خلاصة سريعة

  • الاستمرارية في مقابل الهوّة: جادل تشارلز داروين بوجود متصل بين عقول الحيوانات وعقل الإنسان، في حين أصرّ رينيه ديكارت على أن الحيوانات تفتقر إلى التفكير الحقيقي. وتكشف البحوث الحديثة عن طيف من القدرات المعرفية.
  • أنظمة الذاكرة: تمتلك جميع الحيوانات ذاكرة إجرائية (للمهارات). ويُظهر كثير منها معرفة شبيهة بالذاكرة الدلالية (المعلومات الواقعية). وتبرهن بعض الحيوانات، مثل طيور القيق الغربي والسيبيا، على ذاكرة شبيهة بالذاكرة العرضية، إذ تتذكر «ماذا وأين ومتى» وقعت الأحداث الماضية.
  • الاختلاف الإنساني: تتميز الذاكرة البشرية بوعي أوتونويتي (autonoetic consciousness) (استذكار واعٍ للذات)، وبنية سردية معقدة، وترميز رمزي من خلال اللغة، بما يتيح انتقالًا ذهنيًا أغنى عبر الزمن ومحاكاةً أوسع للمستقبل.
  • الذات السردية: ينسج البشر تجاربهم في سردية سِيَرية، وهي سمة تكاد تكون غائبة عن الأنواع الأخرى. فنحن لا نتذكر الأحداث فحسب؛ بل نتذكر أنفسنا ونحن نتذكرها، وهو أمر أساسي لهويتنا وثقافتنا.

مقدمة: من استمرارية داروين إلى قطيعة ديكارت#

في القرن التاسع عشر، قدّم مفكران بارزان رؤيتين متعارضتين جذريًا لعقول الحيوانات. فقد لاحظ تشارلز داروين استمرارية بين البشر والحيوانات الأخرى، مؤكدًا أن «لا فرق جوهريًا بين الإنسان والثدييات العليا في ملكاتهما العقلية.» 1 ومن العواطف إلى الذاكرة، رأى داروين أن الفروق فروق درجة لا فروق نوع – أي طيفًا طبيعيًا من القدرات المعرفية شكّلته عملية التطور. وعلى النقيض من ذلك، رسم رينيه ديكارت خطًا فاصلًا حادًا. فقد جادل ديكارت بأن الحيوانات آلات: تفتقر إلى العقل، وربما حتى إلى الوعي. واقترح، على نحو شهير، «اختبار اللغة» للتفكير: فبما أن الحيوانات لا تستخدم لغة حقيقية، فقد اعتبرها خالية من الذكاء الأصيل. وبحسب كلماته، فإن الكلام التقريري هو «العلامة الوحيدة اليقينية على وجود فكر مستتر في جسد» 2، وأن عجز الحيوانات عن التحاور «لا يمكن تفسيره إلا بافتقار الحيوانات إلى الفكر.» 3 وبالنسبة إلى ديكارت، قد تدرك البهائم وتستجيب، لكنها لا تتذكر وتتأمل بالمعنى الإنساني – إذ كان سلوكها شبيهًا بسلوك الآلة. وتوحي رؤية داروين بأن أنظمة ذاكرتنا نشأت من أسلاف حيوانية؛ بينما توحي رؤية ديكارت بوجود هوّة كيفية.

وبالانتقال سريعًا إلى يومنا هذا، نجد أن بحوث الإدراك المقارن قد أيّدت إلى حد كبير حدس داروين بشأن الاستمرارية – لكنها كشفت أيضًا عن سمات فريدة للعقل البشري. فالحيوانات، من طيور القيق الغربي إلى الأخطبوطات، تُظهر قدرات ذاكرية مدهشة، مما يطمس الخط الفاصل الذي كان يُعتقد سابقًا أنه حاد. ومع ذلك، يبدو أن بعض جوانب الذاكرة – مثل إعادة معايشة الماضي بوعي أو بناء ذات سردية – لا تبلغ تعبيرها الكامل إلا لدى البشر. في هذا المنشور، نتعمق في الذاكرة عبر الأنواع: كيف تتذكر الطيور والثدييات ورأسيات الأرجل والحشرات، وما الذي يجعل الذاكرة البشرية مميزة، إن كان ثمة ما يجعلها كذلك؟ وسنستكشف مختلف أنواع الذاكرة (المهارات الإجرائية، والحقائق الدلالية، والأحداث العرضية)، والقدرات المعرفية (الاستذكار، والتخطيط للمستقبل، واللغة)، والركائز العصبية التي تدعمها. وفي أثناء ذلك، سنرى كيف تستعيد طيور القيق الغربي مخابئ طعامها، وكيف تتحدى السيبيا التقدم في العمر بذكريات سليمة، ولماذا قد تكون قدرتك على سرد قصص عن حياتك نقطةَ تحوّل معرفية مميزة.

أنظمة الذاكرة عبر الأنواع: الإجرائية والدلالية والعرضية#

تكوّن جميع الأجهزة العصبية القادرة على التعلم ذكريات، لكن الذكريات ليست متساوية. يصنّف علماء النفس الذاكرة إلى أنظمة متعددة: الذاكرة الإجرائية للمهارات والعادات، والذاكرة الدلالية للحقائق والمعرفة العامة، والذاكرة العرضية للأحداث التي عاشها الفرد شخصيًا. يقارن الجدول أدناه بين هذه الأنواع من الذاكرة لدى البشر وعدة مجموعات حيوانية:

نوع الذاكرةالبشر (Homo sapiens)الثدييات الأخرى (مثل الجرذان والقردة)الطيور (مثل الغرابيات)رأسيات الأرجل (مثل الأخطبوط والسيبيا)الحشرات (مثل النحل)
الإجرائية (المهارات والعادات)نعم – متطورة للغاية (استخدام الأدوات، والتتابعات المعقدة)نعم – موجودة على نطاق واسع (مثل تعلّم الجرذان المتاهات، واستخدام الرئيسيات الأدوات)نعم – موجودة (تتعلم الطيور التغريد، ومناورات الطيران، وروتين تخزين الطعام)نعم – موجودة (فتح الأخطبوط للمرطبانات، وتعلّم أساليب الهرب)نعم – موجودة (يتعلم النحل مسارات الطيران والأنماط)
الدلالية (الحقائق والمفاهيم)نعم – معرفة تجريدية غنية (اللغة، والمفاهيم، والخرائط)جزئيًا – بعض المعرفة العامة (مثل فهم الرئيسيات للفئات؛ وتعلّم الجرذان القواعد)جزئيًا – بعض التعلم الواقعي (مثل تعلّم الطيور أي الأطعمة صالحة للأكل 4، وفهمها مفاهيم بسيطة)محدودة – ارتباطات بسيطة (مثل تعلّم السيبيا ما الفريسة التي يصطادها ومتى)محدودة – ارتباطات بسيطة (مثل تعلّم النحل المعالم والروائح المرتبطة بالطعام)
العرضية (الأحداث الفريدة: «ماذا وأين ومتى»)نعم – ذكريات سِيَرية حية مع استذكار أوتونويتي (autonoetic) (واعٍ بالذات)موضع جدل – أدلة على ذاكرة شبيهة بالعرضية لدى بعض الأنواع (مثل تذكّر الجرذان تفاصيل الأحداث 5 6؛ وتذكّر القردة اختياراتها السابقة)، لكن من غير المؤكد أن ذلك مصحوب بوعي أوتونويتي (autonoetic)نعم (شبيهة بالعرضية) – مثل تذكّر طيور القيق الغربي نوع الطعام الذي خبأته، وأين ومتى خبأته 7؛ كما تستعيد طيور أخرى (الغربان والحمام) التفاصيل المكانية أو الزمنية؛ ومن المرجح افتقارها إلى الوعي الذاتي الكاملنعم (شبيهة بالعرضية) – مثل تذكّر السيبيا ماذا وأين ومتى تناول وجبات سابقة 8 9؛ وتذكّر الأخطبوطات أحداثًا محددة من مهام أدتها؛ ولا دليل على «السفر الذهني عبر الزمن» الذاتيضئيلة – لا توجد أدلة قوية على ذاكرة معقدة للأحداث (مع أن النحل يستطيع، في بعض التجارب، تذكّر متى كان مصدر الرحيق مجزيًا آخر مرة خلال دورة اليوم)

تُعد الذكريات الإجرائية الأقدم تطوريًا، وهي موجودة لدى جميع هذه المجموعات. فإذا سبق لك أن رأيت كلبًا يمسك كرة بمهارة أو نحلة تعود إلى خليتها ملاحقةً مسارها، فقد رأيت الذاكرة الإجرائية وهي تعمل. تُكتسب هذه المهارات من خلال التكرار، وتُخزّن خارج نطاق الاستدعاء الواعي – على نحو يشبه تعلّم البشر ركوب الدراجة أو الكتابة على لوحة المفاتيح. فمن الأخطبوطات التي تشق طريقها في المتاهات إلى نحل العسل الذي يتعلم ربط الألوان بالطعام، ينتشر التعلم الإجرائي في كل مكان. وتتولى العقد القاعدية والمخيخ جزءًا كبيرًا من هذه العملية لدى البشر؛ أما الحيوانات الأخرى فلديها دوائرها العصبية الخاصة (مثل الفص السويقي لدى الأخطبوطات، أو الأجسام الفطرية في أدمغة الحشرات) المخصصة لتعلّم العادات.

أما الذاكرة الدلالية – أي تخزين الحقائق والمعرفة العامة – فمن الأصعب التحقق من وجودها لدى الحيوانات، غير أن كثيرًا منها يُظهر بداياتها. فالشيمبانزي الذي يعرف أي النباتات طبية، أو طائر القيق الغربي الذي «يعرف» أن الديدان التي تُترك طويلًا تفسد، يُظهر معرفة تتجاوز مجرد المنعكس. وغالبًا ما تراكم الحيوانات معرفة واقعية عن عالمها: فمثلًا، تتعلم طيور القيق الغربي أن الطعام القابل للتلف (ديدان الشمع) ينبغي أن يؤكل قبل أن يفسد 7؛ وتتعلم الجرذان «قواعد» ألغاز المتاهات؛ ويمكن للببغاوات أن تتعلم تسميات الأشياء والمفاهيم (فقد تعلّم ببغاء رمادي إفريقي شهير يُدعى أليكس كلمات ومفاهيم أساسية مثل اللون والشكل – وهو، على نحو جدلي، مخزن شبيه بالذاكرة الدلالية للمعلومات). أما البشر، بطبيعة الحال، فيتفوقون في الذاكرة الدلالية – من المفردات إلى الحقائق التاريخية – ويرجع ذلك جزئيًا إلى اللغة. ونحن أيضًا نضغط الخبرة في مفاهيم مجردة (فنتعلم، مثلًا، المفهوم العام لـ«الطعام» أو «الخطر» من حالات متعددة). ولدى الحيوانات الأخرى شبكات دلالية أبسط (فقد تُرى ذاكرة الطائر للأماكن التي يوجد فيها الطعام باستمرار بوصفها خريطة واقعية لإقليمه). وقد لاحظ داروين أن «الحيوانات الدنيا» أيضًا تشاركنا حواسنا وحدوسنا الأساسية 1 – فالطائر أو القط يستطيع أن يفهم ماهيّة شيء ما (أصالح للأكل هو، أم خطير، أم جديد) وأن يتصرف بناءً على تلك المعرفة. ومع ذلك، يرتقي البشر بهذا إلى مستوى آخر، إذ ينظمون شبكات هائلة من المفاهيم ويتواصلون بها ثقافيًا.

كان يُعتقد طويلًا أن الذاكرة العرضية، أي القدرة على تذكّر أحداث ماضية محددة («ماذا وأين ومتى» وقعت التجربة)، مقصورة على البشر 10. وقد جادل إندل تولفنغ، الذي صاغ المصطلح، بأن الذاكرة العرضية الحقيقية تتطلب وعيًا أوتونويتيًا (autonoetic consciousness) – أي إحساسًا بالذات وهي تنتقل ذهنيًا عبر الزمن لإعادة معايشة الماضي 11. فنحن لا نستعيد ما حدث فحسب، بل نتذكر أننا نحن الذين اختبرناه، مصحوبًا بإحساس إعادة معايشته. فهل تستطيع الحيوانات فعل ذلك؟ لا يمكننا إجراء مقابلة مع طائر قيق غربي بشأن ذكريات طفولته، لكن تجارب ذكية تشير إلى أن بعض الحيوانات تكوّن ذكريات «شبيهة بالعرضية».

طائر قيق غربي (Aphelocoma californica) يخزّن الفول السوداني. تُظهر التجارب أن هذه الطيور تتذكر نوع الطعام الذي أخفته، وأين أخفته، والمدة التي ظل مخزّنًا خلالها – وهي ثلاثية من التفاصيل تشبه الذاكرة العرضية البشرية 7. بل إن طيور القيق الغربي تتجنب استرجاع الطعام القابل للتلف، مثل الديدان، إذا انقضى وقت طويل، مما يدل على إحساس بـ«متى» وقعت الأحداث. 10 7

أظهر بحث رائد أجراه كلايتون وديكنسون (1998) وجود ذاكرة شبيهة بالذاكرة العرضية لدى قيق الشجيرات الغربي، وهو غراب يخزّن الطعام. أُتيح للقيق إخفاء نوعين من الطعام في صوانٍ مملوءة بالرمل: ديدان شمع لذيذة (تفسد بسرعة) وفول سوداني عادي (يبقى طازجًا). ثم بحثت الطيور عن مخابئها. ومن اللافت أن القيق تذكّر أيّ المواقع احتوت على الديدان وأيّها احتوى على المكسرات، وكم مضى من الوقت منذ أن أخفاها؛ فبعد تأخير قصير بحثت الطيور، على نحو تفضيلي، عن الديدان (طعامها المفضل)، لكن بعد تأخير أطول (حين تكون الديدان قد تعفنت) تجاوزت مواقع الديدان واتجهت إلى الفول السوداني 7. يُظهر هذا السلوك أن الطيور تذكرت ما دفنته، وأين كان كل عنصر، ومتى (أو منذ كم من الوقت) خُزّن. وبعبارة أخرى، استرجعت حدثًا محددًا من الماضي («خبأت دودة في الرمل تحت الشجيرة قبل 5 أيام») وتصرفت بناءً عليه. وتفي هذه الذاكرة المتكاملة لما-أين-متى بالمعايير السلوكية للذاكرة العرضية، من دون لغة أو سرد شبيه بالسرد البشري. كما يتذكر قيق الشجيرات من كان يراقبه أثناء تخزينه للطعام، وسيعيد إخفاء الطعام لاحقًا لمنع سرقته، مما يشير إلى أنه يتذكر «واقعة» التعرّض للمراقبة ويعدّل استراتيجيته؛ وهي درجة تعقيد رائعة تلمّح إلى ذاكرة للسياق الاجتماعي للأحداث 12 13.

ولا يقتصر الأمر على قيق الشجيرات. فقد كشفت دراسات أُجريت على القوارض أيضًا عن قدرات على الذاكرة الشبيهة بالعرضية. فعلى سبيل المثال، أظهرت التجارب أن الجرذان تستطيع تذكّر توليفات من ما حدث، وأين حدث، وفي أي سياق، إذا مُنحت خبرات متميزة لتتذكرها. ففي إحدى الدراسات، واجهت الجرذان نكهات مختلفة من الطعام (مثل ماء الكرز في مقابل ماء الموز) في مواقع مختلفة، وفي غرف ذات روائح مميزة (أي سياقات). ولاحقًا، استطاعت أن تستعيد أي نكهة تناولتها في غرفة ومكان معينين، مما يدل على ذاكرة متكاملة للحدث. واللافت أن هذه الذكريات لدى الجرذان مرنة وطويلة الأمد: فقد وجد أحد البروتوكولات أن الجرذان تستطيع استدعاء تفاصيل «ماذا-أين-أيّ» لمدة 24 يومًا على الأقل 5. وعلاوة على ذلك، عندما عطّل العلماء مؤقتًا الحُصين الظهري لدى الجرذان (وهو منطقة دماغية حاسمة للذاكرة العرضية لدى الثدييات)، فقدت الجرذان القدرة على استرجاع ذاكرة الحدث المركبة 6. ويشير ذلك إلى أن حُصين الجرذ يؤدي دورًا مشابهًا لدور الحُصين البشري في ربط عناصر الحدث (فالأشخاص الذين تعرضوا لتلف ثنائي الجانب في الحُصين، مثل المريض H.M. على نحو شهير، لا يستطيعون تكوين ذكريات عرضية جديدة 14 15). وهكذا، مع أن «حادثة» الجرذ (مثل تذكّر جولة فريدة في متاهة وجد فيها الشوكولاتة على اليسار في غرفة تفوح منها رائحة الصنوبر) أبسط بكثير من الذاكرة السيرية الذاتية البشرية، فإنها توظف آليات عصبية مماثلة وتؤدي وظيفة مشابهة، هي توجيه السلوك المستقبلي استنادًا إلى أحداث ماضية.

حتى اللافقاريات أظهرت ومضات من الذاكرة الشبيهة بالعرضية. فقد وجدت أبحاث حديثة على السيبيا، وهي رأسيات الأرجل ذكية على نحو استثنائي، أنها تتذكر خبراتها بتفصيل مثير للإعجاب. دُرّبت السيبيا في إحدى التجارب على توقّع نوعين مختلفين من الطعام (مثل الروبيان في مقابل السلطعون) في موقعين مختلفين، بحيث لا يتاح كل نوع من الطعام إلا بعد تأخير محدد. ولاحقًا، استطاعت السيبيا أن تختار إلى أين تذهب لتناول العشاء؛ فقد تذكرت ما أكلته آخر مرة، وأين سيظهر كل نوع من الطعام، ومتى سيتاح مجددًا 8 16. بل إن السيبيا تستخدم هذه الذاكرة للتخطيط: فإذا كانت تعلم أن الروبيان (المفضل) سيتاح في الموقع A مساءً، فقد تأكل كمية أقل من السلطعون في الموقع B بعد الظهر، وهو قرار موجّه نحو المستقبل. والمدهش أن السيبيا، خلافًا للبشر، لا يبدو أنها تنسى هذه الذكريات الحدثية مع التقدم في العمر: فقد كانت السيبيا المسنة (المعادلة للبشر البالغين 90 عامًا) جيدة بالقدر نفسه الذي كانت عليه السيبيا الصغيرة في تذكّر تفاصيل ماذا-أين-متى 16 17. ويفترض العلماء أن هذا قد يكون بسبب أن الفص العمودي لدى السيبيا (وهي منطقة الدماغ المسؤولة عن الذاكرة، والمماثلة وظيفيًا لحُصيننا) لا يتدهور إلا في نهاية عمره القصير جدًا 9. ومن الناحية التطورية، وبما أن السيبيا تتكاثر في وقت متأخر من حياتها، فإن احتفاظها بذاكرة حادة حتى الأيام الأخيرة قد يساعدها على تذكّر الأزواج وتعظيم النجاح التناسلي 18.

ومع ذلك، فإن وصف هذه الذكريات الحيوانية بأنها «عرضية» موضع جدل. فقد قصر تولفنغ الذاكرة العرضية على النوع البشري، المشبع بـ الزمن الذاتي والوعي بالذات، أي ما سمّاه الوعي الأوتونويتي 11. ويُستخدم مصطلح «الذاكرة الشبيهة بالعرضية» في الحديث عن الحيوانات لتجنب افتراض أنها تعيد معايشة الماضي ذهنيًا بالطريقة التي نفعلها نحن 10. يتذكر قيق الشجيرات وقائع حدث ما (دودة، خُبئت في التراب، قبل 5 أيام) ويستخدمها، لكننا لا نعرف ما إذا كان «يشعر» بأنه يتذكر تلك الخبرة. فقد يكون يسترجع المعلومات من دون أي «خبرة تذكّر» أو استعادة ذهنية. وبالمثل، قد يحل الجرذ مسألة ماذا-أين-متى عن طريق الألفة أو القواعد المتعلَّمة، لا بأن يسترجع ذهنيًا عشاءً محددًا في المختبر. ولا تستطيع المعايير السلوكية أن تجيب إجابة كاملة عن سؤال ما إذا كانت الحيوانات تختبر الذاكرة بالطريقة التي يختبرها بها البشر. وكما صاغ أحد أزواج الباحثين الأمر، فعلى الرغم من كثرة الدراسات، «لا يوجد حتى الآن دليل مقنع على السفر الذهني عبر الزمن لدى الحيوانات غير البشرية.» 19 ويرى المشككون، مثل عالم النفس توماس سودندورف، أن الحيوانات قد تخزّن تفاصيل الأحداث الماضية، لكن إعادة معايشتها أو تخيّل سيناريوهات مستقبلية (وهو الجانب الآخر من السفر الذهني عبر الزمن) قد يكون خاصًا بالبشر وحدهم 20. وسنعود إلى هذا الجدل عند مقارنة التخطيط للمستقبل.

وخلاصة القول، إن الحيوانات تتذكر بوضوح، وغالبًا بطرائق متطورة توازي نظم الذاكرة البشرية. لكن ما إذا كان قيق الشجيرات يتذكر بمعنى استدعاء «لقد فعلت ذلك» بوعي، أم أنه لا يملك سوى استرجاع ترابطي معقد، يظل سؤالًا مفتوحًا. وننتقل الآن إلى النظر في قدرات معرفية محددة مرتبطة بالذاكرة، وكيف تقارن بين البشر والأنواع الأخرى.

القدرات المعرفية: الاستذكار، والمحاكاة المستقبلية، والسقالات اللغوية#

ليست الذاكرة مجرد مستودع ساكن للمعلومات؛ فهي تسند قدرات ذهنية دينامية. وثمة ثلاث مهارات معرفية رئيسية ترتبط بالذاكرة المتقدمة، هي: الاستذكار (الاستدعاء الواعي لأحداث الماضي، وغالبًا بتفاصيل غنية)، والمحاكاة المستقبلية (تخيّل سيناريوهات مستقبلية أو التخطيط لها باستخدام الذاكرة نقطة انطلاق)، والترميز القائم على اللغة (استخدام الرموز والسرد لتنظيم الذكريات). فكيف يكون أداء الحيوانات في هذه المجالات مقارنةً بأدائنا؟

ولتوضيح الفروق، انظر إلى الجدول أدناه:

القدرة المعرفيةالبشر (الإنسان العاقل المتأمل لذاته)الحيوانات غير البشرية (الأنماط العامة)
استذكار أحداث الماضي
«السفر الذهني عبر الزمن» الواعي لإعادة معايشة الوقائع الماضية
نعم – يستذكر البشر الخبرات بوضوح، مع إحساس بـ الذات عبر الزمن. فنحن لا نعرف ما حدث فحسب، بل نتذكر أيضًا «كنت هناك»، ضمن سياق غني وعاطفة ومعرفة بأن الحدث جزء من تاريخنا الشخصي. ويتيح لنا هذا الاستذكار الأوتونويتي استخلاص الدروس وصياغة هوية سردية.محدود – تتذكر حيوانات كثيرة أحداث الماضي، لكن من غير الواضح ما إذا كانت تستذكرها بوعي بالمعنى البشري. فهي تُظهر استرجاعًا شبيهًا بالعرضي (فالقيق والجرذان والقردة العليا، مثلًا، تستعيد تفاصيل ماذا-أين-متى)، لكنها على الأرجح تفتقر إلى الوعي الأوتونويتي 11. قد يتذكر أحد القردة العليا أين كان الطعام، أو حتى أنه اختبر شيئًا جديدًا، لكن لا دليل لدينا على أنه «يسافر ذهنيًا عبر الزمن» مع وعي شخصي. ويبدو أن استذكار الحيوانات تحركه في معظمه إشارات محفزة وارتباطات متعلمة، لا إعادة معايشة تأملية.
المحاكاة والتخطيط للمستقبل
تصوّر الاحتياجات المستقبلية والاستعداد لها
نعم – يتفوق البشر في استشراف المستقبل. فنحن نخطط لعقود مقبلة، ونتخيل سيناريوهات افتراضية، ونستعد وفقًا لذلك (كالادخار للتقاعد، واختراع أدوات لمهام مستقبلية). ويعتمد هذا على إعادة تركيب مرنة للذاكرة؛ فنحن نستخدم الذاكرة العرضية لمحاكاة مستقبلات ممكنة. وتعمل القشرة الجبهية الأمامية لدينا مع الحُصين لتمكين هذا «السفر الذهني عبر الزمن» إلى المستقبل.جزئي – تُظهر بعض الحيوانات سلوكيات موجهة نحو المستقبل، لكن عادةً في سياقات ضيقة. فعلى سبيل المثال، يخزّن قيق الشجيرات الطعام لجوع الغد 21، وستحمل القردة العليا أداة ستحتاج إليها لاحقًا (مثل البحث عن الطعام بعصًا بعد ساعات). وتُظهر هذه السلوكيات تخطيطًا للاحتياجات المستقبلية، لكنها قد تقتصر على دوافع محددة (مثل الجوع) وتفتقر إلى اتساع نطاق الاستشراف البشري. وتخلص مراجعات الأبحاث إلى عدم وجود دليل حاسم على أن الحيوانات تحاكي ذهنيًا أحداثًا مستقبلية تتجاوز سياق تدريبها 19. فهي تخطط بطرائق «هنا والآن» (للوجبة التالية أو فرصة التزاوج التالية)، لكنها لا تضع خططًا طويلة الأمد أو تخترع أشياء منفصلة عن السياقات المباشرة. ومن اللافت أن لا حيوانًا يفتح حسابًا للتوفير أو يرسم مخططًا معماريًا للعام المقبل؛ فتخطيطها للمستقبل، رغم حقيقته، مرتبط بسيناريوهات غريزية.

| اللغة والبنية السردية
استخدام الرموز لترميز الذكريات واستدعائها | نعم – اللغة مضاعِف للذاكرة لدى البشر. فنحن نرمّز الخبرات في كلمات، ونتشاركها في صورة قصص، ونخزّن المعلومات خارج أدمغتنا (في الكتب واليوميات والوسائط الرقمية). وتتيح اللغة الضغط الرمزي للذاكرة: «الثراء الكامل للتجربة الإنسانية مكثفاً في تسلسل خطي من الكلمات». 22 وبفضل الكلام الداخلي، نستطيع التمرّن على الذكريات وتنظيمها («ذهبت إلى هناك أمس وكان الأمر مخيفاً»). ويتيح لنا التفكير السردي وصل الأحداث في قصص سببية («لأن X حدث، فعلتُ Y»). ويوسّع هذا الإسناد سعة ذاكرتنا ووضوحها توسعاً هائلاً؛ إذ يمكننا أن نتذكر مفهومياً لا من خلال الخبرة المباشرة فحسب. كما يتيح الذاكرة الثقافية: فنحن نتعلم عن أحداث لم نختبرها قط من خلال قصص الآخرين. | لا (لغة حقيقية) – تفتقر الحيوانات إلى لغة معقدة، ولذلك لا تستطيع أن تسرد الذكريات أو تضع لها تسميات لفظية بالطريقة الغنية التي نتبعها. ولدى بعض الأنواع أشكال بدائية من التواصل (نداءات الإنذار والإيماءات)، كما يستطيع عدد قليل من الأفراد (مثل القردة والببغاوات المدرَّبة) تعلم تسميات رمزية للأشياء أو الأفعال. لكنها لا تصف الأحداث الماضية وصفاً توليدياً، ولا تنقل معلومات مفصلة عن أشياء غائبة. ومن دون اللغة، تظل ذاكرة الحيوان مرتبطة بالسياق والمنبهات؛ فهي لا تُخْرَج إلى العالم الخارجي في صورة سرديات أو أرشيفات. ولا دليل على أن دلفيناً يسترجع ذكرى «السمكة الكبيرة التي أفلتت منا أمس» في قالب قصة منظمة. ومن ثم يُرجَّح أن الحيوانات تفتقر إلى التنظيم السردي الذي يستخدمه البشر. فعقولنا، التي تسندها اللغة، تستطيع تجزئة الذكريات وصقلها؛ أما الحيوانات فتتذكر أساساً في اللحظة الراهنة وفي صورة إدراكية خام. |

لنتعمق قليلاً في كل قدرة:

الاستذكار والوعي الأوتونويتي#

إن استذكار الإنسان مزيج غني: فعندما تتذكر عيد ميلادك الأخير بوضوح، تعيد معايشة المشهد البصري والأصوات وربما حتى رائحة الكعكة، إلى جانب شعور أساسي مفاده: «هذا حدث لي آنذاك». وهذا الجانب العارف بالذات — الأوتونويسيس (autonoesis) — هو ما اعتبره تولفِنغ السمة المميزة للذاكرة العرضية الحقيقية 11. وهو ما ينشئ استمرارية الذات: أنا الشخص نفسه الذي أقام حفلة عيد ميلاده الخامس، وهو الآن يكتب هذه الكلمات. كما يتيح لنا الأوتونويسيس التأمل في ذكرياتنا («ألم يكن ذلك مضحكاً؟» أو «ليت الأمر جرى على نحو مختلف…»)، وإدماجها في سرديتنا الذاتية. ولم يُثبت أي حيوان غير بشري امتلاكه وعيًا أوتونويتيًا (autonoetic) لا لبس فيه. ولا يمكننا أن نعرف على وجه اليقين ما يشعر به فيل أو غراب عندما يتذكر؛ فالذاتية خاصة بصاحبها. ومع ذلك، فعلى الرغم من الاستدعاء المثير للإعجاب الشبيه بالذاكرة العرضية لدى الحيوانات، لم يرَ الباحثون أي دليل سلوكي على السفر الزمني الواعي بالذات. فعلى سبيل المثال، يستطيع قيق الشجيرات استرجاع تفاصيل حدث ماضٍ، لكنه لا يُظهر قط إدراكه لذاته في ذلك الماضي (في المقابل، يستطيع طفل بشري في الرابعة من عمره غالباً أن يقول لفظياً: «أتذكر أنني أنا فعلت ذلك»). وتمتلك القردة العليا، التي تجتاز اختبارات التعرف إلى الذات في المرآة (مما يشير إلى قدر من الوعي بالذات)، ذاكرة جيدة؛ لكنها حتى الآن لم تُظهر علامات واضحة على الاستدعاء الأوتونويتي (autonoetic) للتجارب الماضية. ويقترح بعض علماء الإدراك أن الحيوانات قد تمتلك «ذاكرة لامعرفية (anoetic)» أو «ذاكرة معرفية (noetic)»؛ فهي تعرف أن الأحداث وقعت (وتستطيع استخدام هذه المعرفة)، لكنها لا تعيد معايشتها ذهنياً بصورة صريحة مصحوبة بإحساس بالذات 23. وخلاصة القول إن الاستذكار لدى الحيوانات يبدو محتوى من دون سياق شخصي.

ومن المثير للاهتمام أن ثمة جدالاً مستمراً: هل الوعي الأوتونويتي (autonoetic) سمة فريدة للبشر، تظهر أو لا تظهر فحسب، أم يمكن أن يوجد بدرجات؟ فمثلاً، هل تتذكر الشمبانزي بطريقة الشخص الأول، لكنها عاجزة عن التواصل بشأن ذلك؟ ليست لدينا إجابات واضحة بعد، غير أن الرأي السائد (وهو «ديكارتي» بعض الشيء في روحه) يرى أن الاستذكار الأوتونويتي الكامل متطور على نحو فريد لدى البشر 24. وربما يرتبط ذلك بموضوعنا التالي: تخيل المستقبل.

السفر الزمني الذهني: هل تخطط الحيوانات للمستقبل أم تكتفي بالفعل؟#

تُعد القدرة على استخدام الذاكرة من أجل محاكاة المستقبل تحولاً تطورياً حاسماً للبشر. وقد صاغ إندل تولفِنغ مصطلح «chronesthesia» لوصف إحساسنا بالزمن الذاتي، وهو إحساس يشمل الاستشراف. فنحن نقوّم باستمرار احتمالات المستقبل («إذا فعلتُ X، فقد يحدث Y»)، وهو ما يتطلب الاستناد إلى الخبرات الماضية وإعادة تركيبها بطرائق جديدة. ويجد علماء الأعصاب أن تصور المستقبل ينشّط مناطق دماغية مماثلة (الحُصين والفصوص الجبهية) لتلك التي ينشّطها تذكر الماضي؛ مما يدعم فكرة أن الوظيفة الأساسية للذاكرة العرضية قد تكون تمكين الاستشراف 25. ويستطيع البشر تخيل نتائج لم تحدث قط (مثل اختراع أداة جديدة في الذهن، أو أحلام اليقظة بشأن عطلة العام المقبل)، وهو ما يُظهر المرونة.

ماذا عن الحيوانات؟ من جهة، يبدو أن حيوانات كثيرة عالقة في الحاضر؛ فهي تركز على الاحتياجات الفورية. لكن الأبحاث كشفت عن بؤر من التخطيط. فالطيور مثال بارز: إذ لا يتذكر قيق الشجيرات مخابئه السابقة فحسب، بل يخطط أيضاً لمخابئ جديدة. ففي إحدى التجارب، أبقيت طيور القيق طوال الليل في غرفة من دون إفطار، ثم لوحظ أنها خزنت طعاماً إضافياً في تلك الغرفة مسبقاً، كما لو كانت تتوقع الجوع في صباح اليوم التالي 21. ويشير ذلك إلى أنها لا تستجيب بدافع العادة فحسب، بل تستطيع التخطيط لحالة تحفيزية مستقبلية (الجوع المستقبلي)، وهو معيار أساسي للاستشراف لدى الحيوانات. وبالمثل، ثبت أن القردة العليا تدخر أدوات لمهمة مستقبلية. ففي دراسة شهيرة، اختارت شمبانزي أداة في المساء كانت ستحتاج إليها للحصول على مكافأة في صباح اليوم التالي؛ وقد اختار كثير من أفراد الشمبانزي الأداة الصحيحة مسبقاً، بدلاً من الحصول على مكافأة فورية، مما يدل على قدرتها على كبح رغبات «الآن» من أجل هدف مستقبلي.

غير أن هذه الأمثلة، على الرغم من إثارتها للإعجاب، قد تعتمد على تدريب أو سياقات محددة. وقد راجع سودندورف وكورباليس (2007) هذه الدراسات، وذهبا إلى أن الحيوانات لا تُظهر دليلاً على سفر زمني ذهني مرن عابر للمجالات 19 20. وبعبارة أخرى، فبينما يخطط طائر للطعام ويخطط شمبانزي لأداة، فإن كل حالة ضيقة النطاق؛ إذ لا يستخدمان ذلك الاستشراف بعد ذلك، مثلاً، لتخطيط تحالفات اجتماعية أو ابتكار حلول جديدة خارج خبراتهما المباشرة. أما البشر، فعلى العكس، يستطيعون تطبيق الخيال على أي مجال (فيمكننا التخطيط لزيّ نرتديه في حفلة أو ابتكار استراتيجية للعبة تعلمناها للتو). ويميل استخدام الحيوانات للمستقبل إلى الارتباط باحتياجات ذات أهمية بيولوجية (الغذاء والتزاوج والمأوى)، بل قد يُجادل بأنه أشكال متقدمة من السلوك المتعلم، لا «بناء مشاهد» في الذهن.

وتذهب إحدى الفرضيات إلى أن الحيوانات قد تمتلك «ذاكرة شبيهة بالذاكرة العرضية» بل وحتى «توقعاً شبيهاً بالمستقبل»، لكنها تفتقر إلى قدرة شاملة على توظيف ذلك بحرية خارج السياقات التي واجهتها تحديداً. وثمة منظور آخر: لعل بعض الحيوانات تحاكي سيناريوهات مستقبلية، لكن على مقياس زمني قصير؛ كأن يتصور مفترس، قبل بضع ثوانٍ، كيفية نصب كمين لفريسته (وهو امتداد للإدراك، لا خطة صريحة للأسبوع المقبل). وخلاصة القول إن بذور الاستشراف موجودة في المملكة الحيوانية، لكن البشر ارتقوا بها إلى مستوى آخر. وينسجم ذلك مع تصور داروين للفرق بين الدرجة والنوع: فالتخطيط موجود بدرجات متفاوتة عبر الأنواع، لكن في مرحلة ما منحت التحسينات التراكمية (الذاكرة والاستدلال والوعي بالذات) البشر قفزة نوعية؛ فنحن لا نخطط فحسب، بل نخطط للتخطيط، ونخبر الآخرين بخططنا، ونتخيل مستقبلاً لا يتحقق قط (مثل العوالم الخيالية في أدب الخيال العلمي!).

اللغة: تكنولوجيا الذاكرة القصوى#

إذا سبق لك أن اضطررت إلى حفظ شيء معقد، فربما حوّلته إلى كلمات أو قصة. وليس ذلك من قبيل المصادفة؛ إذ إن اللغة متداخلة بعمق مع الطريقة التي نتذكر بها ونفكر. بل يمكن للمرء أن يقول، تلاعباً بعبارة رنانة، إن اللغة هي سقالة العقل 26 22. وما إن اكتسب البشر اللغة حتى لم تعد ذكرياتنا محصورة فيما يستطيع دماغ واحد الاحتفاظ به. فالكلمات تتيح لنا ترميز الأفكار المجردة (مثل «العدالة» أو «التطور») التي لا يستطيع أي حيوان، مهما بلغت درجة ذكائه، أن يتصورها تصوراً كاملاً، لأنها تتطلب تفكيراً رمزياً يتجاوز هنا والآن الإدراكي. ونستخدم السردية الداخلية («الحديث مع الذات») لتقوية الذكريات؛ كأن نكرر اسماً أو نلخص حدثاً («إذن، ما حدث أساساً هو…»). كما نُخرج الذاكرة إلى العالم الخارجي عبر رواية القصص شفهياً والكتابة والوسائط الرقمية الآن، فننشئ نظاماً معرفياً موزعاً يتجاوز حدودنا البيولوجية بكثير.

أما الحيوانات، لافتقارها إلى لغة حقيقية، فلديها ترميز أكثر فقراً. فذكرياتها غنية بالتفاصيل الحسية-الحركية؛ إذ يتذكر الغراب منظر شيء لامع، وملمس موضع إخفائه، لكنه لا يضع له وسوماً لغوية مثل («عملتي اللامعة في الشق الثالث إلى اليسار»). ويُظهر الأطفال البشر، عندما يكتسبون اللغة، طفرة في قدرات الذاكرة، ولا سيما في الذكريات السيرية الذاتية؛ إذ يلاحظ علماء النفس أن أقدم ذكرياتنا القابلة للاسترجاع تتزامن عادةً مع تطور اللغة (فليس لدينا إلا قدر ضئيل من ذكريات الطفولة المبكرة، حين لم تكن لدينا لغة). ويشير ذلك إلى أن اللغة تساعد على تثبيت الذكريات وتنظيمها.

وفوق ذلك، فإن بناء السردية — أي تسلسل الأحداث في قصة ذات روابط سببية — نشاط إنساني فريد. فنحن لا نتذكر شذرات عشوائية فحسب، بل ننسجها في معنى. وقد يُتذكر الحدث نفسه بطرائق مختلفة تبعاً للقصة التي نرويها لأنفسنا عنه. ومن المرجح أن تسهم هذه القدرة السردية في تخطيطنا (فنحن نشغّل «قصصاً» في أذهاننا عن مستقبليات ممكنة)، بل وفي تماسكنا الاجتماعي أيضاً (السرديات المشتركة عن التاريخ والثقافة). ولا وجود لدليل على أن دلفيناً أو كلباً يستطيع تكوين سرديات معقدة ذات حبكة وشخصيات، حتى داخلياً. فقد يمتلكان تسلسلاً من الأفعال المتذكَّرة (قد يتحمس فيدو عند اقترابه من حديقة لأنه يتذكر لعب المرة السابقة، لكن ذلك سلسلة ارتباط بسيطة، لا سردية مكتملة ذات بداية ووسط ونهاية يتأمل فيها فيدو).

لتقدير قوة اللغة في الذاكرة، تأمل ما يلي: من المرجح أنك لا تتذكر كل وجبة تناولتها في الشهر الماضي. كانت تلك أحداثًا وقعت لك، لكنها لم تُشفَّر في الذاكرة السردية أو الدلالية (إلا إذا حدث أمر مميز أثناء إحدى الوجبات). فمن دون أهمية سردية أو تمرين لفظي على التذكر، تتلاشى الخبرات سريعًا. وعلى النقيض من ذلك، قد تتذكر بوضوح قصةً رواها لك صديق عن وجبته هو، لأن روايتها حوّلتها إلى معرفة قابلة للمشاركة. وهكذا، تستطيع اللغة حتى أن تجعل خبرات الآخرين جزءًا من ذاكرتنا (فنحن نحمل، عبر القصص، ذكريات عرضية «غير مباشرة»). لا تستطيع الحيوانات فعل ذلك؛ فذاكرة كل حيوان تموت بموته، باستثناء ما يستطيع الآخرون تعلمه بالملاحظة أو بالغريزة الجينية. ولدى البشر، على نحو فريد، ذاكرة ثقافية تراكمية بفضل اللغة.

باختصار، إن النظام البيئي المعرفي للذاكرة البشرية – الاستذكار، واستشراف المستقبل، والسرد، والتجريد – تُعزّزه اللغة تعزيزًا هائلًا. وهذا لا يعني أن الحيوانات ألواح بيضاء خالية من الذاكرة من دونها (فأدمغتها لديها طرائق أخرى لترميز الذاكرة واستخدامها)، لكنه يعني أن معالجة الذاكرة البشرية تتمتع بثراء نوعي يصعب بلوغه من دون الكلمات. وهذا جزء من سبب قدرة طفل بشري، رغم ولادته عاجزًا، على أن يعرف في نهاية المطاف عن العالم أكثر مما يعرفه فيل حكيم طاعن في السن: فنحن نقف على سقالات الذاكرة التي بناها من سبقونا، عبر اللغة والقصة.

الركائز العصبية: أدمغة مختلفة، وحلول متقاربة#

تقبع الذاكرة في الدماغ، لكن الأدمغة تأتي في أشكال كثيرة. ومن الجوانب المثيرة في مقارنة الأنواع أن نرى كيف طبّق التطور «أنظمة الذاكرة» في أجهزة عصبية مختلفة. وغالبًا ما نعثر على أوجه تشابه: بُنى ليست متماثلات تطورية (بسبب السلف المشترك)، لكنها تؤدي وظائف متشابهة بفعل التطور التقاربي. فلنقارن الركائز العصبية للذاكرة لدى بضع مجموعات:

النوع/المجموعةبُنى الذاكرة الرئيسيةملاحظات حول تنظيم الدماغ والذاكرة
البشر (وغيرهم من الرئيسيات)الحُصين (في الفص الصدغي الإنسي) – بالغ الأهمية لتكوين الذكريات العرضية والمكانية؛ القشرة المخية الحديثة – تخزن المعرفة الدلالية والجوانب الموزعة من الذكريات؛ اللوزة الدماغية (amygdala) – تعديل الذاكرة الانفعالية؛ الجسم المخطط والمخيخ – التعلم الإجرائي؛ القشرة الجبهية الأمامية – الذاكرة العاملة والتحكم التنفيذي في استرجاع الذاكرة والتخطيط.يربط الحُصين البشري عناصر خبراتنا في أحداث متماسكة 6. ويؤدي تلفه (كما في حالة H.M. 14) إلى فقدان الذاكرة التقدّمي – أي العجز عن تكوين ذكريات عرضية جديدة. وتتيح لنا القشرة البشرية (ولا سيما الفصين الصدغي والجبهوي) تخزين التفاصيل واللغة والسرديات واسترجاعها. كما أن قشرتنا أمام الجبهية متطورة على نحو استثنائي، مما يدعم الاستراتيجية المعقدة ومعالجة الذكريات (مثل التنظيم الزمني والاستدلال).
الثدييات الأخرى (مثل القوارض والكلاب والقرود)الحُصين – حاسم بالمثل للذاكرة المكانية والذاكرة الشبيهة بالعرضية؛ القشرة الكمثرية ومناطق حسية أخرى – تخزن التفاصيل (كالروائح والأنماط البصرية)؛ الجسم المخطط والمخيخ – التعلم الإجرائي (مثل عادات اجتياز المتاهات)؛ المناطق أمام الجبهية (أقل تطورًا لدى غير الرئيسيات، وأكثر تطورًا لدى الرئيسيات) – بعض الذاكرة العاملة والتخطيط البسيط.تتشارك الثدييات عمومًا أنظمة الذاكرة «المعيارية» المعروفة من الدراسات التي أُجريت على الجرذان والقرود. ويحتوي التكوين الحُصيني لدى الجرذ على خلايا مكانية وخلايا زمنية ترمّز مواضع وقوع الأحداث وأوقاتها (بل إن لدى الجرذان عصبونات تطلق إشارات عند مواضع محددة تتذكرها). فإذا عطّلتَ حُصين جرذ، عجز عن استذكار توليفات ماذا-أين-متى 6. وتُظهر دراسات القرود أنها تستطيع تكوين ذكريات طويلة الأمد عن الأشياء التي رأتها ومواضع رؤيتها، مع أن قدرتها على تذكر متى كانت أضعف 27 (فقد واجهت قرود المكاك الريسوسي صعوبة في مكوّن الترتيب الزمني من المهام الشبيهة بالعرضية). ولدى الرئيسيات قشرة أكثر تطورًا تدعم تعميمًا أفضل للذاكرة، وربما بعض البدايات الأولية للسرد (وإن لم يكن قائمًا على اللغة).
الطيور (مثل الغربان والحمام والقرقف)الحُصين الطيري (الموجود في الدماغ الانتهائي الإنسي) – أساسي للذاكرة المكانية واستعادة المخابئ؛ المناطق الوطائية (النيدوباليوم والميزوباليوم) – يُعتقد أنها تؤدي وظائف معرفية عليا شبيهة بوظائف القشرة؛ الجسم المخطط – تعلم روتينات المثير والاستجابة (إجرائي)؛ المخيخ – التعلم الحركي الدقيق (مثل توقيت التغريد).تختلف أدمغة الطيور في ترتيبها (فلا توجد فيها قشرة مخية حديثة مؤلفة من ست طبقات)، لكنها تضم مناطق مماثلة وظيفيًا. ويتيح الحُصين الطيري إنجازات من قبيل تذكر كاسر الجوز كلاركي آلاف البذور المدفونة بعد أشهر. ولدى الطيور التي تخبئ الطعام حجم حُصين أكبر نسبةً إلى حجم الدماغ مقارنةً بالطيور التي لا تخبئه، مما يبرز دوره في الذاكرة. وترمّز العصبونات في حُصين الطيور المواقع تمامًا كما تفعل الخلايا المكانية لدى الثدييات. بل تشير إحدى الدراسات إلى وجود ديناميات شبكية متشابهة للذاكرة لدى الطيور والثدييات 28. ولدى الغرابيات (الغربان والقاقمات) أدمغة كبيرة بالنسبة إلى الطيور، مع مناطق وطائية متطورة تدعم حل المشكلات وربما بعض التعقيد في ذاكرة الأحداث. واللافت أن دماغ الغراب، رغم اختلاف بنيته، يحتوي على عدد من العصبونات يماثل ما في بعض أدمغة القرود 29 – وهو تذكير بأن الأدمغة المختلفة يمكن أن تحقق قدرة فكرية متشابهة.
رأسيات الأرجل (الأخطبوط والسيبيا)الفص العمودي – فص كبير في دماغ الأخطبوط والسيبيا، مكتظ بالعصبونات؛ وهو مركز التعلم والذاكرة (ولا سيما التعلم البصري واللمسي)؛ الفص الجبهي الإنسي العلوي (يُسمى أحيانًا لدى السيبيا «نظير الفص الجبهي») – يشارك أيضًا في تخزين الذاكرة؛ الفصوص البصرية – مسؤولة أساسًا عن الرؤية، لكنها كبيرة وقد تخزن الأنماط البصرية (ولدى الأخطبوط ذاكرة بصرية ممتازة).تطور دماغ رأسيات الأرجل باستقلال كامل عن الفقاريات، ومع ذلك تقاربت الأخطبوطات والسيبيا على نظام للذاكرة. وغالبًا ما يُقارن الفص العمودي لدى الأخطبوط بالحُصين لدى الفقاريات من حيث الوظيفة: فإذا أزيل، فقد الأخطبوط قدرته على تعلم مهام جديدة أو تذكرها. وهو يحتوي على شبكة معقدة من العصبونات ذات تقوية طويلة الأمد (تقوية مشبكية) شبيهة بتلك الموجودة في دوائر الذاكرة لدى الفقاريات 30. ولدى السيبيا نظام الفص العمودي، تُظهر التجارب أنه يحتفظ بالذكريات حتى الشيخوخة 9. ومن المدهش أن حيوانًا ذا بنية دماغية مختلفة تمامًا (موزعة في فصوص متعددة حول المريء!) قد طوّر مع ذلك مركزًا مخصصًا للذاكرة لدمج المعلومات. كما تسهم الأجسام الفطرية لدى الأخطبوط في التعلم (وهي تسمية متشابهة على نحو مربك، لكنها تشير إلى بنية مختلفة عن الأجسام الفطرية لدى الحشرات). وبوجه عام، توضح رأسيات الأرجل أن الذاكرة المعقدة يمكن أن تنشأ في مخطط عصبي مختلف جذريًا – وهو مثال على التطور التقاربي للقدرات المعرفية.
الحشرات (نحل العسل والنمل وغيرهما)الأجسام الفطرية (MBs) – بُنى مزدوجة مؤلفة من ساق وقبعة في دماغ الحشرة؛ حاسمة للتعلم الترابطي، ولا سيما الذاكرة الشمية؛ المعقد المركزي – يدمج المعلومات المكانية، وقد يساعد في ذاكرة الملاحة؛ الضفائر العصبية الحسية (الفص الهوائي، وغير ذلك) – تعالج المثيرات معالجة أولية، لكنها تشارك أيضًا في الذاكرة قصيرة الأمد للإحساسات.أدمغة الحشرات صغيرة لكنها فعالة. وغالبًا ما تُسمى الأجسام الفطرية «مركز التعلم والذاكرة» في دماغ الحشرة، وهي مماثلة للحُصين من حيث الوظيفة 31. فعلى سبيل المثال، تلزم الأجسام الفطرية نحل العسل كي يتعلم روابط معقدة ويتذكرها (مثل ربط لون الزهرة ورائحتها بوقت من اليوم يتوافر فيه الرحيق). وإذا تضررت الأجسام الفطرية، عجز النحل عن تكوين ذكريات طويلة الأمد لمثل هذه الروابط. ومع ذلك، فإن ذاكرة الحشرات إجرائية وترابطية في معظمها (فهي بارعة في ربط المثيرات بالنتائج، والطرق بالوجهات). وتشير ذاكرة وقت اليوم لدى النحل (أي معرفة متى يزور أزهارًا معينة) إلى قدرة بدائية على ماذا-أين-متى (حيث إن «متى» هنا هو وقت اليوم). لكن من المرجح أن «متى» لديها مُرمَّز عبر الإيقاعات اليومية، لا من خلال استذكار عرضي صريح. ولا تملك الحشرات قشرة أو أي شيء شبيه بمركز لغوي، ولذلك تظل ذاكرتها مرتبطة بالمحفزات (فقد تستعيد رائحة أو معلم مكاني ذكرى الطعام). ومن المثير للاهتمام أن بعض الحشرات، مثل ذباب الفاكهة، تُظهر مراحل للذاكرة شبيهة بما لدى الثدييات (ذاكرة قصيرة الأمد، ومتوسطة الأمد، وطويلة الأمد، مع عمليات جزيئية كتلك التي نراها في أدمغة الفقاريات). ويجعل صغر حجم الدوائر العصبية لدى الحشرات منها موضوعًا ممتازًا لأبحاث الذاكرة – إذ يمكننا بالفعل رسم خرائط لدوائر الذاكرة عصبونًا بعصبون في الحشرات الأبسط. وقد وجد العلماء بالفعل أنه بعد التعلم، تُظهر الحشرات تغيرات مشبكية في الأجسام الفطرية تشبه إلى حد كبير التغيرات المشبكية التي تُظهرها الثدييات في الحُصين 32.

على الرغم من الاختلافات، يبرز موضوع مشترك: لقد وجدت الطبيعة طرائق لتخزين المعلومات واسترجاعها عبر جميع هذه الأدمغة. وسواء أكان الأمر يتعلق بأخطبوط يعزز مشابكه في فصه العمودي، أم بطائر يعيد توصيل وطائه (pallium) ديناميكيًا، أم بنحلة تضبط أجسامها الفطرية، فإن الأسس – تقوية الوصلات من أجل الروابط المهمة، ودوائر متخصصة للملاحة المكانية، وما إلى ذلك – تظهر مرة بعد مرة. ومن المرجح أن تعكس هذه المتوازيات مشكلات حسابية مشتركة: العثور على الطعام، والتعرف إلى الأفراد، واجتياز التضاريس، وتعلم ما هو آمن أو خطِر – وكلها تتطلب الذاكرة.

يمتلك البشر أكثر أجهزة الذاكرة تطورًا، لكن لا ينبغي أن نكون متمركزين عصبيًا أكثر من اللازم: فبعض الطيور لديها ذاكرة مكانية فوتوغرافية تتجاوز ذاكرتنا بكثير (فعلى سبيل المثال، يتذكر طائر كسارة بندق كلارك ما يصل إلى 10,000 موضع لتخزين الغذاء!)، وبعض الكلاب لديها ذاكرة شبيهة بالذاكرة الدلالية لعشرات أسماء الأشياء. ومع ذلك، من المثير للاهتمام أن ذاكرتنا المتنوعة والمعمَّمة — التي تساعد فيها القشرة الجبهية الأمامية واللغة — تتيح لنا فعل شيء لا تفعله أي فصيلة أخرى: أن نتذكر ليس الأماكن أو المهارات فحسب، بل القصص والأفكار أيضًا. فنحن نتذكر أشياء غير ملموسة (مثل حبكة رواية أو خطوات برهان في التفاضل والتكامل). ومن المرجح أن تتطلب هذه القدرة البنية العصبية اللازمة للتجريد (القشرة المخية) والبنية النحوية والدلالية (شبكات اللغة)، وهي بنية تفتقر إليها معظم الحيوانات.

وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن الذاكرة قد تتدهور بطرائق مختلفة بين الفصائل. فالبشر يعانون، على نحو سيئ السمعة، من تراجع الذاكرة المرتبط بالتقدم في العمر، ولا سيما الذاكرة العرضية (وغالبًا ما يبدأ ذلك في العقد السادس من عمر المرء) بسبب التغيرات التي تطرأ على الحُصين 17. وتُظهر حيوانات كثيرة أيضًا شيخوخة معرفية. فعلى سبيل المثال، تصبح القوارض أقل براعة في تعلم المتاهات عند الكبر. ومن المثير للاهتمام أن السيبيا تتحدى هذا الاتجاه — إذ تحافظ على حدة ذكرياتها الشبيهة بالذكريات العرضية حتى قبيل موتها 9. لماذا؟ إن فصها العمودي لا يشيخ بالطريقة نفسها، وربما يرجع ذلك إلى أن أعمارها قصيرة وأن التطور قد هيّأ أدمغتها لكي «تستخدمه استخدامًا كاملًا» قبل شيخوخة سريعة. ويمكن للطيور أن تعيش طويلًا (فالببغاوات تعيش عقودًا)، وتشير بعض الدراسات إلى أن الطيور الأكبر سنًا قد تعاني تراجعًا في تعلم التغريد أو الذاكرة المكانية، وإن كان كثير منها يستطيع التعويض بالخبرة.

تذكّرنا كل هذه الفروق الدقيقة بأن الذاكرة حل بيولوجي لمشكلة بيئية، وأن كل فصيلة تحسّنها بطريقة مختلفة. فقد حسّن البشر الذاكرة من أجل المرونة والتركيب (فنحن كائنات عامة الاختصاص)؛ بينما حسّنتها الفصائل الأخرى من أجل التخصص (فالنحلة بارعة في تذكر الأزهار، لكنها لا تستطيع تذكر صوت مفترس على نحو جيد؛ وقد يتذكر طائر المسارات ببراعة، لكنه لا يتذكر القواعد المجردة، وهكذا). ويدفع البشر ثمن مرونتهم، ربما، في صورة قدرة خام أقل في مجالات معينة (فالذاكرة المكانية لدى الإنسان، ما لم تُدرَّب تدريبًا خاصًا، أسوأ من ذاكرة طائر كسارة بندق كلارك). ونحن نسد هذه الفجوات بالأدوات (كالخرائط والكتابة). وبطريقة ما، أخرجنا الذاكرة إلى بيئتنا — وهو أمر لا يفعله أي حيوان آخر.

ما الذي يجعل الذاكرة البشرية فريدة؟#

لقد رأينا أن الحيوانات تتشارك كثيرًا من اللبنات الأساسية للذاكرة. فهل الذاكرة البشرية مجرد «المزيد من الشيء نفسه»، أم أنها مختلفة في نوعها؟ يرى كثير من الباحثين أن فروقًا نوعية معينة تميز الذاكرة البشرية، فتُنشئ ما يمكن أن نسميه «نظام ذاكرة الذات السردية». ولنستعرض السمات التي يُستشهد بها غالبًا بوصفها سمات بشرية فريدة (أو استثنائية على الأقل):

  • الوعي الذاتي الاستذكاري والتأمل الذاتي: كما ناقشنا، لا يتذكر البشر الأحداث فحسب؛ بل يتذكرون تذكّرهم لها أيضًا. ويمكننا أن نتأمل ذكرياتنا («هل حدث ذلك حقًا أم تخيلته؟») وأن نعي ذواتنا في الماضي والحاضر والمستقبل. ويُعد هذا الوعي الذاتي الزمني حجر الزاوية في الذاكرة السيرية، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهومنا للهوية الشخصية («أنا الشخص نفسه الذي…») 11. ولا توجد لدى الحيوانات إلا أدلة قليلة على هذا المستوى من الذاكرة التأملية الذاتية. ومن المرجح أنها تفتقر إلى ما سمّاه أحد علماء النفس «طفرة التذكر (reminiscence bump)» — ذلك التوهج الذاتي الناجم عن السفر ذهنيًا عبر الزمن. كما تتميز الذاكرة البشرية بإعادة البناء وبالاستبصار: إذ نستطيع التفكير في ماضينا واستخلاص استنتاجات جديدة («الآن أدرك سبب حدوث ذلك!»)، وهو أمر لم يُلاحظ لدى الفصائل الأخرى.

  • التنظيم السردي: ينظم البشر ذكرياتهم طبيعيًا في صورة سرديات. فنحن ننشئ خطوطًا زمنية وروابط سببية ومعنى. وتُحرَّر المعطيات الخام للتجربة في هيئة قصة. وقد يُعد ذلك نتاجًا ثانويًا للغة، لكن حتى البشر غير اللفظيين (مثل الأطفال الصغار أو الأفراد الصم الذين لم يتعلموا لغة في وقت مبكر) يبدو أنهم يشكلون سرديات داخلية بمجرد امتلاكهم أي نظام رمزي. ويوفر السرد بنية — بداية ووسطًا ونهاية — تساعد على الاحتفاظ بالذاكرة وتجعلها أكثر من مجرد مجموع أجزائها. كما يتيح نقل الذكريات بين الناس (الثقافة والتاريخ). وبينما تستطيع الحيوانات أن تتعلم من بعضها بعضًا عن طريق العرض، فلا يستطيع أي منها أن يخبر آخر بشيء غير حاضر فورًا. كما تغذي سردياتنا التخطيط: فنحن نحاكي سرديات ممكنة لما قد يحدث، أي إننا «نعيش مسبقًا» وقائع محتملة لكي نقرر مسارًا للفعل.

  • الضغط الرمزي وذاكرة الخلاصة (gist memory): تستطيع الذاكرة البشرية تكثيف حدث معقد في «خلاصة» أو رمز مبسط. فقد تلخص عطلة من طفولتك بعبارة «الوقت الذي تهنا فيه في باريس» — وهي عبارة واحدة تمثل نسيجًا غنيًا من التجارب. ويمكن تخزين هذا الملخص ونقله بسهولة. ولأن الحيوانات تفتقر إلى مثل هذه الوسوم الرمزية، فمن المرجح أنها تخزن الذاكرة بطريقة أكثر تشتتًا وتجزيئًا (مشاهد وأصوات وروائح مترابطة، لكنها غير قابلة للاختزال في تسمية بسيطة). كما تؤثر قدرتنا على التسمية («كان ذلك خطأً» أو «مغامرة») في الطريقة التي نستعيد بها الذاكرة لاحقًا، بل وفي الطريقة التي نشعر بها تجاهها. ونحن نميل إلى تذكر معنى الأحداث أو مغزاها الأخلاقي مدة أطول من التفاصيل التافهة — وهي سمة تكيفية للغاية (فقد تنسى بالضبط شكل مفترس ما، لكنك تتذكر «لا تقترب من تلك المنطقة — فهناك خطر»). ومن المؤكد أن الحيوانات تستخلص الخلاصة على مستوى ما (فالفأر يتعلم القاعدة العامة للمتاهة، والطائر يتعلم الموقع العام للأشجار الغنية بالغذاء)، لكن البشر يذهبون بذلك أبعد، فيكوّنون مفاهيم صريحة يمكن تطبيقها عبر سياقات مختلفة.

  • تكامل الذاكرة الدلالية والذاكرة العرضية: تختلط الذاكرة العرضية والذاكرة الدلالية لدى البشر اختلاطًا غنيًا. فكثيرًا ما نحوّل ذكريات التجارب إلى حقائق («أتذكر قصص جدي عن الحرب» تصبح جزءًا من فهمي الوقائعي للتاريخ). كما نستخدم الذاكرة الدلالية (المعرفة) لبناء استدعائنا العرضي («إن معرفة مفهوم “حفلة عيد الميلاد” تساعدني على تنظيم ذكرياتي عن حفلة عيد الميلاد تلك حين كنت في الخامسة»). ويعني هذا التفاعل أن كل ذاكرة ليست معزولة؛ بل تتصل بشبكة هائلة من المعرفة والسرديات. أما الحيوانات فلديها ذاكرة أكثر وحداتية: فالذكريات الشبيهة بالذكريات العرضية لا تتحول بوضوح إلى معرفة عامة، ولا يحدث العكس. فتُستخدم ذاكرة طائر القيق الشجيري لتخزين الطعام لهذا الغرض المحدد؛ ولا يعمم بعد ذلك مفهومًا مثل «قابلية التلف» بطريقة مجردة تتجاوز المهمة (على الأقل ليس بوسعنا أن نعرف ذلك).

  • الذاكرة الثقافية والتخزين الخارجي: لعل أعمق الفروق هو أن البشر يمدّون الذاكرة إلى خارج رؤوسهم. فالكتابة والفن، والوسائط الرقمية الآن، تعني أننا نستطيع تفريغ التفاصيل والحفاظ على المعلومات عبر الأجيال. وهذه ليست ذاكرة بيولوجية بالمعنى الدقيق، لكنها تتفاعل مع ذاكرتنا الفردية (فنحن نستخدم التقويمات واليوميات والكتب لتكميل أدمغتنا). ويؤثر وجود مخازن الذاكرة الخارجية تأثيرًا ارتجاعيًا؛ إذ يمكننا أن نتعلم ذكريات الآخرين من السجلات، وهو أمر لا يفعله أي حيوان. وهذا ينشئ ثقافة تراكمية. كما يخفف الضغط التطوري على سعة ذاكرتنا الخام؛ فبدلًا من ذلك، فضّل التطور أولئك القادرين على التعلم من المصادر الخارجية ومن الآخرين. ولدى الحيوانات ثقافة بالفعل (فبعض الطيور والرئيسيات تتعلم سلوكيات تنتقل اجتماعيًا)، لكنها لا تمتلك سجلات رمزية خارجية. ولذلك تموت ذاكرة كل حيوان إلى حد كبير بموته، ويبدأ كل جيل من جديد ببعض الغرائز وبعض العادات المتعلمة اجتماعيًا، لكن لا شيء يشبه المكتبات أو قواعد بيانات الإنترنت. وقد سُمّي هذا الفرق «أثر السقاطة» (ratchet effect) في الثقافة البشرية — إذ تتراكم المعرفة والذاكرة بمرور الوقت، لأننا لا نفقد كل شيء مع كل جيل.

تسهم كل هذه العوامل في ما يمكن أن نسميه «الذاكرة السيرية» لدى البشر — أي سرد حياة المرء. وترتبط حيازة ذاكرة سيرية، من الناحية النفسية، بإحساسنا بالمعنى والاستمرارية. وليس معنى ذلك أن الحيوانات لا تملك تاريخًا لحياتها — فهي تملكه، وقد تتذكر بعض الحيوانات طويلة العمر والاجتماعية (كالفيلة والدلافين) رفاقها وأحداثًا ماضية على مدى عقود. لكن حتى لو كانت تملك ذلك، فهي تفتقر إلى السرد السيري الصريح الذي كثيرًا ما يعتز به البشر («قصة حياتي»).

وعليه، فإن فرادة الذاكرة البشرية تتعلق بالدرجة (فنحن نتذكر أكثر ومدة أطول وبطريقة أكثر تجريدًا) كما تتعلق بالنوع (فنحن نتذكر بطريقة مختلفة، على نحو واعٍ بالذات وسردي). ولا يتفق الجميع على حدة هذا التمييز؛ إذ يحذر بعض علماء العلوم المعرفية من أننا قد نستهين بعقول الحيوانات لمجرد أنها لا تستطيع أن تخبرنا بتجاربها. ولعل الدلفين يمتلك بالفعل إحساسًا بالذات في ذكرياته، لكنه لا يستطيع التعبير عنه لنا. ويجب أن نكون حذرين: فغياب الدليل ليس دليلًا على الغياب. لكن، إلى أن يثبت خلاف ذلك، يتمثل الموقف العلمي الافتراضي في أن لدى البشر مجموعة من سمات الذاكرة التي لم يُثبت بصورة قاطعة وجودها لدى الفصائل الأخرى.

وكمثال مؤثر على التشابه والاختلاف معًا، تأمل الشيخوخة والذاكرة. فقد يسترجع إنسان مسن ذكريات طفولته، ويروي قصصًا مفصلة (مع احتمال تزيينها) — وهذا يُظهر السرد والذات والمنظور الزمني. وقد يتعرف كلب مسن بوضوح إلى مالك قديم بعد سنوات (مظهرًا ذاكرة طويلة الأمد)، وقد تكون لديه عادات واستجابات انفعالية تعود إلى مرحلة الجرو، لكنه لا يستطيع مشاركة تلك الذكريات أو التأمل فيها. وعندما تتلاشى الذاكرة العرضية لدى الإنسان (كما في الخرف)، يفقد ذلك الخيط السيري، حتى لو بقيت العادات وبعض المعارف — فيصبح، بمعنى ما، أشبه قليلًا بحيوان يعيش في الحاضر المباشر. ويؤكد هذا التشبيه مدى أهمية الذاكرة العرضية السيرية لما نعدّه حياتنا العقلية البشرية.

قبل أن نختتم، من المثير للاهتمام أن نلاحظ زاوية فلسفية: قد يقول داروين إن اختلافاتنا في الذاكرة اختلافات في الدرجة، تراكمت فأحدثت أثرًا كبيرًا؛ وقد يقول ديكارت إن البشر وحدهم يمتلكون روحًا غير مادية تمنحهم التذكّر الحقيقي. أما علم الأعصاب الحديث فيقع في مكان ما بين هذين الرأيين – إذ يقرّ بالاستمرارية، لكنه يقرّ أيضًا بالتآزر الخاص في الإدراك البشري. وكما قال أحد العلماء مازحًا: «إن المنصّة التي يضع البشر أنفسهم عليها من حيث القدرات العصبية تواصل التهاوي. وكل ما في الأمر أن أنواعًا أخرى من الحيوانات تؤدي وظائف مماثلة بطرائق مختلفة.» 33 وبعبارة أخرى، تصل حيوانات كثيرة إلى الأهداف الوظيفية نفسها (التذكّر، والتعلّم، واتخاذ القرار)، ولكن بوسائل مختلفة. غير أن الشيطان يكمن في التفاصيل، وهذه التفاصيل – الوعي الأوتونويتي (autonoetic consciousness)، واللغة، والسرد – هي التي تُحدث الفرق كله في الطريقة التي نختبر بها الذاكرة.


الأسئلة الشائعة#

السؤال 1. هل تمتلك أي حيوانات ذاكرة عرضية حقيقية، أم أن أقصى ما لديها هو ذاكرة «شبيهة بالعرضية»؟
الجواب. يعتمد ذلك على التعريف. فإذا كنا نعني بـ«الذاكرة العرضية الحقيقية» استذكارًا ذاتيًا للسيرة مع إعادة معايشة واعية، فليس لدينا دليل واضح على أن أي حيوانات غير بشرية تمتلك ذلك. تستطيع الحيوانات تذكّر الأحداث (ماذا حدث وأين ومتى)، كما أظهرت الدراسات التي أُجريت على طيور القيق الشجيري، والجرذان، والقردة العليا، وغيرها 7 5. وقد تكون هذه الذكريات مفصّلة للغاية وطويلة الأمد. لكن السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الحيوانات تختبر تلك الذكريات اختبارًا انعكاسيًا. هل لديها إحساس من قبيل «أتذكر أنني فعلت كذا»؟ لا يمكننا أن نعرف ذلك مباشرة، لكن معظم العلماء يشكّون في أن الحيوانات تمتلك استدعاءً عرضيًا شبيهًا بالاستدعاء البشري. ولذلك نصف قدراتها بأنها «شبيهة بالعرضية». ويرى بعضهم أن القردة العليا أو الدلافين، نظرًا إلى ذكائها، قد تمتلك درجة من الذاكرة العرضية، لكن الأدلة ليست حاسمة. وفي الوقت الراهن، لا يزال البشر النوع الوحيد الذي ثبت أنه يستذكر أحداثًا ماضية وهو واعٍ بأنها تجارب ماضية (الوعي الأوتونوئيتي). وقد يجد البحث المستقبلي طرائق ذكية لاختبار هذا المكوّن الذاتي لدى الحيوانات، لكن ذلك صعب في غياب اللغة.

السؤال 2. كيف يختبر العلماء ذاكرة الحيوانات إذا كانت الحيوانات لا تستطيع الكلام؟
الجواب. يصمّم الباحثون تجارب سلوكية تؤدي دور مؤشرات بديلة لاستدعاء الذاكرة. فعلى سبيل المثال، تُعدّ تجربة طيور القيق الشجيري تجربة كلاسيكية: إذ يدل اختيار الطائر البحث في موقع محدد بعد انقضاء فترة زمنية معينة على أنه تذكّر ماذا خبّأ، وأين خبّأه، ومنذ متى 7. وبالمثل، قد تتضمن الاختبارات مع الجرذان تعريضها لجسم في سياق معين، ولجسم مختلف في سياق آخر، ثم ملاحظة ما إذا كانت ستتعرف لاحقًا إلى عدم تطابق الجسم والمكان (بما يدل على أنها تتذكر أي جسم كان في أي مكان أصلًا). ويتمثل نهج آخر في نماذج «السؤال غير المتوقع»: إذ يُدرَّب الحيوان على توقّع شيء ما، ثم يُفاجأ بسؤال مختلف عن الماضي. فإذا استطاع الإجابة، دلّ ذلك على استخدامه المرن للذاكرة. ومع القردة العليا، أجرى الباحثون، مثلًا، تجارب من قبيل عرض أداة عليها، ثم إخفائها، ثم إتاحة فرصة لاستردادها واستخدامها بعد وقت طويل – إذ يشير نجاح القردة العليا إلى أنها تذكرت موقع الأداة بعد انقضاء فترة زمنية. أما بالنسبة إلى التخطيط للمستقبل، فتختبر تجارب من قبيل منح الحيوان خيارًا الآن لا يحقق عائده إلا لاحقًا (مثل أداة للاستخدام المستقبلي، أو مكافأة فورية) ما إذا كان قادرًا على التخطيط للمستقبل. ويجب أن تستبعد الاختبارات المعرفية أيضًا التفسيرات الأبسط (مثل القواعد الترابطية أو الإشارات). إنه مجال إبداعي – فبما أن الحيوانات لا تستطيع إخبارنا بذكرياتها، يتعين على العلماء أن يتحولوا، من خلال التجارب، إلى «قارئي عقول» الحيوانات.

السؤال 3. ما الوعي الأوتونوئيتي، ولماذا هو مهم؟
الجواب. الوعي الأوتونوئيتي هو مصطلح قدّمه إندل تولفنغ لوصف القدرة على وضع المرء نفسه ذهنيًا في الماضي (أو المستقبل) وأن يكون واعيًا بأن ذلك تجربته الخاصة 11. وهو في جوهره الإحساس بالذات عبر الزمن – أي «أتذكر هذا، وأعرف أنني أعيش من جديد لحظة من ماضيّ». وتنبع أهميته من أنه ما يجعل الذكريات العرضية تبدو «مملوكة» ومُعاشة. فمن دون الوعي الأوتونوئيتي، قد تظل قادرًا على التعلّم من الأحداث الماضية (ومعرفة ما حدث)، لكنك لن تمتلك الصلة الشخصية نفسها ولا تجربة الاستذكار الغنية. ويتيح الوعي الأوتونوئيتي أمورًا مثل الحنين، والندم، والنمو الشخصي، لأنك تتأمل التجارب بوصفها تجاربك. وهو مرتبط أيضًا بقدرتنا على تخيّل أنفسنا في سيناريوهات افتراضية (السفر الذهني عبر الزمن إلى المستقبل). ويُعتقد أن الوعي الأوتونوئيتي لدى البشر يظهر في مرحلة الطفولة المبكرة (نحو سن 4، حين يبدأ الأطفال في الحديث عن الأحداث الماضية بالتفصيل ويفهمون مفهوم «التذكّر»). ومن المرجح أن يتضمن أساسه العصبي تفاعل الشبكة الجبهية الجدارية مع الحُصين، بما يمنح ذلك المنظور الفوق-معرفي («أنا أتذكّر»). ولا أحد يعرف على وجه اليقين ما إذا كان أي حيوان يمتلك وعيًا أوتونوئيتيًا – فهذا موضوع جدل. فإذا كان لحيوان ما مستوى من الوعي بالذات (فالدلافين، مثلًا، تتعرف إلى نفسها في المرايا)، فهل يمكن أن يكون لديه أيضًا إحساس من قبيل «لقد فعلت هذا في الماضي»؟ هذا ممكن، لكن الأدلة الحالية لم تؤكده. ولذلك يظل الوعي الأوتونوئيتي ظاهرة (ربما) فريدة من نوعها لدى البشر، بقدر ما نستطيع أن نعرف، وهو جزء كبير مما يجعل الذاكرة البشرية مختلفة ذاتيًا.

السؤال 4. هل تستطيع الحيوانات تذكّر أحداث محددة بعد سنوات؟
الجواب. نعم، تستطيع حيوانات كثيرة الاحتفاظ بذكريات معينة لفترات طويلة على نحو لافت، وإن كان علينا استنتاج وجود هذه الذكريات من السلوك. ومن الأمثلة على ذلك: لوحظت الفيلة وهي تستجيب بفرح للقاء أفراد (من البشر أو من الفيلة الأخرى) بعد عقود – بما يوحي بذاكرة تعرّف إلى أولئك الأفراد. وغالبًا ما تتذكر الكلاب أصحابها السابقين أو مدربيها حتى إن لم ترهم لسنوات. وتستطيع الطيور البحرية العودة إلى الجزيرة نفسها التي فقست فيها بعد قضاء سنوات في البحر، بما يدل على ذاكرة مكانية طويلة الأمد. أما الدليل التجريبي، فقد أظهر أن أسود البحر تتذكر مهام تدريبية بعد عقد من الزمن من دون أي تجديد للتدريب. وكما ذُكر، تتذكر طيور مثل كاسرات البندق مواقع مخابئها لعدة أشهر. غير أن هذه الذكريات غالبًا ما تكون مرتبطة بمعلومات مهمة وذات صلة بالبقاء (الروابط الاجتماعية، ومواقع الطعام، ومسارات الملاحة). فهل تتذكر الحيوانات أحداثًا عابرة لا أهمية لها بعد سنوات؟ على الأرجح لا، شأنها في ذلك شأننا نحن أيضًا؛ إذ ننسى الأشياء التافهة بمرور الوقت. وغالبًا ما يرتبط بقاء الذاكرة بفائدتها وتعزيزها. كما أن الحيوانات لا «تتمرن» على ذكرياتها من خلال رواية القصص كما نفعل نحن، ولذلك تحتاج الذاكرة، لكي تدوم، عادةً إلى إعادة استخدام دورية. وحين تحتفظ بذاكرة طويلة الأمد، يكون ذلك مثيرًا للإعجاب، بالنظر إلى أنها لا تستطيع تدوينها – فكل شيء موجود في دوائرها العصبية. وتُظهر بعض الحيوانات أيضًا استدعاءً معتمدًا على السياق – فقد لا تكشف أنها تتذكر شيئًا إلا عندما تكون في سياق مشابه للسياق الذي وقع فيه الحدث الأصلي. وبوجه عام، نعم، يمكن للحيوانات أن تمتلك ذاكرة ممتازة طويلة الأمد لأنواع معينة من المعلومات، وقد تضاهي ذاكرة البشر أو تتفوق عليها أحيانًا (ولا سيما في مهام مثل الذاكرة المكانية). وذاكرتها، مثل ذاكرتنا، عرضة للخطأ وانتقائية، لكن التطور منح أنواعًا كثيرة القدرة على تذكّر ما يهم، ما دام مهمًا.

السؤال 5. ما مثال على شيء يتذكره البشر ولا يمكن لأي حيوان آخر أن يتذكره؟
الجواب. ثمة أمثلة كثيرة – فكل ذاكرة تنطوي، في الأساس، على تجريد معقد، أو استدلال متعدد الخطوات، أو ما وراء المعرفة ستكون فريدة من نوعها لدى البشر. فعلى سبيل المثال، نستطيع تذكّر القصص (مثل حبكة هاملت أو فيلم) التي لا صلة مباشرة لها بالبقاء، وهي محض خيال – فقد يستمتع حيوان بمشاهدة حركات على شاشة، لكنه لن يشفّر المسار السردي بفهم. ونتذكر الأحداث التاريخية التي وقعت قبل أن نولد بقرون من خلال التعلم في المدرسة – ولا يمتلك أي حيوان هذا النوع من الذاكرة العابرة للأجيال. ونتذكر الكلمات والأرقام: فتذكّرك رقم هاتفك أو تهجئة كلمة ما أمر لا يمكن للحيوانات امتلاكه، لأن هذه نتاجات ثقافية بشرية. كما نتذكر أحيانًا عمليات تفكيرنا الداخلية (مثل «أتذكر أنني كنت أفكر في ما إذا كنت سأغيّر وظيفتي في الصيف الماضي») – فهذه الذاكرة الانعكاسية لفكرة ما شديدة الانتماء إلى ما وراء المعرفة وفريدة من نوعها لدى البشر. ومن الأمثلة الأخرى أن البشر يستطيعون تذكّر الأحلام وتحليلها، بل وإخبار شخص آخر بها في اليوم التالي – فقد تحلم الحيوانات (فالكلاب تتحرك وتئن، بما يدل على محتوى حلمي)، لكنها لا تستعيد تلك الأحلام لاحقًا ولا تشاركها. ونتذكر المعتقدات والنيات («أتذكر أنني كنت أنوي الاعتذار لها – ينبغي أن أفعل ذلك اليوم»). وهذا يتطلب نظرية في العقل وإسقاطًا للذات. وبالطبع، نتذكر اللغة نفسها – مثل كلمات الأغاني، أو القصائد، أو الحجج الفلسفية. وليس لهذه الأمور نظير في أذهان الحيوانات. وفي المقابل، تتذكر الحيوانات بعض الأشياء التي نعجز نحن عادةً عن تذكرها – مثل الذاكرة الصدوية الدقيقة للدلفين لانعكاسات السونار، أو ذاكرة الكلب للروائح. لكن هذه اختلافات في نوع المحتوى، لا في التعقيد البنيوي للذاكرة. وأعمق الذكريات الخاصة بالبشر وحدهم هي تلك التي تبني المعنى والهوية: مثل «أتذكر اليوم الذي أدركت فيه المهنة التي أريدها – فقد غيّر اتجاه حياتي». فتلك ذاكرة متعددة الطبقات (حدث + معنى شخصي + دلالة مستقبلية)، ولا يستطيع أي حيوان، بقدر ما نعلم، تكوينها أو التأمل فيها.


المصادر#

  1. Darwin, CharlesThe Descent of Man (1871)، الفصل 3. يرى داروين أن الاختلافات بين العقلين البشري والحيواني اختلافات في الدرجة، لا في النوع: “There is no fundamental difference between man and the higher mammals in their mental faculties.” 1 ويورد داروين أمثلة على ذاكرة الحيوانات واستدلالها وانفعالاتها دعمًا للاستمرارية التطورية.
  1. Descartes, RenéDiscourse on Method (1637) والمراسلات. افترض ديكارت أن الحيوانات تفتقر إلى الأرواح وإلى التفكير الحقيقي. واستخدم غياب اللغة لدى الحيوانات دليلًا على أنها لا تمتلك العقل أو الذاكرة الواعية: فاللغة هي «العلامة اليقينية الوحيدة على الفكر المستتر في جسد» 2، وبما أن الحيوانات «لا تنتج أبدًا شيئًا يشبه الكلام التقريري… [فإن ذلك] لا يمكن تفسيره إلا» بافتقارها إلى الفكر 3. ومن ثم رأى أن سلوك الحيوانات آلي، من دون استذكار واعٍ.
  2. Clayton, N. S. & Dickinson, A. (1998) – «Episodic-like memory during cache recovery by scrub jays». Nature، 395:272–274. أظهرت هذه الدراسة الرائدة أن طيور القيق الغربي تتذكر نوع الطعام الذي خبأته، ومكانه، والمدة التي مضت منذ تخزينه، وتعدّل بحثها عن الغذاء لتجنب المواد الفاسدة 7. وقدمت أول دليل على وجود ذاكرة شبيهة بالذاكرة العرضية لدى حيوان غير بشري، متحديةً فكرة أن استدعاء أحداث ماضية فريدة خاص بالبشر وحدهم 10.
  3. Eacott, M. & Norman, G. (2004)؛ Eacott, M. & Easton, A. (2005) – تجارب مختلفة على الذاكرة الشبيهة بالذاكرة العرضية لدى الجرذان. فعلى سبيل المثال، أظهر Eacott & Easton أن الجرذان تستطيع تذكر الأشياء، والسياقات («أيّ» موقف)، والأماكن؛ أي ذاكرة ماذا-أين-أيّ 34. وأثبت Fortin et al. (2004) أن استرجاع الذاكرة الشبيه بالاستذكار لدى الجرذان يعتمد على الحُصين 35. وتشير هذه الأعمال إلى أن الجرذان تكوّن ذكريات متكاملة للأحداث (وإن كانت غير لفظية)، وتستخدم الاستذكار بدلًا من الألفة البسيطة عندما تتطلب السمات ذلك 36.
  4. Veyrac et al. (2015) – “Memory of occasional events in rats: individual episodic memory profiles, flexibility, and neural substrate.” Journal of Neuroscience، 35(33):7575-87. دراسة حديثة طوّرت اختبارًا للذاكرة الشبيهة بالذاكرة العرضية لدى الجرذان، مستخدمةً مواقف قريبة من نماذج الذاكرة العرضية البشرية. ووجدت أن الجرذان تستطيع تكوين ذكريات متكاملة طويلة الأمد (≥24 يومًا) لتجارب فريدة (تركيبات الرائحة-المكان-السياق)، واسترجاعها بمرونة. والأهم أن تعطيل الحُصين الظهري أوقف هذا الاستذكار الشبيه بالذاكرة العرضية 6، وأن استدعاء الذاكرة فعّل شبكة موزعة بين الحُصين والقشرة الجبهية الأمامية 37 – مماثلةً للشبكات العصبية المشاركة في الاستدعاء العرضي لدى البشر.
  5. Suddendorf, T. & Corballis, M. (2007) – “The evolution of foresight: What is mental time travel and is it unique to humans?” Behavioral and Brain Sciences، 30(3):299-351. مراجعة شاملة تجادل بأن بعض الحيوانات، وإن كانت تُظهر عناصر من السلوك الموجّه نحو المستقبل، فلا يوجد دليل مقنع على امتلاكها القدرة الكاملة على السفر الذهني عبر الزمن التي يمتلكها البشر 19. ويقترح المؤلفان أن البشر طوروا، على نحو فريد، القدرة على الانفصال عن حالات الدافع الراهنة والتخيل المرن لسيناريوهات مستقبلية وماضية. ويناقشان دراسات على قيق الشجيرات الغربي والقردة العليا، ويخلصان إلى أن هذه السلوكيات يمكن تفسيرها بآليات أبسط أو أنها خاصة بمجالات محددة، في حين أن الاستشراف البشري عامّ المجالات ومتعدد الاستخدامات.
  6. Nautilus Magazine (2019) – «Language Is the Scaffold of the Mind» بقلم A. Ivanova 26 22. مقال ميسّر يشرح كيف تشكّل اللغة الفكر والوعي البشريين. ويوضح، بالاستناد إلى الأبحاث والأمثلة، أن اللغة تتيح لنا اكتساب معلومات ما كنا لنكتسبها بغيرها (مثل المفاهيم العددية الدقيقة التي تتجاوز ما يمكننا إدراكه عدديًا دفعة واحدة)، وأنها تكثّف الخبرة البشرية في صيغة قابلة للتواصل: «ثراء الخبرة البشرية بأكمله مكثفًا في تسلسل خطي من الكلمات». 22 وفي هذا السياق، يدعم المقال فكرة الضغط الرمزي للذكريات، وكيف تتيح اللغة التخطيط التجريدي ونظرية العقل.
  7. The Swaddle (18 أغسطس 2021) – «Even in Old Age, Cuttlefish Remember Every Meal They Ate: Study» بقلم S. Kalia 38 39. ملخص شائع لأبحاث ذاكرة السيبيا، يستشهد بدراسة كامبريدج المنشورة في Proc. Royal Soc. B (2021) بقلم Schnell et al. ويذكر أن السيبيا يستطيع تذكر ماذا وأين ومتى وقعت الأحداث (الوجبات)، وأن هذه القدرة لا تتراجع مع التقدم في العمر 8 9. كما يقارن تشريح دماغ السيبيا (إذ لا يملك حُصينًا؛ وتوجد الذاكرة في الفص العمودي أو نظير «الفص الجبهي») بتشريح دماغ الإنسان 39. ويقتبس، بالإضافة إلى ذلك، من علماء أحياء ملاحظتهم أن اكتشافات الذاكرة المتقدمة لدى الحيوانات تعمل على تقويض فكرة التفرد العصبي للإنسان 33.
  8. Internet Encyclopedia of Philosophy – «Animal Minds» (2019) 2 3. مقال مرجعي يتضمن منظورات تاريخية. ويفصّل حجج ديكارت ضد تفكير الحيوانات، بما في ذلك حجة اختبار اللغة. ويوضح المقطع المستشهد به رأي ديكارت القائل إن عجز الحيوانات عن استخدام اللغة أو الإشارات للتعبير عن الأفكار يدل على غياب الفكر (وبالتالي الذاكرة التداولية) لدى الحيوانات. كما يوفر سياقًا لمفهوم الأوتوماتا لدى ديكارت، ولكيفية استجابة العلماء اللاحقين له.
  9. أجسام الفطر في الحشرات – درس Strausfeld et al. (1998-2018) وآخرون أدمغة الحشرات. ومن المصادر التوضيحية مقال في Frontiers in Neural Circuits (2018) ينص على أن «أجسام الفطر لدى الحشرات (MBs) هي مراكز دماغية مزدوجة، تؤدي، شأنها شأن حُصين الثدييات، وظيفة بارزة في التعلم والذاكرة». 31 ويسلط هذا الضوء على التطور المتقارب لأنظمة الذاكرة. فأساسًا، يقوم جسم الفطر بالنسبة إلى النحلة بالدور الذي يقوم به الحُصين بالنسبة إلى الإنسان من حيث تكوين الذكريات الترابطية (ولا سيما الشمية). وتؤكد مثل هذه الدراسات أن الكائنات، حتى المتباعدة تطوريًا، طورت بُنى عصبية مخصصة لدعم ذاكرة التجارب.

يعزز كل مصدر من هذه المصادر أجزاءً من لغز الذاكرة المقارنة: بدءًا من الأسس الفلسفية (داروين وديكارت)، مرورًا بالتجارب المختبرية (طيور القيق الغربي والجرذان والسيبيا)، وصولًا إلى المناقشات النظرية (السفر الذهني عبر الزمن، واللغة والإدراك). وهي ترسم مجتمعةً صورةً مفادها أن أنظمة الذاكرة الحيوانية قد تكون مبهرة، بل ومألوفة لنا على نحو خافت، لكن الذاكرة البشرية – ولا سيما في عظمتها العارفة بذاتها، والقابلة للتواصل، والاستشرافية – تظل حالة شاذة معرفيًا، وسمًا من سمات “deep-cognition-core” يميز عقولنا حقًا، حتى وهو يصلنا بالسلالة الحيوانية.