر، تمثل شجرة المعرفة في سفر التكوين والأساطير المماثلة في أنحاء العالم سجلات رمزية لتلك «الرحلة» الأصلية التي منحتنا الوعي بالذات. فالأفعى في عدن، التي تعرض معرفة تجعل البشر «كالآلهة، عارفين الخير والشر»، هي ذكرى شعرية لكيفية إفضاء الرؤى الناجمة عن السم إلى أول وعي أخلاقي بالذات. ومن الدال بوجه خاص أن حواء – وهي امرأة – كانت أول من تناول المعرفة ثم نقلها إلى آدم؛ فنظرية كتلر تعزو كذلك إلى النساء (وربما إلى امرأة شامانية بعينها) ريادة هذه الممارسة ونشرها. ويلاحظ أن الأفاعي حاضرة على نحو غريب في كل مكان في أساطير الخلق والمعرفة رغم كونها كائنات بسيطة عصبيًا. ويختفي هذا الشذوذ إذا كانت الأفاعي قد أدت فعلًا دورًا أساسيًا في طقس مغير للوعي: إذ يمكن لسمّها أن يسبب الهلوسات وتجارب الاقتراب من الموت. ويستشهد كتلر بمصادر قديمة تربط سم الأفاعي بـ«توسع الوعي» وبالنشوة المقدسة. ومع أن الأدلة المباشرة على طقوس سم الأفاعي شحيحة (وهو أمر غير مفاجئ، لأن هذه الطقوس كانت ستسبق الكتابة)، فإن الارتباط الرمزي المتسق بين الأفاعي والحكمة والطب والبعث (من الأفعى اليونانية على عصا أسكليبيوس، إلى الأفعى الأزتكية المريشة التي علّمت الزراعة، إلى أفعى قوس قزح لدى السكان الأصليين، التي تهب الثقافة) يوحي بجذر مشترك.
نظرية حواء تلتقي بأفعى قوس قزح#
كيف تنسجم قصص أفعى قوس قزح في أستراليا مع فرضية الوعي المرتبط بالأفاعي هذه؟ إنها تنسجم معها بصورة لافتة بوصفها فصلًا إقليميًا من القصة البشرية الأكبر. فإذا كانت طائفة الأفعى للوعي قد نشأت فعلًا قرب نهاية العصر الجليدي وانتشرت في أنحاء العالم خلال الهولوسين المبكر، لتوقعنا أن نعثر على أساطير خلق تتمحور حول الأفاعي في كل قارة – وهذا ما نجده بالفعل. فأستراليا الأصلية، رغم عزلتها الطويلة، ليست استثناءً: إذ إن أفعى قوس قزح حاضرة على نطاق واسع في أساطير السكان الأصليين، وهي «واحدة من أكثر دورات القصص شيوعًا وشهرة» بين مجموعات اللغات العديدة. ووفقًا لـ EToC، عندما انتشر الوعي بالذات ميميًا، كان سيعتمد على مسارات انتقال ثقافية قائمة – طرق التجارة، والتزاوج بين الجماعات، والاحتفالات المشتركة. ونحن نعلم أن أستراليا لم تكن معزولة تمامًا حتى في عصور ما قبل التاريخ؛ فهناك أدلة جينية ولغوية على بعض التفاعل مع جماعات أسترونيزية أو هندية قبل بضعة آلاف من السنين، فضلًا عن شبكات تجارة واسعة بين السكان الأصليين في أستراليا كان من شأنها أن تنقل الأساطير على نطاق واسع. ويوحي التوزيع الواسع لأسطورة أفعى قوس قزح بأنها إما تعود إلى حقبة مشتركة (بحيث ورثتها جميع الجماعات) أو أنها انتشرت سريعًا من خلال الاتصال الثقافي. وينسجم الاحتمال الأخير مع فكرة انتشار طائفة الأفاعي خلال الهولوسين. وكما يذهب أحد التحليلات، ربما دخل «موتيف التنين» إلى أستراليا مع موجة ثانية من الهجرة أو التأثير ~8 آلاف سنة قبل الحاضر – في الوقت نفسه تقريبًا الذي أدت فيه البحار الصاعدة إلى نشوء أساطير الطوفان، وحين بدأ الفن الصخري يُظهر الأفاعي للمرة الأولى. ووفق مصطلحات EToC، يمكن أن تكون تقاليد الأفاعي في أستراليا وافدًا من الهولوسين، وصل لا مع المستوطنين الأوائل من العصر الحجري القديم، بل لاحقًا، بوصفه جزءًا من تبادل المعرفة الذي أعقب العصر الجليدي، وشهد أيضًا ظهور أدوات وممارسات جديدة.
وثمة أوجه تشابه موضوعية لافتة تجعل أفعى قوس قزح تبدو كأنها التعبير الأسترالي الأصلي في زمن الحلم عن سردية الوعي المرتبط بالأفاعي. أولًا، تكون أفعى قوس قزح في كثير من الأحيان مائعة جندريًا أو أنثى (فعلى سبيل المثال، تصف بعض روايات أرض أرنهيم أفعى أنثى برأس بشري وثديين، تحيط بالمبتدئين الشبان وتبتلعهم). وهذا ينسجم مع دور شخصية «حواء» البدئية – أم أو سلف أنثى – المرتبطة بالأفعى. ففي قصة الأختين واوالاغ من أرض أرنهيم، تبتلع أفعى بيثون عملاقة أختين ثم تتقيؤهما لاحقًا، جالبة الخصوبة إلى الأرض؛ ومن اللافت أن موتيف التقيؤ يستدعي طقوس العبور والبعث (بل والمرض الهلوسي) اللذين يربطهما كتلر بطقوس السم الأصلية. كما ترتبط أفعى قوس قزح ارتباطًا صريحًا بالقانون والأخلاق: فهي تعاقب من ينتهكون المحرمات أو يفشلون في احترام الأرض، تمامًا كما يجلب الوعي الأخلاقي المستجد في قصة عدن الدينونة والنفي بمجرد معرفة «الخير والشر». وفي EToC، تمثل ولادة الذات أيضًا ولادة الضمير الأخلاقي – «معرفة الخير والشر» التي تجعلنا بشرًا. وكثيرًا ما تشدد أساطير السكان الأصليين على أن الأفاعي السلفية وضعت قواعد السلوك للعشائر وأنها ستنفذها (فقد تضرب أفعى قوس قزح المخالفين بالفيضانات أو تحولهم إلى حجارة، مثلًا). وهذا يتوافق على نحو لافت مع فكرة أن أول استيقاظ للوعي كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالقواعد الاجتماعية والأخلاق، حين أصبح البشر واعين بأنفسهم بوصفهم فاعلين أخلاقيين. بل إن كتلر يفسر سفر التكوين بهذه الطريقة: فبعد معرفة الأفعى، يتعين على البشر أن يكدحوا ويتألموا – وهي، في جوهرها، استعارة للعبء الثقيل للحياة الواعية بالذات وللمسؤولية الأخلاقية التي لم تكن براءة الحيوان «العدنية» لدينا تعرفها.
وعلاوة على ذلك، يتناغم موتيف الطوفان في قصص أفعى قوس قزح مع الإطار الزمني لـ EToC. فلكثير من الثقافات أساطير عن الطوفان، غير أن فيتسل ودُوي لاحظا أن الأفاعي كثيرًا ما ترتبط بأساطير الطوفان هذه في أنحاء العالم. وبدلًا من افتراض أن جميع قصص الطوفان والأفاعي تعود إلى أصل أفريقي عمره 100 ألف سنة، يقترح كتلر تفسيرًا أبسط: أن هذه الأساطير تستعيد ذكرى نهاية العصر الجليدي (منذ ~10 آلاف سنة)، حين ذابت الأنهار الجليدية، وارتفعت البحار، وحدثت الفيضانات في كل مكان. ومن الطبيعي أن يدمج الانتشار العالمي لأساطير الأفاعي في الهولوسين المبكر ذكريات تلك الكوارث الحقيقية. وتنسجم الحالة الأسترالية تمامًا مع ذلك – فأفعى قوس قزح التي تسببت في إغراق البحر للأرض في حكاية نغورونديري تمثل بالضبط ما حدث قبل نحو 10 آلاف سنة قبل الحاضر. ومن ثم ربما نسج السكان الأصليون معًا الاستبصارات الروحية الناشئة لطائفة الأفاعي وتجربتهم المعيشة لعالم متغير: فلم تكن الأفعى جالبة العقل/الروح فحسب (بمعنى كتلر)، بل كانت أيضًا عامل التغير الفيزيائي الكاسح (الفيضانات التي غيّرت شكل الأرض). وكانت النتيجة أسطورة غنية الطبقات، ترمّز إلى كل من حدث كوني للمعرفة وحدث جيولوجي.
أصول قصة بدئية في الهولوسين#
وبجمع هذه الخيوط، يمكننا أن نجادل بأن أساطير أفعى قوس قزح في أستراليا ليست مجرد حكايات بالغة القدم، بل هي أيضًا أصداء أول استيقاظ للوعي لدى البشرية. فهي تحمل بصمة «حواء» من العصر الحجري اكتشفت الذات من خلال أفعى ثم نشرت الخبر. وعلى حد تعبير كتلر، فإن «قصص الأفاعي عالمية وتشترك في سمات مدهشة» لأنها تنحدر من تلك «الطائفة الواحدة لوعي الأفعى» عند فجر العقل الحديث. ونحن نرى تلك السمات المشتركة بوضوح: أفعى تهب المعرفة (أو تتسبب في سقوط تحويلي من البراءة)، وشخصية أنثى محورية في القصة، وموضوعات الموت والبعث (الابتلاع ثم التقيؤ، وتبديل الجلد، ودمار الطوفان الذي يعقبه التجدد)، وإرساء النظام الأخلاقي. وتتكرر هذه العناصر من المناطق النائية الأسترالية إلى بلاد الرافدين القديمة إلى أمريكا الوسطى، بما يوحي بمصدر مترابط.
ومن خلال الربط بين البحث السائد ونظرية حواء، تبرز صورة رائعة: في وقت ما قرب نهاية العصر الجليدي، «استيقظ» البشر على الوعي الكامل بالذات، وحُفظت ذكرى ذلك الاختراق في هيئة أسطورية. ففي أستراليا الأصلية، التي كانت معزولة لكنها حافظت على سجل شفهي نقي، بقيت القصة بوصفها سردية زمن الحلم عن أفعى قوس قزح التي منحت الحياة والقانون. ومع أن بعضهم جادل بأن هذه الأساطير قد تكون عمرها 50,000 أو 100,000 سنة، فإن الأدلة – من علم الوراثة واللسانيات وعلم الآثار – تشير إلى نشأة أو انتشار هولوسيني. وكما يلاحظ أندرو كتلر، إذا كانت الأساطير قد استمرت 100 ألف سنة دون تغيير، لتوقعنا أن تروي أحداث العصر الجليدي بتفصيل وافر، وهو ما لا تفعله عمومًا. وبدلًا من ذلك، تبدو هذه الأساطير كأنها كبسولة زمنية من عقل العصر الحجري الحديث، تحمل إلى الأمام معرفة أساسية من اللحظة التي «استيقظ» فيها أسلافنا حقًا بوصفهم كائنات مفكرة تروي القصص.
في الختام، يمكن النظر إلى الحكايات الأسترالية عن الأفاعي بوصفها جزءًا من تراث إنساني مشترك عميق—وهو تراث وقفت فيه أفعى ذات مرة على العتبة الفاصلة بين الغريزة الحيوانية والوعي الإنساني. ويستحضر اسم أفعى قوس قزح نفسه جسرًا بين العوالم (فقوس قزح يصل السماء بالأرض)، تمامًا كما أن الاستيقاظ إلى الوعي بالذات وصل ماضينا البيولوجي بمستقبلنا الثقافي. ولا عجب في أن رواة القصص من السكان الأصليين يصرّون على أن أفعى قوس قزح لا تزال معنا، في كل قوس قزح وكل غدير، تذكّر الناس بأصولهم وواجباتهم. ومن خلال عدسة نظرية حواء للوعي، يكتسب ذلك الإصرار معنى جديدًا: تظل عبادة الأفعى حية ما دمنا نتذكر—في أساطيرنا وطقوسنا—تلك اللحظة الأولى التي علّمت فيها حواء آدم أن ينظر إلى داخله ويعرف ذاته. وفي أستراليا، على الأقل، لا تزال تلك الذاكرة حية ومزدهرة، محمولة في زمن الحلم منذ أقدم العصور.
الأسئلة الشائعة#
س1. كم يبلغ عمر أساطير أفعى قوس قزح في أستراليا؟
ج. تشير الأدلة المستمدة من الفن الصخري إلى أنها ظهرت قبل 6,000-8,000 سنة في الهولوسين، مع أن بعض التقاليد الشفوية قد تحفظ ذكريات تعود إلى 10,000 سنة، إلى أحداث الفيضانات التي أعقبت العصر الجليدي.
س2. ما الذي يجعل أفعى قوس قزح ذات أهمية في ثقافة السكان الأصليين؟
ج. إنها إله خالق شكّلت المشهد الطبيعي، ووفّرت مصادر المياه، وأرست القوانين الثقافية والمدونات الأخلاقية—أي إنها جلبت الحضارة إلى البشرية، في جوهر الأمر، في قصص زمن الحلم.
س3. كيف ترتبط نظرية حواء بهذه الأساطير؟
ج. تقترح النظرية أن أساطير المعرفة المرتبطة بالأفاعي في أنحاء العالم تنحدر من اختراق طقوسي قديم، أدّت فيه مواجهات الأفاعي (وربما تلك الناجمة عن السم) إلى تحفيز الوعي البشري بالذات وما وراء المعرفة للمرة الأولى.
س4. هل تستطيع التقاليد الشفوية حقًا أن تحفظ ذكريات عمرها 10,000 سنة؟
ج. نعم—فحكايات السكان الأصليين تصف بدقة أحداثًا جيولوجية مثل غمر الجسر البري لجزيرة الكنغر بالمياه قبل 10,100 سنة، مما يبرهن على قدرات ملحوظة في الحفظ.
المصادر#
- Taçon, Paul S.C., et al. (1996). “Dating the Rainbow Serpent: A Rock Art Sequence in Northern Australia.” Rock Art Research 13(2): 72-88.
- Nunn, Patrick D. (2018). “The Edge of Memory: Ancient Stories, Oral Tradition and the Post-Glacial World.” Bloomsbury Academic.
- Reid, A.J. (2020). “Ngurunderi and the Murray Mouth: Indigenous Knowledge of Sea-Level Rise.” Journal of Australian Studies 44(3): 201-216.
- d’Huy, Julien (2013). “A Cosmic Hunt in the Berber Sky: A Phylogenetic Reconstruction of Palaeolithic Mythology.” Les Cahiers de l’AARS 16: 93-106.
- Cutler, Andrew (2023). “The Eve Theory of Consciousness v3.0.” Vectors of Mind. متاح على: https://vectorsofmind.substack.com/
- Berndt, Ronald M. & Catherine H. Berndt (1988). The Speaking Land: Myth and Story in Aboriginal Australia. Penguin Books Australia.
- Elkin, A.P. (1964). The Australian Aborigines. Angus and Robertson Publishers.
- Flood, Josephine (2019). The Original Australians: Story of the Aboriginal People. Allen & Unwin Academic.
